خالد صلاح

7 سنوات على محاكمة البنا وإزهاق مخطط العثمانيين الجدد.. مشرط 30 يونيو يستأصل سرطان الإخوان من جسد مصر.. قصة الجماعة ووهم الخلافة بين القصر والإنجليز وهتلر و"حكمتيار" وأردوغان.. وحكاية يوم شعبى صحح أخطاء 85 سنة

الثلاثاء، 30 يونيو 2020 12:00 م
7 سنوات على محاكمة البنا وإزهاق مخطط العثمانيين الجدد.. مشرط 30 يونيو يستأصل سرطان الإخوان من جسد مصر.. قصة الجماعة ووهم الخلافة بين القصر والإنجليز وهتلر و"حكمتيار" وأردوغان.. وحكاية يوم شعبى صحح أخطاء 85 سنة 30 يونيو
حازم حسين

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

- 27 مليونا يكتبون آخر سطور الجماعة الإرهابية بعد عقود من العمالة والإجرام.. والثورة تستعيد مواقف التنظيم ضد مصر والقوى الوطنية وعلاقة مؤسّسه بالإنجليز والنازيين.. عناصر الإخوان يغتالون الخازندار والنقراشى وأحمد ماهر ويُحرقون حارة اليهود ودور السينما خدمة للمحتل


- ثورة 30 يونيو تُفسد مخطط اتخاذ مصر مرتكزا لسيطرة العثمانيين.. والأتراك يتكبدون خسائر ضخمة  تعويضا لانكسار الإخوان

- 22 مليون استمارة «تمرد» تطلق موجة الغضب الشعبى ضد فاشية الإخوان وتستعيد هوية الوطن


- شكوك فى أصول ابن «الساعاتى» و«الإخوان» يرفعون شعار الخلافة لاستعادة الدولة العثمانية.. تحالف مع أردوغان تحت قدم «حكمتيار» ودعم خارجى لتأسيس التنظيم الدولى عقب محاولة اغتيال جمال عبدالناصر وخطة تفجير القناطر الخيرية.. ومؤسس الجماعة يتواصل مع هتلر بوساطة أمين الحسينى 

-  حكاية يوم شعبى صحّح أخطاء الدولة طوال 85 سنة


-  البنا يتحالف مع الاحتلال ضد الوفد والشعب.. النظام الخاص يقتل ويفجر ويحرق القاهرة ويُخطط لإغراق الدلتا.. ودولة 30 يونيو تتخذ أول موقف جاد تجاه الجماعة.. قصة 500 جنيه حصل عليها مؤسس  الإخوان من الإنجليز وسر الالتقاء بين أهداف لندن وشعارات الجماعة.. والاحتلال الإنجليزى يستغل التنظيم لمواجهة المد الوطنى وآثار ثورة 1919

- 10 دول تصنف الإخوان تنظيما إرهابيا عقب ثورة 30 يونيو وإطاحة الجماعة من حكم مصر


- أردوغان يستدعى مرسى بعد شهرين من فوزه ويستغله لتوريط مصر فى قطع العلاقات مع سوريا
 
 
كان يقترب من الثالثة عشرة وقتما اندلعت الثورة فى مارس 1919، وعندما شكّل سعد زغلول وزارته الأولى بالعام 1924 كان يخطو خطواته الأولى فى دار العلوم، ومع وفاة زعيم الوفد والثورة خلال أغسطس 1927 كان حسن البنا يتأهّب لتسلُّم وظيفته، مُعلّمًا للخط العربى فى مدينة الإسماعيلية. والأخطر أنه كان يُجهِّز لتدشين جماعة الإخوان المسلمين (مارس 1928)، الخطأ التاريخى الذى فشلت الدولة بكل أجهزتها فى التعامل معه بجدية لأكثر من خمس وثمانين سنة، قبل أن يُصوّب المصريون تلك الوضعية الخاطئة فى ثورة 30 يونيو 2013.
 
تأسَّست الجماعة فى العام الخامس من إسقاط الدولة العثمانية رسميًّا بتوقيع اتفاقية لوزان (يوليو 1923). وبدا واضحًا منذ البداية أن أفكار «البنا» بشأن التنظيم ترتبط بمركز الدولة الساقطة فى الآستانة «إسطنبول»، أكثر من ارتباطها ببيئة التأسيس فى الإسماعيلية التى لم يتجاوز عُمرها وقتها ستة عقود، بل وأكثر من ارتباطها بالقاهرة أو الدولة المصرية. يُمكن استخلاص تلك الرؤية من بنية الجماعة وهيكلها التنظيمى، ووضعية منصب المُرشد بسلطاته الواسعة وهيمنته المُطلقة على الأجنحة والقواعد، ثمّ الارتكاز إلى مفاهيم الأُمميّة ووحدة المجتمع المسلم، وما أسماه البنا «أستاذيّة العالم»، بوصفها مُعادلاً يُكافئ فكرة الدولة الإمبراطورية المُهيمنة على العالم من مُنطلق عقائدى. وتأكَّد هذا الملمح عمليًّا مع مساعى الإخوان للتقارب مع القصر، بحسب مصادر تاريخية عدّة، ومحاولات إقناع الملك فؤاد، ثم ابنه فاروق من بعده، بفكرة الخلافة الإسلامية، وبإمكانية أن تنطلق من القاهرة، وأن ترث أسرة محمد على تركة العثمانيين!
 
2013-06-30T123338Z_1946627247_GM1E96U1KUI01_RTRMADP_3_EGYPT-PROTESTS
 
فى المقابل، كانت معاناة بريطانيا مُمتدّة فى مواجهة أكبر موجات التحرُّر منذ هزيمة أحمد عرابى وسقوط مصر فى قبضة الجيش الإنجليزى بالعام 1882. لم يكن مُتوقّعًا أن تنحلّ مركزية الخطاب الوطنى وقدرته العظيمة على الحشد وتنظيم الغضب الشعبى تجاه الاحتلال، من دون تفكيك الفكرة المصرية لصالح مركزية جديدة ذات ثقل عاطفى. أغلب الظن أن البريطانيين فطنوا إلى استحالة إضعاف هذا المدّ الوطنى إلا باللجوء للخطاب الدينى، وهكذا أصبحت فكرة الخلافة مدخلاً ذهبيًّا لكسر الموجة المصرية المتنامية. ما يُعزّز هذا التصوُّر أن القصر نشط فى طلب الزعامة الدينية، وتعمَّقت اتصالاته مع دوائر الحكم والقوى المهيمنة بالحجاز واليمن والشام، بغرض تسويق الفكرة، وهو أمر يصعب حدوثه بتلك السهولة والسعة من دون قبول الاحتلال ومباركته. وهكذا تزامن تأسيس جماعة الإخوان مع تلك الرؤية، ووفق التسلسل المنطقى لا يُمكن استبعاد روابط مُؤسِّس التنظيم مع أجنحة السلطة البريطانية داخل مصر، أو مع مؤسَّسات مُتّصلة بتلك السلطة، وأهمها الدعم المادى المُباشر الذى تحصَّل عليه «البنا» من أفراد وجهات أجنبية، وأن أول مساجد الجماعة بُنيت فى الإسماعيلية بدعم مُباشر من شركة قناة السويس (الخاضعة لولاية فرنسا وبريطانيا) قيمته 500 جنيه مصرى!
 

حسن البنا الذى تُثار شكوك بشأن أصوله، وكتب فى ذلك عباس العقاد وآخرون قالوا إنه ينحدر من يهود المغرب، مُستشهدين بانقطاع نسب والده فى مصر، وبلقبه «الساعاتى» الذى لم يكن معروفًا كمهنة للمصريين. أسّس جماعته على أكتاف الحرفيين والأميين وأنصاف المُتعلمين، مستغلاً المساحة المشتركة بين القصر والاحتلال البريطانى، ليقف بقدميه فى التربة المصرية مُلقيًا عينيه على أطلال الدولة العثمانية، وبفعل هذا التركيب المتناقض عاشت الجماعة عقودها الماضية فى تجاذبات لا حدّ لها، ترفع شعارات الدين بينما تستهدف مصالح شخصية للتنظيم، وتدّعى الوطنية فى الوقت الذى تُخلص فيه لفكرة الأستاذية، أو لوهم الخلافة، أو لأطماع الأتراك، أكثر من إخلاصها لمصر، لكن «30 يونيو» أعادت هندسة تلك الفوضى الإخوانية، ووضعت نقطة حاسمة فى آخر سطر الجماعة!

 

30 يونيو وتفكيك وهم الخلافة.. 

أثر فارق أحدثته ثورة 30 يونيو فى المشهد المصرى. لا يتوقف الأمر على الاصطدام الشعبى الخشن مع سلطة تنفيذية أظهرت رجعيتها أو انقلبت على السياق الثورى الذى حملها إلى كراسى الحكم، وإنما يكتسب أبعادا أعمق من كونه محطة الفرز الأولى تقريبا لليمين الدينى، وجلسة المساءلة الأكثر جدية وصرامة لمنظومة الشعارات والمدونات الخطابية التى أسس الإسلاميون من خلالها سرديتهم المُضللة عن الأفضلية والعصمة والاستعلاء على الآخرين بالدين.
 
احتاج الإخوان وحلفاؤهم سنة واحدة فقط لخسارة عقود من التراكمات الاجتماعية والسياسية. فبفضل حالة الغطرسة والعنف التى سيطرت على أداء التنظيم تآكلت قاعدة الراضين به إحسانا للظن، أو الصامتين عليه عجزا عن الاشتباك، وتعززت تلك الحالة بمفارقة الإخوان للأرضية الوطنية الجامعة، واستعجال المجاهرة بأمور تمثل ركائز وتطلعات تنظيمية، لكنها تصطدم اصطداما مباشرا بالهوية المصرية وتاريخ هذا البلد ودوائر انتمائه ومصالحه العليا!
 
 
فرحة-ميدان-التحرير-بعد-بيان-السيسى-تصوير-أحمد-إسماعيل-1-7-2013-(11)
 
سارعت الجماعة إلى إحكام قبضتها على المؤسسات. سيطرت على الغرفتين التشريعيتين، ووضعت رجالها فى الوزارات المتصلة بحياة الناس اتصالا مباشرا، كما أطلقت آخرين فى عدد من المحافظات المهمة، وعملت على اختراق عشرات المؤسسات وتعيين شباب الإخوان فى الجهاز التنفيذى والصحف القومية واتحاد الإذاعة والتليفزيون، وإدخالهم كلية الشرطة والكليات العسكرية. وبالتزامن مع تلك التحركات الداخلية تقارب التنظيم مع النظام الإيرانى، وزار محمد مرسى طهران واستقبل أحمدى نجاد بالقاهرة، واتفق خيرت الشاطر فى لقاء مع قاسم سليمانى (قائد فيلق القدس بالحرس الثورى الذى قُتل فى غارة أمريكية بالعراق قبل شهور) بعدما دخل متخفيا، على تشكيل مجموعات قتالية من شباب الجماعة لتكون نواة لحرس ثورى إخوانى فى مصر، لكن الأخطر بين كل تلك المؤشرات تمثل فى استدعاء رئيس الوزراء التركى وقتها رجب طيب أردوغان للرئيس الإخوانى لحضور مؤتمر حزب العدالة والتنمية، فى إشارة يصعب إخفاؤها إلى عمق الروابط بين الإخوان والنظام التركى، بل ووضع العدالة والتنمية مركزا للفكرة الإخوانية بينما لا يتجاوز مرسى وجماعته حيز الفرع التابع وفق نظرة أردوغان!
 
اتصالا بالمؤشرات السالفة وغيرها، كان واضحا منذ اليوم الأول لـ«مرسى» بقصر الاتحادية أن رؤية السلطة الإخوانية لا تختلف عن ميراث التنظيم من حسن البنا. القلب أو المركز الذى تدور حوله الفكرة لا يبتعد عن شعارات الخلافة وأستاذية العالم، والتطبيق أيضا لم ينحرف عما حدث قبل ثمانية عقود، باستثناء أن الملك لم يعد على العرش كى يبدأ الإخوان لعبتهم من تزيين وهم الخلافة له، أو اتخاذ موالاته ذريعة لضرب الخطاب الوطنى وتفكيك مركزيته الطاغية لدى جموع المصريين، لكن فى مقابل هذا التغير كانت الأمور أفضل بالنسبة للتنظيم على الصعيد الخارجى، إذ تبدو لديه أذرع دولية لم تكن متوافرة خلال ثلاثينيات القرن الماضى، كما أن الأناضول التى كانت مُتحلِّلة من ماضيها الاستعمارى قديمًا، باتت أقرب إلى شعارات التنظيم، بل إنها باتت تُحكم عبر أحد فروعه!
 
 
حسن-البنا

جرائم الماضى ورحلة الهيمنة

تربّى حسن البنا فى الطريقة الحصافية الصوفية، لكنه اتّصل بالشيخين السلفيين مُحب الدين الخطيب ورشيد رضا وتشرّب أفكارهما. ادّعى الانشغال بقضية التحرّر لكنه تقارب مع القصر والمُحتل ورفع شعارًا مُضادًا للهوية الوطنية ومُنتقصًا منها. تاجر باسم مصر لكنه كان أخلص للأناضول والحجاز. زعم مقاومة الاحتلال بينما كان يُساعد على بقائه وحينما تحرّك ضده حاول استجلاب الألمان بدلاً من البريطانيين. قال إنه صاحب دعوة ورسالة دينية لكنه نافس على السياسة وسعى لدخول البرلمان. جُملة طويلة من التناقضات المُربكة صاحبت مُؤسّس الإخوان، وانطبعت على تركيبة الجماعة وأفكارها وتربية قادتها وانحيازاتهم منذ التأسيس حتى الانقضاء والتحلُّل تحت أحذية ثوار يونيو!
 
منذ البداية حاول البنا صياغة منظومة فضفاضة تسمح له بأن يكون كل شىء وأى شىء كيفما يتراءى له وحسبما تقتضى المصلحة، فعرّف الإسلام بأنه «عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية ومصحف وسيف»، ووصف الإخوان بأنها «دعوة سلفية، وطريقة سُنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية»، مُحاولا تكييف الدين وفق تعريفه السابق ليكون مُعادلا للجماعة بتلك الصيغة المائعة التى وضعها، واستكمل الأمر فى رسائله، خاصة التعليم، وفى برامج وآليات التربية، ليُحوّل الإسلام إلى رؤية بالغة التشابك والتعقيد، ويُظهر الإخوان وكأنهم أصحاب الشفرة الوحيدون!
 
أسّس البنا ذراعًا مُسلّحة اغتالت النقراشى والخازندار وأحمد ماهر وآخرين، وحرقت حارة اليهود ودور السينما، وتورَّطت فى حريق القاهرة قبل ثورة يوليو بشهور، بل إن هذا التنظيم الإرهابى لايزال ضمن قائمة المُتّهمين بتصفية «البنا» نفسه فى حادثة لم تُفكَ ألغازها حتى الآن. وامتدّت جرائمه إلى صفوف الإخوان أنفسهم بقتل سيد فايز الذى رُشّح لرئاسة النظام الخاص فقرر عبدالرحمن السندى وفريقه التخلص منه، وامتدّ الأمر إلى محاولة اغتيال عبدالناصر ثمّ تنظيم 1964 ومحاولة تفجير القناطر الخيرية وإغراق الدلتا، وصولا إلى عشرات العمليات الإرهابية والتفجيرات والاغتيالات عقب ثورة يونيو، وآخرها تفجير سيارة مفخخة فى محيط معهد الأورام أغسطس الماضى. 
 
 
قلب-الدين-حكمتيار
 
فى كل ذلك لم يكن الإخوان مشغولين بالهمّ الوطنى، قدر انشغالهم بتقويض دوائر التوافق وشق الصف الوطنى. هكذا تحرّكوا فى الاستحقاقات الانتخابية منذ ترشّح البنا وخسارته بالإسماعيلية، حتى اختطاف الرئاسة والبرلمان بعد ثورة يناير. وهكذا كان موقفهم عندما منح الشعب الأغلبية النيابية لـ«الوفد» خلال الأربعينيات، فخرجت صحيفة «الإخوان المسلمون» عقب إعلان النتيجة بعنوان «الله مع الملك». اتصل «البنا» مع كريم ثابت مستشار فاروق عارضا خدماته، وكما كان الملك يرغب فى دخول الألمان بدلا من الإنجليز، سعى مؤسس الإخوان لدعم تلك الرؤية، فتواصل مع الألمان بوساطة مفتى القدس أمين الحسينى الذى التقى هتلر، ويتردد أن «البنا» نفسه قابل الزعيم النازى، بينما نشطت قواعد التنظيم لترويج أكذوبة إسلامه ومحاولة إظهاره فى صورة حامى الإسلام.
 
هتلر
 
علاقة الإخوان بالقصر تجاوزت ذلك، إذ حظيت الجماعة بمساندة رسمية لاختراق دوائر أخرى من غير العامة، فأسَّست فرقة مسرح قادها عبد الرحمن شقيق حسن البنا، أنتجت ثمانية عروض وسُمح لها بالعمل على مسرح حديقة الأزبكية «المسرح القومى» حاليا، ولم يخلُ الأمر من قبول ومساندة بريطانية. تلك المساندة سمحت لها لاحقا، مع خروج عشرات من قادتها وأعضائها عقب حادث المنشية، بقدر من حرية الحركة فى المحيط العربى، بل والنفاذ للمجتمعات الأوروبية والآسيوية، وعلى تلك الأرضية دشّنت فروعها فى الخليج والدول العربية وماليزيا والسودان وغيرها، ووضعت لبنة تنظيمها الدولى فى لندن، والتقت الأتراك وعقدت روابطها مع الإسلاميين ذوى الهوى العثمانى بدءا من الستينيات، ليتطور الأمر مع نجم الدين أربكان وتلميذه رجب طيب أردوغان، الذى تعمّقت صلاته بالتنظيم تحت قدمى قلب الدين حكمتيار فى أفغانستان، عبر لقاءات عدّة مع راشد الغنوشى وعبد المنعم أبوالفتوح ووجوه إخوانية وجهادية متصلة بالتنظيم. لتمتدّ حلقات التوسع الإقليمية والدولية، بينما تتواصل مواءمات الداخل!.
 
راشد-الغنوشى
 
إلى ذلك، تغلغلت الجماعة فى بنية المحليات، فأحكمت قبضتها على كثير من الأنشطة الخدمية، ورسخّت شخصية التنظيم وقادته فى الوعى العام. هكذا دشّنت عشرات الجمعيات والروابط، ووضعت يدها على مساجد ومراكز شباب، وشقّت طريقا إلى تديين المجتمع عبر استعادة أسماء ورموز من ذلك الحيز وترويجها اجتماعيا والتوسع فى استخدامها على المدارس والمنشآت والمؤسَّسات والمشروعات الخاصة، وتطوّر الأمر إلى وضع اسمى حسن البنا وسيد قطب على 12 شارعا فى 9 محافظات أبرزها القاهرة والإسكندرية. كما هيمنت الجماعة على النقابات والاتحادات المهنية، وباتت تملك حضورا واضحا فى نقابات المحامين والمهندسين والتجاريين والصحفيين والمعلمين والصيادلة ونادى القضاة، وسيطرت على نقابة الأطباء، واستغلت أموال لجنة الإغاثة التى ترأسها القيادى عبدالمنعم أبوالفتوح لسنوات فى استثمارات الجماعة الداخلية، وفى تمويل أنشطتها الخارجية بأفغانستان وغيرها، وتدعيم فروعها فى الصومال والسودان وبلدان أخرى، وشكّلت كذلك قوة هيمنة وضغط داخل الجامعات وروابط الأكاديميين وهيئات التدريس، وضمن أروقة الجهاز الإدارى والجهات التنفيذية والخدمية، وسمحت لها كل تلك الأمور باحتلال المجال العام وامتلاك مجال حيوى للحركة والتأثير ومناطحة النظام، فضلا عن فكرة «القوة المؤجّلة» التى تسمح لها بتوظيف كل تلك الأوراق للتعجيل بالتمكين حال توافر الظروف الملائمة.

النفاذ من شقوق يناير

حتى 28 يناير 2011 كانت جماعة الإخوان ترتدى قناع الحركة الإصلاحية، إلا أنها عملت سريعا على ارتداء قناع ثورى، والنفاذ من شقوق الاحتجاجات الشعبية وزخم الميادين. رغم تقاربها مع حركة كفاية منذ 2004، ثمّ مع حركة 6 إبريل فيما بعد 2008، والجمعية الوطنية للتغيير مع عودة محمد البرادعى بالعام 2010 ليتزعّم موجة سياسية مُعارضة لنظام مبارك، كان القياديان عصام العريان ومحمد البلتاجى يُمثّلان الجماعة فى اجتماع للقوى السياسية قبيل دعوات التظاهر فى 25 يناير، وأبديا تحفظهما بوضوح على الهتاف ضد النظام والرئيس، قبل أن يختتما اللقاء بإعلان القطيعة وعدم المشاركة فى التظاهرات المُرتقبة.
 
تبدّلت الأمور سريعًا مع اشتداد الموجة، فدفعت الجماعة بمجموعات ضئيلة من شبابها فى نهاية يوم جمعة الغضب «28 يناير»، بينما كانت عناصر فرعها الفلسطينى «حماس» تنفّذ مُخطّط اقتحام بعض السجون وإطلاق عناصر التنظيم، ومنهم محمد مرسى الذى أجرى مداخلة هاتفية مع قناة الجزيرة بهاتف «الثريا» من محيط سجن وادى النظرون. اقتحمت الجماعة المشهد، واخترقت دوائر الخصوم وفرضت ولايتها على تيارات عدّة، لتُعبّر عن غطرسة القوة سريعًا مع تعديل الدستور فى مارس 2011، الذى فرضت وجهين من التنظيم على لجنته، ثم مارست تضليلاً سياسيًّا ودينيًّا بمعاونة حلفائها من باقى التيارات الأصولية لتمريره.
أسَّست الجماعة حزبًا باسم «الحرية والعدالة»، لكنها قرّرت أن تتوزّع فى أجسام سياسية أخرى، فاخترقت 6 إبريل وائتلاف شباب الثورة بعدد من شبابها، ودعمت تأسيس حزب الوسط المُعطّل منذ سنوات ووضعت يدها عليه، وتكرّر الأمر مع عدد من الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، مثل مصر القوية والنهضة والفضيلة والبناء والتنمية والأصالة وغيرها، بل ومع أحزاب ليبرالية أو اشتراكية ديمقراطية بثَّت عناصرها ضمن مُؤسّسيها وقواعدها. وبدءا من مارس عملت الجماعة بإخلاص ودأب على ابتزاز مؤسَّسات الدولة، ثم وضع شباب الثورة والقوى السياسية المدنية فى مواجهة تلك المؤسَّسات طوال الوقت، مُتسبّبة فى اشتباكات وتوتّرات وتصعيد للعنف بين وقت وآخر، حتى خلت الأجواء وتيسّر لها إزاحة المنافسين وتجنُّب أية مواجهة حقيقية.
المثال الأوضح تجسد فى انتخابات مجلس الشعب 2011، فبينما كانت القوى السياسية تتأهب لها، اندسّ طرف مجهول وأشعل فتيل مواجهة مجانية بين المتظاهرين وقوات الأمن فى شارع محمد محمود بوسط القاهرة. زاد التوتر على مقربة من وزارة الداخلية، وانشغلت الدولة والتيارات السياسية، لتنفرد الجماعة بالانتخابات وتحوز الأغلبية البرلمانية، ثمّ الجمعية التأسيسية للدستور، وبعدما أكد المرشد وقادة التنظيم أنهم لا يرغبون فى المنافسة على الرئاسة، انتهى الأمر إلى الدفع باثنين من وجوه الجماعة، وخمسة من الحلفاء والموالين، قبل أن تستبعد لجنة الانتخابات اثنين منهم، ويخوض السباق خمسة إسلاميين كلهم محسوبون على الإخوان!
 
التحرير-وحضور-وزير-الداخلية-السابق-تصوير-ماهر-اسكندر-2-7-2013‎-(4)
 
جاهر قادة الجماعة سريعًا باستعلائهم على المحيط السياسى، بل وعلى المجتمع بكل فئاته. فى تسجيل شهير خاطب المرشد محمد بديع عددا من شباب التنظيم بالقول: «أنتم الذين تحملون ماء السماء الطهور»، وعلى الدرب نفسه وقف محمد البلتاجى خطيبًا فى مؤتمر تنظيمى بإحدى محافظات الدلتا، قائلا للشباب الحضور إن عليهم التعامل منذ اللحظة باعتبارهم «أسياد البلد»!

العداء مع ثورة 30 يونيو 

فى غضون تلك المحاولات للانفراد بالسلطة، وما رأت قيادات الإخوان أنها فرصة ذهبية للتمكين والتغلغل فى جسد الدولة، كانت قنوات الاتصال والربط مع المراكز والأطراف الخارجية تجرى على قدم وساق تحت المظلة التى ابتكرها حسن البنا واستظلت بها الجماعة عقودا طويلة، فازت فيها بالتمويل والحاضنات السياسية من الخليج وأوروبا، قبل أن تتضح وجهتها وتتضخم تحالفاتها الحقيقية فى آسيا، بدءا من حقبة الجهاد الأفغانى.
 
لم يكن استغلال الإخوان لأجواء الثورة فى إدخال عناصر حماس واقتحام السجون الخرق الأكبر للأمن القومى المصرى، أو الظهور الأوحد لتحالفات الجماعة العابرة للحدود. وفق اتفاقات تدشين حرس ثورى بالتنسيق مع إيران، ثم محاولة استنساخ تجربة الجيش السورى الحر بدعم من تركيا، دفعت «الإخوان» بعدد من شبابها إلى معسكرات تدريب فى سيناء، وسهلت عبور جهاديين من أعضاء تنظيمات العنف المعروفة، وزاد الدعم لتلك التحركات مع القبض على السلطتين التشريعية والتنفيذية، ووصل الأمر إلى تمرير الرسائل والمعلومات وإجراء مقابلات ميدانية مع تلك المجموعات باستغلال سيارات الرئاسة وما يتوافر لها من حصانة على الطرق. 
 
جرى التنسيق بشأن العمليات فى تلك الفترة، سواء نقل الأسلحة أو التدريب أو تفجير خطوط الغاز، وكانت أضخمها مهاجمة كمين أمنى قرب الحدود وقتل عدد من الضباط والجنود الصائمين فى وقت الإفطار (أغسطس 2012 بعد شهرين فقط من تولى مرسى) لكن كانت أكثر تلك العمليات غرابة اختطاف ثمانية من جنود الأمن المركزى، ومطالبة الرئيس الإخوانى للأمن بالحفاظ على سلامة «الخاطفين والمخطوفين» ثم الاستعانة برموز التيارات الإرهابية كوسطاء ومفاوضين. وبحسب أوراق وشهادات عن قضايا التجسس والتخابر فقد رُصدت مكالمات تجمع مرسى ورئيس ديوانه رفاعة الطهطاوى مع محمد الظواهرى وآخرين من الإرهابيين الذين دُفع بهم لسيناء.
 
مسمى «الجيش الحر» الذى مثّل مشروعا تركيا وإخوانيا فى سوريا، كان رهانا للجماعة والعثمانيين الجدد فى مصر. كان الأمر أكثر وضوحا فى مؤتمر الصالة المغطاة الذى أعلن فيه مرسى مقاطعة سوريا، وبعدها نشطت عملية إرسال مقاتلين من الإخوان وباقى التيارات الإسلامية إلى الأراضى السورية، وبلغ الأمر مستوى عظيما من الفجاجة مع تخصيص بعض البرامج مساحات عريضة لشرعنة الأمر وترويجه، كان منها برنامج يسرى فودة الذى استضاف أحد متعهدى تسفير الشباب بمقدمة عاطفية نارية وحوار دعائى وترويجى على طريقة مشاهده الإنسانية المؤثرة مع رمزى بن الشيبة وخالد شيخ محمد فى بيشاور الباكستانية!
 
تحت غلاف الفكرة الإخوانية عن الخلافة وأستاذية العالم نشط العثمانيون الجدد. وكما كان الخطاب الدينى أرضية الدولة العثمانية الراسخة لنحو 4 قرون، واعتمده حسن البنا مرتكزا لتسويق مشروعه المتجاوز للوطنية المصرية، راهن قادة الجماعة فى مصر، ورموز التنظيم الدولى فى لندن، وجناحه الأقوى لدى أردوغان وحزب العدالة والتنمية، على هذا الخطاب مجددا لتفكيك النزعة الوطنية بعد ثورة شعبية، كما عمل البنا عقب ثورة 1919، وكان مخططا أن تكون السيطرة على مصر بوابة إنفاذ المشروع العثمانى فى المنطقة، بعدما يكتسب نقطة ارتكاز صلبة واستراتيجية، لهذا كان الرد بثورة جديدة على تلك المحاولة الخبيثة لاختراق يناير أمرا صادما وغير متوقع، وكان طبيعيا بالتبعية أن تنظر الجماعة ومن ورائها أردوغان وحزبه لثورة 30 يونيو نظرة خصومة وعداء!

استنساخ تجربة على بلحاج

منشأ العداء للثورة التى أطاحت بالتنظيم يتّصل بالجهد الذى بذله، والأموال التى أنفقها، والمساندة الإقليمية التى توافرت له، ثم بحجم الضربة التى تلقاها وأفسدت كل تلك الخُطط. كانت جماعة الإخوان قد سعت عقب وصولها للسلطة إلى إحكام قبضتها على مفاصل الدولة. وتمادت فى الأمر إلى حدّ التطلع لامتلاك أذرع أمنية ومؤسَّسات بديلة عن الهياكل الرسمية، حسبما أكدت تقارير عديدة رصدت اتصالات بين الجماعة والإيرانيين لاستنساخ تجربة الحرس الثورى، عبر إنشاء ميليشيات مُسلَّحة تكون نواة لـ«الجيش الحرّ» كما جرى فى المشهد السورى، فضلا عن التوسّع فى إحلال عناصر التنظيم محل القيادات العليا والوسيطة فى عشرات المؤسسات المدنية، بدءا من المحليات وشركات المرافق وقطاع الأعمال العام، وصولا للجامعات والمؤسسات الصحفية والإعلامية.
 
سارت الأمور فى غضون شهور قليلة من هيمنة الجماعة على السلطتين التشريعية والتنفيذية فى مسار أقرب لما شهدته الجزائر. كان يتبقى أن يخرج أحد قادة التنظيم مُستعيرا تعبيرات وجه على بلحاج ولغته وهو يُهدد الجزائريين عقب فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات البرلمانية ديسمبر 1991: «هذا يوم عُرس الديمقراطية ومأتمها، عرسٌ لأننا وصلنا إلى الحكم بالانتخابات، ومأتم لأن الديمقراطية نظام كافر لا علاقة له بالإسلام، ويوم نتسلَّم الحكم سنلغيها ونُقيم الحاكمية الإلهية.. جئنا بالديمقراطية لكى نقول لها باى باى».. لم تكن رسالة «بلحاج» مجازيّة أو هلوسة فى نشوة الفوز، إذ سرعان ما حمل رجاله السلاح لتأمين مشروعهم، وبسبب تسارع إيقاع العنف، اضطُرّ الجيش لإلغاء نتائج الانتخابات، ثمّ إعلان الطوارئ فى فبراير التالى، ومُحاكمة بلحاج وزعيم الجبهة عباسى مدنى، لتبدأ العشرية السوداء التى أراق فيها الإسلاميون دماء 100 ألف جزائرى، وكان إخوان مصر على وشك تكرارها بعدما ظفروا بالتمكين فى 2012 كما تراءى لهم، أو توهّم قادتهم وقتها!
 
كان السيناريو الجزائرى الأسود مُرشّحًا للتكرار محليًّا. فرغم تماسك المجتمع وصلابة المؤسَّسات، ومعاناتنا بقدرٍ أقل من تركيبة الميليشيات المسلّحة، كانت جماعة الإخوان أكثر مَيلاً إلى رؤية فرعها الجزائرى، والنظر للديمقراطية باعتبارها مطيّةً مرحليّة، وأداة تنتهى فائدتها بالتمكين، ورغم أنها كانت أكثر تحفُّظًا فى التصريح بنواياها المُضمرة، على عكس خطاب «بلحاج» الفجّ، فإن ممارساتها لم تبتعد عنه كثيرًا، وكلّ ما فى الأمر أنها اعتمدت مَسلكًا مُغايرًا لتحقيقها، وإحكام الخناق حول عنق الدولة. بدا واضحا منذ اندلاع 25 يناير أن الجماعة تضع عينها على السلطة، ولا يتجاوز الشارع فى نظرها كونه أداة ضغط على المؤسَّسات الصلبة، للوصول إلى تلك الغاية. وبعدما أحرزت تقدما فى الاستحواذ على السلطة تصوّرت أن حلم التمكين المُسيطر عليها منذ العام 1928 قد تحقّق، أو اكتملت الأسس القاعدية الكافية لإطلاقه والمُجاهرة به، فتمادت فى التصريح بأغراضها عبر إصدار إعلان دستورى يقوّض المؤسسات لصالح الجماعة، ثم الاصطدام بالقوى السياسية علنًا، والجهر بممارسة العنف كما جرى فى محيط قصر الاتحادية وأمام مكتب الإرشاد.
 
أخطر ما فعلته الجماعة أنها قرّرت هندسة هرم السلطة خارج البنية المؤسَّسية. فى الوجه الظاهر بدا أنها تصالحت مع هياكل دولة يوليو، لكن فى العُمق أعادت تحرير العلاقات، لتضع جسدها بكامله فى سياق المعادلة. لم تكن الجماعة الطامعة لتصبر حتى تخترق المؤسَّسات من داخلها، وهو ما يحتاج عقدين أو أكثر، ويُحتمل فشله مع بعض الأبنية الصلبة، فشقّت سكّة فرعية تربط الاتحادية بالمُقطّم، ليحلّ المُرشد ومكتبه رأسًا أولى للسلطة، ويتراجع منصب الرئيس إلى حدود السكرتارية أو ساعى البريد. فضلا عن تلك الصيغة المشوّهة وما تنطوى عليه من مُثيرات صدام، كان الوضع فاضحًا ومُهينًا لدولة مركزية مثل مصر، إلى جانب ما فيه من ثغراتٍ مُرعبة، فى ضوء نفاذ الجماعة لأوراق المؤسَّسات وأسرارها، وقدرتها على توظيفها أو تسريبها دون أية مسؤولية أو مُساءلة. كان ذلك بمثابة منح مزايا كاملة للتنظيم، لا تُقابلها أعباء أو التزامات، ليصبح هذا اللاعب الخفىّ فجوةً فى بنية الأمن القومى، يسهل توظيفها لاحقًا لابتلاع الهيكل الإدارى والتنفيذى والأمنى للبلد بكامله!

تنظيم الغضب وإغضاب التنظيم

أخطر ما كان يُمكن تحقّقه لولا 30 يونيو، أن تنصهر الدولة داخل بدن الجماعة الإرهابية، أو تسرى الجماعة فى أوردة المؤسسات إلى حدّ الامتزاج الذى لا يُمكن فصله لاحقا. اكتمال المُخطّط السابق كان يعنى مصادرة الدولة لصالح الإخوان. فمع نجاحها فى اختراق المؤسَّسات والتغلغل داخلها، ستظل الجماعة مُحتفظة برأسين للسلطة: الرئيس الذى يمكن تبديله أو تغييره أو مساومة القوى الأخرى به مستقبلا، ومكتب الإرشاد الذى سيظلّ رأسًا دائمًا يتّصل مُباشرةً بأذرعه داخل أوعية السلطة، ما يعنى استحالة نزع التنظيم من بنية الهياكل المؤسَّسية، حتى لو خسر الرئاسة. بينما على الجانب المقابل بدت التيارات السياسية عاجزةً تمامًا عن إدارة اللعبة، فى ظلّ انكشاف الجماعة العميق على أفكارها ورؤاها، واختراقها لكثيرٍ منها، أو السيطرة على قطاع من قادتها بالإغراءات، أو بما وفَّرته سنوات التحالف القديمة من معلوماتٍ وأدوات ابتزاز. وفى ظلّ تسيُّد تلك المعادلة، لم يكن هناك بديل عملىّ إلا أن يستعيد الشارع زمام المبادرة.
 
كان الشارع جاهزًا للغليان جرَّاء مُمارسات الجماعة وانفلاتها، وهو ما احتاج مبادرة بسيطة من شباب الصفين الثانى والثالث فى عدّة قوى سياسية مناوئة للجماعة، لتوظيف تلك الطاقة. هكذا كانت حركة «تمرُّد» مسارًا مُهمًّا لتنظيم فائض الغضب، بعيدًا عن رؤوس القوى السياسية وقادتها الملوّثين فى لعبة الإخوان. اضطلعت الحركة بترتيب الصفوف، وتمرير السخونة إلى واجهة المشهد، رهانًا على اتّساع الحشد، وانضواء الأحزاب ضمن تلك الموجة، ثمّ مُساندة المؤسَّسات الوطنية، على الأقل بالحماية من بطش الإخوان وميليشياتهم، بعد بروفات قمع سابقة فى الاتحادية والمقطم وعدّة محافظات. وكان أهم ما فى تلك الصيغة أنها بلا رأسٍ يُمكن أن تُغريه الجماعة، أو تحاصره، أو تُطلق ماكيناتها لتشويهه، وتلك النقطة أكثر ما أغضب التنظيم وأشعل جنونه ودفعه إلى الهاوية.
 
فوجئ الإخوان بجمع أكثر من 22 مليون توقيع على استمارات تمرّد، ثمّ بنزول قرابة 27 مليونًا يُمثّلون 30 % من السكان، وباستبعاد نحو 10 % يُمثّلون المُسنّين، وما لا يقل عن 40 % من الريفيِّين والبدو وأهل الصعيد الذين يصعب عليهم التظاهر والاحتجاج، وبالنظر إلى فوز محمد مرسى بـ13 مليون صوت فقط، كانت ثورة 30 يونيو موجة وطنية كاسحة، وخيار الضرورة لتقويض مشروع الجماعة غير الوطنى، قبل اكتماله وابتلاع المؤسَّسات.
 
لم تُنقذ 30 يونيو الدولة أو تعصمنا من العشرية الجزائرية السوداء فقط، وإنما فتحت بابًا واسعًا لحصار اليمين الدينى، ولَجْم تطلُّعاته فى المنطقة، سواء الجبهات الساخنة باليمن وسوريا وليبيا، أو الساحات الهادئة كالأردن والإمارات والسعودية والمغرب، ما يعنى أنها كانت خطوة أولى، وطاقة دافعة، لتخليص الإقليم من شرور الإسلام السياسى، أو تقليم أظافر تنظيماته على الأقل، فضلا عن إصلاح أخطاء الدولة طوال خمس وثمانين سنة من الإدارة الخاطئة لملف الإخوان، سواء فى تحالفها الضمنى مع المُحتل، أو عدائها لخطاب التحرر الوطنى، أو تفجيرها موجة من العنف والدم، أو دورها فى إطلاق وتدعيم تيارات التطرف وجماعات الإرهاب الدينى، وضلوعها فى اغتيالات عدّة قديما وحديثا وصولا إلى الصحفى الحسينى أبو ضيف، عبورا بمساعيها لتقويض ثورة يوليو، وقتل جمال عبد الناصر، وخططها لتفجير القناطر الخيرية وإغراق الدلتا، ودورها فى تجذير وترقية خطابات التطرف بالمنطقة، وتشكيل وامتلاك أذرع إقليمية مضادّة للهويات الوطنية، وصولا إلى الالتحاق بموجة العثمانية الجديدة ودعم مشروع الأصولية التركية لاستعادة ماضى الأناضول واستعمار المحيط العربى تحت لافتات دينية وتاريخية، تأسَّست الجماعة أصلاً لتكون وكيلاً لها فى المنطقة!

خطأ رسمى طوال 85 سنة

لم يكن وضع «الإخوان» منذ تأسيسها حتى ثورة المصريين عليها طبيعيًّا بالمرّة، إذ واصلت الجماعة نشاطها طوال عقود، وحافظت على قواعدها وتنظيماتها المُنتشرة على امتداد مصر، بهياكل عنقوديّة تبدأ من الشوارع والأحياء، وصولاً إلى قيادة مركزيّة مُعلنة، يجلس فى القلب منها مُرشِد يتمتَّع بوضعيّة اجتماعية وسياسية وإعلامية مُميّزة، بينما كانت الدولة ومؤسَّساتها تنظر للجماعة باعتبارها كيانًا محظورًا. بلغت تلك المفارقة حدًّا مدهشًا مع السماح لمُرشد التنظيم بالمشاركة فى مُناظرة فى دورة معرض الكتاب 1992، حرّض فيها على الشهيد فرج فودة، أو تستضيفه برامج التليفزيون بتوصيف «مُرشد جماعة الإخوان المسلمين المحظورة» من دون استشعار أى تناقض بين فكرة الحظر وإفساح المجال للظهور عبر التليفزيون الرسمى!
 
رجب-طيب-أردوغان
 
تلك الصيغة المنطوية على تناقض ظاهر لم تكن خطأ عابرًا أو سوء تقدير غير محسوب، وإنَّما كانت موقفًا عامًّا ترسَّخ مع السنين، إذ بدأ بارتباك فى التعامل مع التنظيم خلال الثلاثينيات والأربعينيات، ثمّ تغاضٍ عن قرارات الحلّ ووجوب تصفية الجماعة، ثمّ تحالفات مُضمرة مع السلطة لاستهداف بعض خصومها، وصولا إلى اتفاق ضمنىّ بين الجماعة ونظام مبارك، يجرى من خلاله استغلال الوضعيَّة القانونية غير المُستقرّة للتنظيم كورقة ضغط وتفاوض، بينما تُوظِّف الجماعة فى مُقابلها أوراقًا عدّة، تبدأ من الحوارى والمساجد والملاعب ومراكز الشباب، وتنتهى إلى إدارة مشهد المعارضة السياسية فى نطاق المواءمة المحسوبة و«التورتة» مُوزّعة الأنصبة، باحترام ثابت لا تتجاوزه الجماعة، وصمت ناعم لا يخترقه النظام فى اتجاه القضاء عليها أو تصفية قواعدها.
 
تلك المعادلة المحسوبة حافظت على وضعية دولية مقبولة للتنظيم، وباعتبار القاهرة المركز الروحى والفكرى للجماعة، فقد مثّل استقرار مكتب الإرشاد بالعاصمة المصرية مُنطلقًا ذهبيًّا لتعظيم حضور التنظيم الدولى، الذى اتّخذ من العاصمة البريطانية لندن مقرًّا له، ربما على أرضية العلاقات التاريخية بين بريطانيا والمؤسس حسن البنا، ومن تلك النقطة توسع التنظيم فى عدة عواصم أوروبية ومدن أمريكية، إضافة إلى معاقل كبرى جنوب شرقىّ آسيا. ولأنه تأسَّس بشكل مُبكّر نسبيًّا مع النزوح الأول لكوادر الجماعة عقب قرار حلّها وتصفية مكاتبها إثر محاولة اغتيال عبدالناصر فى المنشية بالإسكندرية (أكتوبر 1954)، فإن ستّة عقود متواصلة من العمل ضمنت لها تجذُّرًا واسع المدى فى مجتمعات النزوح الغربية، ووطّد بعض أجنحتها الناشئة لتصبح مراكز طرفية يمكن أن يتأسّس عليها المشروع، أو تضطلع بمهمة إدارة الخزّان الإخوانى بكامله نيابة عن القاهرة أو لندن، وهو ما حدث بالضبط فى حالة الأناضول ونظام أردوغان.

 

2013-07-03T211118Z_939647493_GM1E9740E8S01_RTRMADP_3_EGYPT-PROTESTS

30 يونيو تُخلخل مراكز الإخوان

بعيدا عن المنشأ وبيئة الصراع الأولى، حتى منتصف العقد الأول من الألفية لم يكن هناك سوى بلدين فقط صنّفا الإخوان تنظيمًا إرهابيًّا، بدأ الأمر بسوريا عقب سلسلة تفجيرات نفذتها عناصر الجماعة بالعام 1982، ثم روسيا 2006 على خلفية أعمال عنف شمالىّ القوقاز ذات الأغلبية المسلمة، لكن ما أحدثته ثورة 30 يونيو أنتجت تضاعيف عديدة لهذا الموقف المحدود بإضافة عشر دول للقائمة. بدأ الأمر بقرار حكومة إبراهيم محلب فى مصر بتاريخ 23 ديسمبر 2013، متضمنا حظر أنشطة التنظيم ومُصادرة أمواله وإخطار الدول العربية المُنضمَّة لاتفاقية مكافحة الإرهاب 1998 لاتخاذ إجراءات مماثلة، ثم السعودية فى 7 مارس 2014، وكندا 5 إبريل 2014 بموجب قرار برلمانى على خلفية التماس من الجالية المصرية، والإمارات فى 15 نوفمبر من العام نفسه ضمن قائمة ضمَّت 83 منظمة، واتّسعت رقعة الحصار لتشمل الدول الستّ الموقعة على «معاهدة الأمن الجماعى» إلى جانب روسيا، وهى: بيلاروسيا، وأرمينيا، وقرغيزستان، وكازاخستان، وأوزبكستان وطاجيكستان.
 
المأزق الذى شكّلته جماعة الإخوان حتى 2013 كان يعود فى المقام الأول إلى رعونة المؤسَّسات المصرية فى التعامل معها قبل سبعة عقود، فالجماعة التى تأسَّست 1928 سرعان ما شكّلت جناحًا مُسلَّحًا باسم «النظام الخاص»، ومع تورُّطه فى أعمال عدائية بحقّ اليهود والأقليَّات ووجوه من السياسيين والقضاة الذين أصدروا أحكامًا ضد عناصره، اضطُرّ رئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى لإصدار قرار بحظر الجماعة فى 8 ديسمبر 1948، بموجب الأمر العسكرى رقم 63 الذى نسب لها جريمة «التحريض والعمل ضدّ أمن الدولة»، ورغم انتقام الجماعة بعد أقل من ثلاثة أسابيع باغتيال «النقراشى» بإيعاز مباشر من البنا، فإن الدولة لم تتحرَّك بشكل جادّ للقضاء على التنظيم، وتكرَّر الأمر عقب محاولة اغتيال «عبدالناصر» بصدور قرار حلّ فى 29 أكتوبر 1954، ولم تتحرَّك المؤسَّسات أيضًا لإنهاء وجود التنظيم، ثمّ تحالف السادات مع الجماعة ومُرشدها عمر التلمسانى طوال حقبة السبعينيَّات، بغرض مواجهة مَدّ الناصريين والشيوعيِّين بالجامعات، لينتهى الأمر باغتياله وبدء جولة جديدة من الحظر، امتدَّت حتى ثورة 25 يناير، وفق قواعد مرسومة بين نظام مبارك ومكتب الإرشاد، سمحت للجماعة بالتحالف مع أحزاب الوفد والعمل والأحرار فى الانتخابات البرلمانية 1984 و1987، وتأجير صحيفة «آفاق عربية» من الأخير لتكون لسان الإخوان لسنواتٍ، دون أىّ تحرّكٍ جادٍّ لحصار الجماعة المحظورة، أو ترجمة الحظر إلى ممارساتٍ عمليَّة، حتى وصل الأمر خلال السنوات الأخيرة السابقة على ثورة يناير إلى أنها أصبحت أكثر التيارات السياسيّة قُدرة على الحركة والانتشار والتأثير فى الشارع والتلاعب فى توجَّهات التصويت وحشد الناخبين، مقابل ضَعفٍ مُزرٍ سيطر على الأحزاب السياسية التى تجاوز عددها ثمانين حزبًا وقتها، ما مكّن الجماعة وحلفائها من تمرير تعديلات دستورية مشوّهة، ثمّ تأسيس عدد من الأحزاب التابعة أو الموالية، والهيمنة على المشهد السياسى بالمغالبة واختلاق حصص إضافية!
 
كان مُخطّطا أن تستقر كُرة السلطة فى ملعب الإخوان طويلا، وبذلك يُمكن أن تكون مصر مُرتكزا إقليميا لمشروع الخلافة أو استعادة الدولة العثمانية، ونقطة انطلاق مُهيمنة يُمكن من خلالها التمدّد شرقا وغربا وجنوبا، من دون حاجة للتدخل المباشر أو تكبّد أنقرة ونظامها الإخوانى أية أعباء مقابل تلك التطلعات والإجراءات التوسعية. بدا هذا واضحا فى استدعاء «مرسى» لمؤتمر العدالة والتنمية، وفى دفعه لإعلان قطع العلاقات مع النظام السورى، وفى توطيد روابط إخوان مصر بمجموعات الغنوشى، وفى توفير تدفقات معلوماتية ووثائق بالغة الأهمية للأتراك والقطريين. لكن ما أحدثته ثورة 30 يونيو كان قتلاً مُباشرًا لكل تلك الخطط، إذ أنهى تلك القاعدة التى تعشّم أردوغان أن ينطلق منها لاحتلال المنطقة، وقوّض التمدد الإخوانى فى ليبيا وتونس، وضغط على أطماع الإسلاميين فى الجزائر والمغرب التى كان حزب «العدالة والتنمية» الإخوانى مهيمنا فيها، بل إنه ألقى عبئا عظيما على كاهل إخوان السودان تواصل بوتيرة متصاعدة قادت إلى إطاحة البشير، فضلا عن إفساد خطط تقويض بشار الأسد وإرسال مقاتلين وأسلحة للإرهابيين فى سوريا، وتعزيز موقف القوى العربية المضادة لأطماع العثمانيين والفُرس، فى الإمارات والسعودية والبحرين وبعض تيارات الشام واليمن.
 
كل تلك الآثار اضطرت أردوغان إلى تغيير استراتيجيته، والتدخل المباشر فى سوريا وتونس وليبيا، مع توظيف إخوان شمال أفريقيا والسودان فى إنتاج تأثيرات ضاغطة على قضايا المنطقة. حتى الآن يتواصل فشل الأتراك والإخوان وتتعاظم تكلفة مخططاتهم، وتنكشف حقيقة التحالفات والألاعيب يوما بعد يوم بصورة أكبر، والفضل فى ذلك لثورة 30 يونيو وما أخذته من مواقف جذرية تجاه الجماعة، رُبّما للمرة الأولى طوال تاريخها المُمتدّ على ثمانية عقود، عبر إسقاطها من السلطة، وتعريتها أمام الشارع، وحرمانها من التحالفات السياسية الثانوية وآليات المراوغة واختراق المشهد عبر وكلاء ومتحالفين، وحصار هياكلها وتنظيماتها، وحصر ممتلكاتها وشركاتها، ومُصادرة أموالها ووضع أعضائها على قوائم الإرهاب، وتطبيق القانون على من يثبُت انتماؤهم لها. وبفضل كل تلك الإجراءات بات التنظيم عاريًا ومنكشفًا على مصيره المجهول بعد تسعة عقود من تأسيسه، وتجاوزت الدولة سلسلة مُمتدة من الأخطاء، ومن التهاون فى وقف انحرافاته منذ 1928 حتى استفحل وأصبح سرطانا متوحشًّا، قبل أن يتدخل مشرط 30 يونيو ويستأصله مُنقذًا جسد مصر وروحها!
 
p.4

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة