خالد صلاح

د. أحمد سمير فرج

المسئولية الاجتماعية للشركات وتخفيف آثار فيروس كورونا الاقتصادية على الصين

الإثنين، 23 مارس 2020 12:12 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

مما لاشك فيه أن هناك آثار اقتصادية مدمرة لفيروس كورونا والذي ضرب مدينة ووهان الصينية، وسواء كان ظهور هذا الفيروس أو انتشاره ناتج عن ثقافة غذائية صينية لم تتغير منذ آلاف السنين أو أنه خُلِّق معملياً، وأن ما يحدث هو أحد أوجه الحرب الباردة بين التنين الأحمر و بلاد العم سام، إلا أن هذه الآثار لم تصب المدينة المنكوبة أو الصين فحسب، بل أصابت العديد من الدول وتأثرت بها الكثير من الصناعات .

 

وهذه الآثار الاقتصادية المدمرة زاد من تأثيرها كون أن هذه المدينة واقعة في شرق الصين الأوسط ويسكنها نحو 11 مليون نسمة، مما يجعلها أكبر من لندن من حيث عدد السكان " أكبر مدنأاوروبا تعداداً للسكان" و تقترب من ضعف عدد سكان العاصمة الأمريكية واشنطن، وتعتبر ووهان المركز السياسي والاقتصادي والمالي والتجاري والثقافي والتعليمي لوسط الصين بلغ  الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018 لها نحو 224 مليار دولار.

 

وتشير أحد الإحصاءات إلى أن ووهان تأتي في المرتبة 42 عالميا من حيث المساحة وعدد السكان، وهي سابع أكبر المدن الصينية، كما تُعد مركز رئيسي للنقل الداخلي، حيث تمر بها عشرات السكك الحديد والطرق السريعة عبر المدينة فضلاً عن أن مطار ووهان الدولي، الذي تنطلق منه الرحلات الجوية المباشرة إلى لندن وباريس ودبي وغيرها من مدن العالم، استخدمه نحو 20 مليون مسافر في عام 2016.

 

تقع ووهان على ضفاف نهر يانغتسي، أحد أكبر أنهار العالم، ويذكر موقع المدينة الإلكتروني أنها "أساس للصناعات المتطورة والتقليدية"، وتزخر ووهان بسلسلة من المناطق الصناعية و52 معهدا للدراسات العليا ويسكنها أكثر من 700 ألف طالب وطالبة (او كان بمعني ادق)، وهو أكبر عدد للطلبة في أي من المدن الصينية، وتستثمر فيها 230 من أكبر 500 شركة في العالم (حسب تقييم فورتشون العالمي).

كما يعد اقليم هوبي والذي عاصمته ووهان مركزاً لشركات الصناعات التكنولوجية حيث تمثل 60% من اجمالي شركات الصناعات التكنولوجية في الصين كما تمثل مايقرب من 25% من هذه النوعية من الشركات علي مستوي العالم حيث يوجد بها مصانع "أبل" ومصانع "تسلا" والتي لم تتمكن الولايات المتحدة رغم التخفيضات الضريبية وقرارات جذب الاستثمار التي قامت بها منذ تولي الرئيس ترامب من جذبها داخل الولايات المتحدة وهو ما أطلق عليه الاقتصاديون "بمعضلة أبل". 

ودائما في أحلك الظروف أو الأزمات سواء علي مستوي الأشخاص أو _حتي علي مستوي المنظمات أو علي مستوي الدول يكون هناك لمحات من الضوء والإيجابية والأمل وهذا هو الدور الذي تقوم به المسئولية الاجتماعية للشركات.

ويظهر المثل جلياً لذلك في مجموعة "علي بابا" القابضة لمؤسسها "جاك ما" فقد اتخذت الشركة عدد من القرارات والإجراءات التي تنبع من تحملها لمسئوليتها الاجتماعية تجاه الصين بصفة عامة وتجاه المدينة المنكوبة وغيرها من المدن المجاورة بصفة خاصة.

 

فقد أعلنت المجموعة تخصيص مبلغ 100 مليون يوان، أي حوالي 14.4 مليون دولار، للمساعدة في العثور على لقاح لفيروس كورونا وإن 40 مليون يوان، أي حوالي 5.8 مليون دولار، ستذهب إلى منظمتين حكوميتين بحثيتين في الصين، بينما سيستخدم المبلغ المتبقي لدعم تدابير "الوقاية والعلاج".

 

كما تحركت المجموعة مرة أخري وفي الوقت التي عملت فيه الشركات و المواقع الأمريكية للبيع الالكتروني علي تخفيض أسعارها لتوفير بعض منتجاتها لتكون بديل للمنتجات الصينية أمام المستهلكين، قامت الشركة بشراء المنتجات من الشركات الصينية بالسعر المعتاد وعرضها بأسعار مخفضة علي المستهلك الصيني وقد قدرت الخسائر المبدئية حتي نهاية شهر يناير 2020 أي في فترة لا تزيد عن 12 يوم نحو 2.3 مليار يوان أى 320 مليون دولاروذلك بهدف دعم منتجات بلاده.

ولم تكتف المجموعة بما قدمت ولم يكن نهج الشركة ومؤسسها هو الهروب من الازمة بأقل الخسائر او ان تكون هذه الأزمة مصدر للكسب منها أو استغلال الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، بل علي العكس من ذلك  فقد تدخلت المجموعة بشكل مختلف لدعم الشركات المتضررة، وأعلنت المجموعة أنها سوف تقدم قروضا بفائدة مخفضة بقيمة نحو 20 مليار يوان (2.86  مليار دولار) من خلال وحدة "ماي بنك" التابعة لشركتها الشقيقة "آنت فاينانشال"  وسوف يستفيد من هذه القروض الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي أجرت تعاملات تجارية مع "علي بابا" لأكثر من عام علي أن يخصص نصف هذا المبلغ للشركات من إقليم هوبي الأكثر تضرراً من فيروس كورونا، والذي أدى إلى توقف صور الحياة للسكان في الإقليم بشكل شبه نهائي، والنصف الآخر للشركات من بقية البلاد، ومن المقرر أن تقل الفائدة بنسبة  20 في المئة عن اسعار الفائدة السائدة في البلاد.

والناظر الي ما قامت به مجموعة "علي بابا" القابضة فيجد أنها تحملت مسئوليتها الاجتماعية وقامت بالدور المنوط بها القيام به كجزء من هذه الدولة التي هيأت لها المناخ  الذي كان سبب مكاسبها وتحقيقها للأرباح ،وذلك في أكثر من نشاط من أنشطة المسئولية الاجتماعية للشركات، وقد أولت الاهتمام بجميع  الشركاء معها ففي مبادرتها بشراء المنتجات بأسعارها وبيعها للمستهلك بأسعار مخفضة فقد قامت بدورها فيما يخص قضايا المستهلك Consumer Issues وكذا ممارسات العمل Labor practices بالشركة، وفيما يخص التبرع للمعامل فقد قامت بدورها فيما يخص البيئة The environment ، مشاركة وتنمية المجتمع  Community involvement and development أما فيما يخص الموردين والقروض الميسرة فهي قامت بدورها بالحفاظ علي ممارسات التشغيل العادلة Fair operating practices وهو مايوضح قيامها بتحقيق التوازن بين الأهداف الاجتماعية والأهداف الاقتصادية وذلك من خلال مواجهة التحديات البيئية المختلفة  (TBL) (Triple Bottom line)، وأن هدف تحقيق الربح فقط للمنشآت دون الاخذ في الاعتبار الظروف المحيطة والشركاء هو أمر غير مقبول في الوضع الراهن.

ويذكرني الأمر بما قامت به معظم الشركات والتجار في مصر عند بدء أعمال الاصلاح الاقتصادي الحتمية والتي كان أهمها تعويم سعر صرف العملة المحلية وذلك خلال شهر نوفمبر عام 2016 حيث قامت تلك الشركات بمضاعفة أسعار بيع المنتجات بل وقد ذهبت بعض ىشركات السلع المعمرة الي تسعير المنتجات بثلاثة أضعاف السعر قبل التعويم وذلك كله لمنتجات كانت بمخازنهم ومتاجرهم وهي محاولة منهم الي الربح (عدم الخسارة) نتيجة قرار التعويم والاستفادة من هذه الأزمة وليس خفياً علي أحد أن هذا التصرف إنما ينم عن الأنانية والبحث عن تحقيق الربح دون الأخذ في الاعتبار باقي الشركاء او البيئة المحيطة بالمنظمة وهو الأمر الذي ترتب علية تعظيم الآثار السلبية علي المستهلك من هذا القرار حيث تأثرت مجموعة من المجتمع تأثيراً واضحاً بقرار التعويم وهي فئة الموظفين والعاملين وأصحاب المدخرات النقدية بينما من كان يملك منتجات وهم الشركات والتجار والذين يملكون مخزون سلعي أياً كان نوعه والتي تم شراؤها بأسعار قبل التعويم ربح واستفاد ولم يتأثر .

وفي حديثي مع بعض كبار المسئولين من التجار أو أصحاب هذه الشركات بهدف فهم ايدلوجية هذا السلوك الذي تقوم به هذه المنظمات فكان رد البعض منهم والذي لا يمت إلي لغة المال أو الاقتصاد بصلة بل أنه يدل علي فكر استغلالي بحت " أن رأس مال شركتي يتمثل في عدد 50 سيارة فيجب أن يظل كما هو لا ينقص عن ذلك" وكان ردي كما أوضحت سابقاً أن هذا الفكر بهذه الطريقة لا يعدو الا أن يكون فكراً استغلالياً فقط حيث أن رأس مال أي شركة هو مبلغ من المال وليس عدد من المنتجات فمثلاً لو كان رأس مال شركة ما يبلغ 10 مليون جنيه فإنه يجب أن يظل عند هذا المبلغ وليس أن يتضاعف رأس المال بين ليلة وضحاها نتيجة قرار التعويم فيصبح 20 مليون جنيه فجاة ودون أي مبرر أو مجهود في ضوء قرار اقتصادي وهو ما يتنافي مع جميع الأعراف وعلوم الاقتصاد الدولية والمحلية بل والأعراف الدينية.

والجدير بالذكر أن كثير من هذه الشركات تقوم بما تطلق عليه المسئولية الاجتماعية للشركات ولكن كما سبق أن أوضحنا من منظور ضيق أصبح غير مقبول عالمياً او محلياً ألا و هو تقديم دعم لدورالأيتام أو الي الأسر الفقيرة، او ما الي ذلك من الانشطة و الأمر هنا حتي نصل إلي مافعل "جاك ما" لايعدو إلا أن يكون استراتيجة وتغير في الفكر والقناعات لأصحاب الشركات وهو دور مهم يجب أن تكون الدولة منظماً ودافعا له.

وكما سبق أن أوضحنا أنه دائماً من وسط الظلمات يخرج النور ولذلك نري في وسط هذه الأزمة الاقتصادية التي أصابت العالم نتيجة تداعيات فيروس كورونا، ونتيجة اعتماد الاقتصاد العالمى خلال السنوات العشر الماضية بشكل شبه كلي علي سلاسل الإمداد الصينية والآسيوية فإن العالم يبحث الأن عن البدائل وفي ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة لكل من الصين وهونج كونج، و الاتحاد الأوروبي، و أسواق أمريكا الجنوبية، و مايطلق عليه نموذج اندونيسيا - المكسيك فإن أفضل هذه البدائل تتوفر في الاقتصادات الناشئة في افريقيا وتاتي مصرنا الحبيبة علي رأس هذه الاقتصادات والمهيئة بقوة لقيادة الحقبة القادمة إذا ما استغلت هذه الظروف الاقتصادية بما لها من بنية تحتية قوية واتفاقيات دولية وسوق قوي وقد كانت رؤية الرئيس السيسي في أن يتم البناء في الحجر والبشر في نفس الأوان هو الاختيار الأفضل ويسبق هذا كله بناء جيش قوي يحمي المقدرات والقرارات وهذه الرؤية هي التي وضعت مصر في مقدمة هذه الاقتصادات الناشئة والواعدة وعلينا أن نغتنم الفرصة وبسرعة ولكن يجب ألا ننسي ونحن نؤسس لذلك أن تكون استراتيجيات المسئولية الاجتماعية للشركات التي تبني علي أساس الانشطة السبعة التي تحدثنا عنها بشكل مفصل في المقالات السابقة ضمن المكونات الرئيسية لهذا الاقتصاد وأن نظرة القطاع الخاص إلي أن هدف المنشأة هو الربح فقط ودون الأخذ فى الاعتبار أصحاب الحقوق أو أصحاب المصالح والشركاء والبيئة المحيطة، أمراً أصبح مرفوضاً ولذلك فإن مثل هذه الاستراتيجيات يمكن أن تكون حائط صد لمصرنا في حال التعرض لأي أزمة مستقبلية لا قدر الله، فضلاً عن عوائد إيجابية على المنشآت نفسها.

 

المدير التنفيذي لجهاز حماية المستهلك

عضو مجلس إدارة جهاز المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة