خالد صلاح

محمد بكرى

مصر الجديدة.. مصر جديدة!

الأربعاء، 22 يناير 2020 10:36 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

(١)

١١٤ سنة هى عمر حى مصر الجديدة حتى الان! منذ أن أطلقه البارون آمبان البلجيكى وبوغوص نوبار باشا على مساحة ٦٠٠٠ فدان بعد شرائهما لها من الحكومة المصرية عام ١٩٠٥، لإنشاء مشروعات اسكان جديدة وخط مترو لربطها بالقاهرة القديمة، فكان حى مصر الجديدة هو (مصر الحديثة) فى ذلك الوقت، بشوارعها الفسيحة، حدائقها الغناء، منتزهاتها ونواديها العامرة، وعماراتها المميزة.

فكانت هناك ايقونات مكانية ومعمارية رصعت صفحات الحى مثل فندق هليوبوليس بالاس (قصر الاتحادية الان)، نادى الغابة، حديقة الميريلاند، نادى هليوبوليس، جروبى، نادى هوليليدو، نادى النصر، قصر البارون امبان، الكلية الحربية، قصر القيادة المشتركة، كنيسة البازيليك، مكتبة مصر الجديدة، المعبد اليهودى بالكوربة، قصر غرناطة، هوم كيك (سويس اير حاليا)، معرض القاهرة الدولى، مطرانية سان كليرز للكاثلويك، ميادين سانت فاتيما، الكوربة، المحكمة، تريوموف، سفير، الإسماعيلية، ابن سندر، والشوارع المشهورة مثل الخليفة المأمون، السباق، المطار، إبراهيم اللقانى، الأهرام، ومناطق كلية البنات، ألماظة، روكسى، منشية البكرى، العروبة، المطار، شيراتون.

كان حى مصر الجديدة الموجة الثانية لمصر الحديثة التى استقطبت مساجد رائعة مثل جامع السلطان حسين، ومدارس خرجت أكبر رجالات ونساء مصر المعاصرة مثل سان جورج والجزويت والانجليزية والدليفراند والطبرى والفرير والارمن الكاثوليك والليسيه وكلية السلام ومصر الجديدة الثانوية العسكرية وابو زهرة الاسلامية وغيرها. كما زينها قصور ضاهت حى جاردن سيتى، مثل قصور شارع العروبة، دائرة أدهم باشا، قصر السراج، قصر البارون امبان، بوغوص باشا نوبار، أل لملوم، ياسين، عمارات شركة مصر الجديدة بمنطقة الكوربة وشارع الاهرام.

على مدار ١٠٠ سنة كانت مصر الجديدة قبلة الرُقى والراقيين فسكن بها الرئيس جمال عبد الناصر، عبد الخالق باشا حسونة، الدمرداش تونى، الليثى ناصف، مكرم عبيد باشا، مصطفى النحاس، محمد سيد ياسين، امين الخولى، حسن صبرى الخولى، انطون بوللى (رجل الملك فاروق)، عباس محمود العقاد، جميل المطيعى، كمال حسن على، على بك منصور، عز الدين مختار، احمد رشدى، الدكتورة بنت الشاطئ، خالد محيى الدين، وغيرهم من رموز مصر الحديثة.

صُممت مصر الجديدة لتكون البوابة الشرقية للقاهرة العظيمة وأول ما يستقبلها القادم لمصر من مطار القاهرة الدولى واحد مداخل العاصمة للقادمين من الإسماعيلية والسويس.

مصر الجديدة تاريخ وذكريات ثرية وخصبة جدا لأجيال من المصريين، الذين تمتعوا بشوارعها وحدائقها ومنتزهاتها وسينماتها. من منا بدون ذكريات مع المريلاند ونادى هليوبوليس وميدان روكسى وشارع المطار والكوربة وشارع الاهرام وهارون الرشيد، وحدائق شوارع الخليفة المأمون وأبوبكر الصديق والثورة... مصر الجديدة كانت ذاكرة جيلا كاملا امتد من الجدود إلى الاحفاد، بثقافة حياتية معينة دمغت سكانها وابنائها بصفات معروفة، تختلف عن احياء شبرا والحلمية الجديدة وبولاق والزمالك والعجوزة وجاردن سيتى والمعادي.

امتياز حى مصر الجديدة بشوارعه وحدائقه وتراثه المعمارى، امتد مائة عام شهد معها ثورات وحركات وشخصيات أثرت على قاطنيه وزواره وتجاره... وكانت تمثل عصر الزمن الجميل مثل عصر ام كلثوم وعبد الوهاب وأحمد شوقى وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف السباعى وصلاح ابو سيف وغيرهم.

ولكن الحى هرم وشاخ وتأزمت طرقه وفاقت الكثافة السكانية جرعات الاستمتاع بشوارعه ومتنزهاته، وانقلب إلى غابة من اشارات المرور المختنق وتكدس السيارات والشوارع وضج زواره من التخبط والزحمة والتكدس... ولكنه مازال يمثل ذاكرة جميلة أصابها الكبر والزهايمر.

(٢)

 

من شهرين تقريبا، استيقظ سكان مصر الجديدة وزوارها اليوميون على ثورة معمارية فى شوارعها وطرقها الرئيسية! شملت امتداد محطات المترو النفقى، إزالة مترو مصر الجديدة الشهير، جراجات تحت الأرض، اغتيال جانب كبير من حدائقها لتوسعة الشوارع، تعديل مسارات طرق، شبكة كبارى عملاقة، توسعات عميقة فى انهار شوارعها الرئيسية! وكل ذلك بعمل مستمر دؤوب، متصل على مدار الـ٢٤ ساعة!

فكانت مفاجأة التغيير والانقلاب على الذكريات وتفتيتها وتجريف موجع لمشاعر قدماء الحى، التى بدأت تضل الطرق فى مداخلها ومخارجها! وانطلقت الحناجر والأفكار والمشاعر ضد مجزرة الاشجار واغتيال الجزر الخضراء فى الشوارع المشهورة. تقاذف النقد والانتقاد لتغيير واقع جميل امتد ١٠٠ سنة، مفعمة بالذكريات والأشخاص.

فتوغلت الكراكات والقلابات وأجهزة الحفر والسفلتة فى مناطق ومحاور حرجة، وأصبح الإزعاج والتخبط فى الطرق وضياع الطريق سمة شبه يومية تهاجم الناس، وتنتزع احساسهم وشعورهم بالاستقرار فى معرفة وحفظ المداخل والمخارج!

وانبرى أبناء حى مصر الجديدة على صفحات شبكات التواصل الاجتماعى، فى إطلاق قذائف الهجوم والنقد لحركة التغيير وادواته المزعجة ومسارات الطرق الافعوانية! أكثر ما دمر المشاعر وأطلق السخط، اغتيال وتقصيف وبتر اللون الاخضر من الشوارع واستبدالها بمساحات اسفلتية واسعة تعوق عبور هذه الشوارع العملاقة، وتنفيذ التغيير ببتر لمعالم صاحبت الزمن الجميل فترات طويلة!.

 

(٣)

مع كل ذلك التغيير المادى الضخم، غض أهل الحى وزواره طرفهم عن أن هناك مصر جديدة تبزغ فى الأفق!

وبالرغم من كونى من سكان شارع الخليفة المأمون وكانت حدائقه الغناء من ملاعب الصبا لى وبيت لذكرياتى وللعشرات من جيلى وما قبلى، وكنت من عشاق التنزه فى منطقة الكوربة وشارع الأهرام، وضللت طريقى أكثر من مرة فى الذهاب لمنطقة ألماظة من شارع الثورة كالمعتاد، لأصل لها من اول لفة عائدة عند مدينة الرحاب!

إلا أنى نظرت للموضوع بنظرة مختلفة إلى حد ما!؟

ماذا سيكون شكل مصر الجديدة بعد ١٠ سنوات أو ٢٠ سنة من الان؟ كيف سيكون المشهد بعد رحيل أدوات التغيير المزعجة؟ كيف ستكون السيولة المرورية بها واستيعابها لأضعاف الكميات من السيارات والحركة؟ ماذا سيكون الوضع عند وضع لافتات ارشادية للطرق بصورة محترفة؟ كم من وقت ومجهود ستختصره الطرق الجديدة بعد معرفتها؟

كيف ستراها ابنتى ذات الثلاثة عشر عاما بعد ٢٠ سنة؟ لتجدها منظمة، واسعة، متدفقة، أخطبوطية، نظيفة، ميسرة؟

كيف ستكون مشاهد الذكريات الجديدة التى ستعرف اشخاصا جدد؟

هذه هى مصر.. الجديدة التى استشرفها، وتتشكل بهدوء وحزم وحسم، رغم ذكريات عهود وجب أن تتطور!

 ليس فقط على مستوى حى مصر الجديدة ولكن على مستوى مدن الاسكندرية وشرم الشيخ والمنصورة وأسيوط والأقصر والكريمات والطريق الدولى ومحور الضبعة وروض الفرج والمطارات الجديدة ومحور ماسبيرو وجزيرة الوراق!

كل يوم بعد استيقاظى، انزل شارع الخليفة المأمون معاينا تغييرات الليلة السابقة واختفاء أشجار وبروز مسارات وطرق جديدة، لأتساءل ماذا لو كانت مصر الجديدة تعامل بهذا الدأب والتصميم والحسم من ١٠ سنوات سابقة، أو ٢٠ سنة ماضية، أو ٣٠ سنة مرت؟

ان ما نلوم به اليوم من تجريف ذكريات ارتبطت بظروف نشأة حى مصر الجديدة وشخصيته، يجب أن يعتبر ايضا انفجار كثافة السكان على مدار ١٠٠ سنة! يلزمه أن يدرك أن هذه الكثافة تصاحب ايضا السيارات والعمارات والحركة والزحام! يلزمه أن يتفكر فى تغير مفهوم ثقافة الحياة، التى تحتاج اعادة تشكيل لمفهوم الاستمتاع والترفيه والتنزه والعمل والانتقال والحركة والمرور.

مصر تتغير، تتسع، تتعملق، شئنا ام أبينا، فلا شك بأن هناك مصر جديدة تتحرك فى اتجاه الغد، لا نلاحظ منها حاليا الا المعاناة المصاحبة للتغيير، ونغض الطرف عما ستكون عليه غدا! غدا بمعنى مصر القرن ال٢١، بكل ما يحمله من تحديات واعادة ترسيم للهوية والشخصية المصرية وعلاقتها بالمكان والأرض.

(٤)

ما يحدث الآن بحى مصر الجديدة نحتاجه ايضا بداخلنا، داخل فكرنا، وعينا، خططنا، رؤانا، لنتعرف من جديد على فن الاختلاف والتميز.

غير مختلف عليه أن التغيير صعب والمتغيرات قد تكون قاسية وصادمة ومربكة، ولكن ما يحدث فى مصر الكبيرة الان، أكبر من تصوراتنا وذكرياتنا عنها منذ عام ١٩٥٢!

 ٦٠ عاما تقريبا تمثل حقبة كاملة وُلد فيها بشر وكبروا وانتقلوا، وأتى الوقت الذى لزم معه أن يتجدد شباب الارض، تُقلب جذورها، يعاد تخصيبها ماديا وفكريا وفنيا وعمليا. أن ما يحدث فى حى مصر الجديدة الان، لن يدرك قيمته الا بعد ٢٠ سنة، وهذه شيمة التغيرات الجوهرية المؤجلة التى لا يقوم بها أو يتصدى لها الا فكر متطور ومباشر كالقطر الذى وضع القضبان ويسابق الزمن للوصول لمحطته الجديدة!

 

وكأى تغيير، فإنه لا يولد كاملا أو بلا مثالب!

فالطرق لم تنته بعد، اللافتات الارشادية غير كاملة والعديد منها غائب، كبارى عبور المشاة لم تنجز، ابتكار وسائل عبور للشوارع الواسعة لكبار السن – لعجزهم عن صعود الكبارى - لم تُطلق بعد، التنظيمات المرورية ومسارات الشوارع لم يقدم بها تنويه بعد، شبكة مسارات الطرق تُعدل بدون استقرار، اعلان وتوعية سكان الحى بخطة التغيير ومدتها وشكلها النهائى لم تتم من أساسه! الخ... ولكن كل ذلك لا ينال من الاعتراف بأن هناك تغييرا يجرى فعلا وان قوة هذا التغيير القائم، يحتاجه الحى ومستخدميه، حتى ولو فُرض عليهم حاليا... لمصلحتهم مستقبلا!

فى تقديرى أن شكل تغيرات حى مصر الجديدة، هى صورة من صور معانى مصر جديدة، تفور بالتغيير العمرانى والعسكرى والسياسى والمعرفي. ومع تفهمى واستيعابى الكامل أن هذا التغيير لم يمتد بعد بذات القوة والفعالية إلى الصحوة فى التعليم والصحة، إلا انه قادم فى الطريق. فمن الطبيعى أن تشيد البناء وتؤسسه وتجهزه لاستقبال قاطنيه! وما يدار الان بمصر الجديدة، تجديد لشباب المكان بعد شيخوخته وترهله وتعقده. وما أقرب تجربة مصر قبل محمد على باشا، إلى صورة ما يجرى على الارض الان، مع اختلاف معطيات الواقع واتفاق الهدف والظروف والرؤية المستقبلية! ولكن....

كم تحتاج مصرنا الجديدة من ترسانات عملاقة من آليات التغيير، لتجرف فساد وترهل التعليم والصحة وعتمة الثقافة وتدهور الفن! كم من آليات نحتاجها تعمل ٢٤ ساعة على مدار الاسبوع، لتضج رقادنا الآسن وعادتنا المدجنة، ليظهر للوجود المصرى الجديد؟

 

قد يقال أن ظهور خطط توسعة وتغيير طرق وكبارى حى مصر الجديدة، قد جاءت من رحم العشوائية أو التنظيم المجهول أو التجاهل للعمران القائم ومعتاد! اوقد يقال إن هذه الخطط كانت نائمة فى الاضابير تنتظر من ينفض عنها غبار الوسن والتواكل والفساد والتأجيل، ليتلقفها التسرع والتخبط وسوء التوقيت! وقد يقال أن هذه الخطط تغطى مصالح وعمولات واموال مضاعفة.. الخ ولكن كل ذلك لا يستطيع تجاهل أو انكار أن هناك واقعا جديدا يتشكل ويستمر ويفرض نفسه على الارض كتجربة إحياء، لتكون فى النهاية صورة كبيرة سيتساءل معها المصرى القديم.. هل هو جدير بالعيش فيها؟ ام عليه هو ايضا أن يواكب التغيير، بتغيير نظرته لأهمية وجود هذا التغيير ومواكبته ومحاولة تفهمه لا محاربته؟

دعونا نتوقف ونفكر بهدوء، ننحى ذكرياتنا وننحت واقعا جديدا، نستلهم الغد، نعى ما حولنا، نصبر على مصرنا، لنحاول أن نكون بحق من اهل مصر الجديدة! فمصر الجديدة قادمة لأولادنا واحفادنا..

ويوما ما سنتذكر هذه التغييرات وسنكون فخورين باننا كنا شهودا على حدوثها ومن الصابرين على اكتمال تجربتها!


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

التعليقات 1

عدد الردود 0

بواسطة:

عبدالرحمن عليوة

مقال رائع

مقال رائع ونظرة مختلفة على مشروع تطوير حي مصر الجديدة من الأستاذ الكبير محمد بكري.. 👍

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة