خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

عفوا.. لا يوجد مباريات اليوم

سحر عبد المجيد تكتب: قراءة فى "السيدة ش".. المرأة بين الإخلاص والقمع

السبت، 13 أبريل 2019 06:31 م
سحر عبد المجيد تكتب: قراءة فى "السيدة ش".. المرأة بين الإخلاص والقمع غلاف المجموعة

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

يعرض الكاتب محمد غنيم نماذج متعددة ومختلفة لشخصية المرأة وعلاقتها بالرجل.. التى من خلالها نرى كيفية تصوير المرأة تجاه فعل ممارسة الحب، فى مواجهة فعل الرجل، وكيف للمرأة والرجل التحقق من خلال قيم إنسانية تخلق وجودا لإنسان حر، مخلص، متصالح مع نفسه، يعرف ما يريده ويفعله، وفى النهاية قادر على تحقيق وفعل رغباته، هذا ما سوف نراه.. متحققا فى شخوص مجموعته السيدة "ش" الصادر عن دار النخبة 2019.

بداية من عنوان المجموعة تواجهنا فكرة احتفاء المبدع بالمرأة، وتتميز هذه المجموعة ببوح صادق للمرأة وعن المرأة، حيث جاءت المجموعة قائمة على ثنائية الرجل / المرأة.. الذكر/ الأنثى.. حضوره الدائم وغيابها المتحقق فى سطور العمل الأدبى، ومن خلال العمل الأدبى سوف نكتشف كيف نسج المبدع من خلال اللغة والوصف والمشاهد المختلفة حضور الرجل، وكيف تحقق غياب المرأة من خلال السرد؟ 

فى البداية يقدم محمد غنيم السيدة "ش"، ومن أول العنوان يلقبها بالسيدة وينزع عنها "الاسم" ينزع عنها التعريف، فقط يعرضها لقبا، ويشير إليها بحرف ليضيف مزيدا من الغموض على هذه السيدة.. لماذا فعل ذلك؟

طرح السارد صفات "ش" فى جمل سردية متتالية تبدو موضوعية، لكن فى النهاية هناك جمل تصف السيدة بميزات شبه قاطعة ليجسد "ش" للمتلقى..فكيف رُصدت من خلال رؤية المبدع، يقول: "واثقة بنفسها بعض الشئ، قادرة على أن تحول لحمها إلى روح".

تعانى "ش" فصاما ما، فهى تضحك وتبكى على السرير، صديقة لزوجها، لكنها تستطيع خيانته فى حضوره، بينما تصونه فى غيابه، كأنها الفاعل الأول والأخير فى كل الأحداث بعين الراصد لها، لكن مع التأمل، نجد "ش" تعانى، رغم كون تصرفاتها نابعة من داخلها، فهى تستطيع تحويل نفسها خلال ممارسة الجنس - وهنا هى الفاعلة – من لحم إلى روح، كما أنها تستطيع الطيران والتحليق بجسدها فى تلك المساحة الصغيرة "السرير" التى تتحقق فيها حريتها فى تجربتها المحرمة اجتماعيا – من وجهة نظر السارد والمتلقى الذكر – وتبدو فاعلة على طول القصة ومتحققه، وتفعل ما تريد خاصة فى "السرير"، ويكمل تجسيد "ش" فى وصفها، فبشرتها تشبه ماء النيل وقت "هياجه" صوتها يقطر "شبقا"، والتى تذوب "وتتأوه" "خاشعة" "راكعة" كلها صيغة للفاعل .. يعرض هنا لمرأة تفعل ما تريد بقدر كبير، لكن هل بالفعل هى حرة، وإن كانت كذلك، فلماذا تمارس أفعالا مرفوضة اجتماعيا، وتنسحب منها بعد قليل، وهى تستطيع أن تكون حرة بالفعل؟ ولماذا ترضخ "ش" لكل هذا التمزق؟

 تثور مع ضوء أول شعاع فتبغض معشوقها كأنها لم تعرفه وتخبره: "أنا لست المرأة التى تبحث عنها" وتكمل: "أنا مستهلش أنك تحبنى وإنت ماتستاهلش إنك ما تتحبش" ثم تدخل عزلتها مهرولة وتغلق الباب".

تلك التجربة الخاصة بسيدة تمارس الجنس لوقت.. ما مع (العديد) من العاشقين، ثم تلفظهم، مقررة أن المشكلة لديها، العشاق كلهم متساون، هى لاتريد عشاق، عن ماذا تبحث؟ إذا كانت تلفظهم أجمعين، فهى لا تبحث عن الجنس، ربما الحب هو خلاص تلك السيدة.

كما أن الكاتب يخبرنا أن عدم استمرار العلاقة نابع من المرأة حتى وإن كان محرما، وسبب نزوعها للآخرين وإن كان غير معلن "زوجها"...

تنتهى القصة بدخولها عزلتها وتغلق الباب، هى لن تجد الحب، وليس من حقها البحث عنه، لأنها متزوجة، ربما العقاب المناسب لها هو العزلة وغلق الباب عليها، لأنها حينما تخرج تقرأ، تشاهد الدراما، تمارس وظيفتها كمعلمة لمادة علم النفس، تشخبط على فيس بوك، متأملة، تحب الموسيقى، تعشق الشعر، ناقمة على الواقع " تحس بالرعب عندما يغيب العدل".

غياب العدل الذى لم يحققه المجتمع لنموذج المرأة المتجلى للسيدة "ش" فهى تعيش مع زوج غير موجود، وعشاق لا يهتمون سوى بلحمها، السيدة "ش" قناع لسيدة مقهورة بعكس ما يعرضها الكاتب على أنها متحررة، فهى مقموعة وكأنها اختارت هذه العزلة وغلق كل باب/ أمل يتحقق فيه حياتها كشخص وليس كـ "ش".

من نموذج السيدة "ش" إلى نموذج المرأة الحالمة الرومانسية ينقلنا الكاتب، إنه نموذج مختلف للمرأة فـ "هالة" فى "رائحة الدخان"، تظهر مرة أخرى فى"ذاكرة الأماكن" لكن دون تصريح بالاسم، هالة هى أول اسم صريح داخل المجموعة وهى "هالة" من الصفات الجميلة الرقيقة للأنثى كما يتمناها المبدع، فهى العظيمة التى وقفت خلف "الرجل" لتخبره: "اكتب لعل الكتابة تكسر حاجز الغربة الذى ألم بك"، هنا يعرض الكاتب لثنائية حضور الرجل مقابل غياب المرأة من خلال تجربة السارد مع حبه "هالة" .. هالة تحوّطه فى مقهاه، يتحقق حضوره فى الألم، الذكريات، فى صوت الست، وتتحقق هالة فى "حضرة غيابها" طيفها، حبها لرائحة الشيشة، صورتها التى تتمايل مع الأدخنة، وروحها التى تحتضن رائحتها، هالة أعطته مفتاح الحياة، المرأة هنا هى "دور" فى حياة الرجل حتى وإن لم تكن موجودة، إنما هى "فعل" متحقق مستمر، يدفعه للأمام ويعطيه مساحة من الأمان للبوح، هالة هى التى ساعدته على كسر حاجز الغربة، هالة وإن رحلت باقية، فغياب المرأة هنا غياب حسى فقط فى مقابل حضور الرجل الحسى وغياب روحه فى العزلة، وحضورها حضور فعلى وتحقيق لحضور المبدع داخل الإنسان الذى يمنحه الاستمرار فى الحياة وكسر حاجز غربته.

نموذج آخر للمرأة قائم على ثنائية الوفاء/الخيانة.. فى "الحنين فى دبى" يعرض الكاتب لوحة لفراق بين قلبين ناتج عن الحالة الاقتصادية، يسافر وينجح ثم يقابلها منهزمة نتيجة لما حدث فى دبى عام 2009 من تدهور فى الاقتصاد، يهرب زوجها ويتركها غارقة فى الديون ويطلقها ويعود للوطن ويتزوج بأخرى، ثم يعرض الكاتب لوحة اللقاء مرة أخرى فى دبى "ليوبخها"، وليصبح "هو" محور العالم فهى تجلس بجواره لا تستطيع فعل شىء سوى النظر فى عينيه.

وتسأله: لم تتزوج؟

يجيبها بالنفى فتسأل عن السبب فيخبرها بجملة تمجد إخلاص الرجل مقابل خيانة المرأة – التى لم يكن بيدها حيله فى مجتمع يمارس قهرها فى أدق اختيارتها وحتى الزوج "النذل" الذى يتركها فى بلد غريب، وربما تسجن – ثم يبرر عدم زواجه بجملة: "لأن وداعنا كان نهاية لنبض قلبين، ومن باب الإخلاص لكِ وخوفا من أن تنتهى علاقتى بأخرى تتمتع بأنانية وطمع مفرط مثلك" وكأنها هى الخائنة.

كيف يمارس المبدع خطابا يعرض فيه إخلاص الحبيب "الذكورى"، لكنه فى الواقع خطابا يحمل قسوة ويحمل تخلِ حقيقى - للمرة الثانية - عن حبه.

تتحقق مرة أخرى ثنائية الحضور والغياب فى "الصخرة " بين قصة حب "ريم " و"كريم" فـ ريم حتى على المستوى اللغوى لاختيار الاسم تمثل الجزء الأكبر من "كريم "، ذلك الانتماء المطلوب والملح بشكل فعلى لدى المبدع، الذى يريد أن يخبرنا به، لكن صفة الإخلاص المتناهية عند ريم، والحب الرائع منها لكريم يجعلها تموت عند الصخرة، مكان اللقاء والحب، فالمكان صخرة، المجتمع صخرة تجاه أى حب، والموت هو البقاء الوحيد، وكأن المبدع يخبرنا أن الحب الحقيقى ليس له "حياة " فى مجتمعنا سواء من تجاه المرأة أو الرجل، لا يتحقق ولا يسمح بممارسته إلا فى طقوس جنائزية.

واستمرارا لنموذج المرأة الرومانسية نجد فى قصة "عيد ميلاد" تحقق بعض العدل على مستوى الخطاب، ربما ثارت الأنثى داخل المبدع انتصارا لها على مستوى الخطاب فالحضور للرجل والمرأة معا، افترقا معا، تقابلا معا، بالطبع كان الحوار قائما بينهما والبداية للرجل الذى يبرر زواجه والتى تبادره هى بالسؤال ألم تحبها؟ فيرد: لم أفكر بالحب من باب الوفاء لك، وخوفا من أن تنتهى علاقتى بأخرى كما انتهينا إليه.

وهنا استكمالا لنفس مشهد "الحنين فى دبى"، لكن هنا أعطى المرأة حق الرد والدفاع..التى ربما ثارت بداخله لترد بعض الظلم الذى وقع عليها وقمعها عند سؤاله لها هل تزوجتى؟

"فأجابت بنفس الكلمات التى قد وجهت فى (ذاكرة الأماكن) ولكنها أضافت، أنت الأمان والحنان، لم يعشق قلبى سواك خوفا من أن أقابل أنانيتك فى رجل آخر مرة ثانية..ثم عقب على حديثهما "إن الذين يحبون حقا لا يتزوجون" ولكى يعطى أنثاه حق الرد حرمها من الزواج، جعلها تقوم بمقدمة فى شرح حبها وعشقها وإخلاصها له.. فقط لترد، فى مقابل ممارسته الحياتية العادية التى لم ترد أو تعترض عليها، وكأنه من حقه أن يعيش حياته وهى تظل تحب وتخلص وتفى له، ثم يجعلها تقرر – وكأنه قرارها – بأن الذين يحبون حقا لا يتزوجون؟ ولم تطرح عليه تساؤلا واحدا: وإن كانا قد آمنا بنفس جملة "نجيب محفوظ " فى قصر الشوق، لماذا لم يحققها هو الآخر؟

ثم ينتقل بالقارئ ليعرض له عدة نماذج مختلفة للمرأة ففى "نوافذ جائعة" منظور اجتماعى واقتصادى لظهور المرأة بشكل محدد، فالحى الشعبى "الزعفرانة" ملىء بالبيوت التى اتخذت واجهات المبانى الرطوبة عنوانا لها، كما أنها منازل آيلة للسقوط، فكل حوار السكان "مفضوح" للجالسين على المقهى، فالسيدة العابسة الذى تنعى حظها مع زوجها، والسيدة صاحبة الصدر العظيم التى تسقى الزرع، والتى تدب الطاقة فى أوردة رواد المقهى لمجرد خروجها للنافذة، والفتاة المراهقة التى يشاغلها الشاب العاطل ويتقابلا ليركبا معا"التوك تك".

يستمر عرض المبدع لنماذج مختلفة للمرأة فهى هنا الأم فى قصة "امرأة ضائعة" وهو منافى تماما لنموذج الأم فى قصة "الحصة الأخيرة" الأم فى الأخيرة هى السيدة التى تربى وتخلص وتصون زوجها حيا، وتخلص لطفلها وتربيه لتحقق أمنية أبيه الذى توفى، ومع أن كل القرية كانت بجوارها إلا أنها أحبت "عربى" أكثر من أى شئ.. هناك نموذج يعطيه المبدع كامل حريته فى الفعل، بشرط التزامه واحترامه لتقاليد المجتمع فالمرأة حرة "داخل إطار"، النموذج الثانى لامرأة مخلصة لبيتها وأطفالها، لكن ليس لزوجها – نتيجة لخيانته – فتتعرف على الرجال من خلال الإنترنت، وحينما تجد ضالتها وتقتنص بعض السعادة غير المشروعة، يحاول السارد التحكم للرجل الذى يصل لبيتها وتبدأ هى بممارسة الجنس معه إلا أنه يفيق لأنها أم وزوجة، ويتركها.

يظهر مرة أخرى بعد اجتماعى من مجتمع خاص بالمرأة "عالم نقل الكلام" والذى يتحكم فى مسار القصة كلها، فلولا سماع الزوج همهمات النساء ما أنهى روايته، تلك الزوجه التى تخفى شعورها بخوفها من أن يكتشف سرها.

أما فى "جوليا" نرى مدى تحكم الرجل فى المجتمع العربى فى المرأة، فالأب ترك البنت وأمها، ثم يعرض نموذجا حقيقيا للمرأة من خلال رسم صورة لمرأة تابعه ذهنيا للرجل، امرأة لن تتحقق إلا من خلال وجود رجل فى حياتها، يعرض للمشاهد وعلينا أن نقرر ونختار، من بالفعل مسئول عن قهر المرأة وتغييبها، هل الرجل فقط؟ أم كان لها دورا كبيرا فى ذلك فهناك خلاف يعرضه المبدع على لسان المرأة، وهل فعلا المرأة سوف تفكر بهذا الشكل؟

"وقد اتضحت لى الرؤية أن مفهوم الحب اختلف بينى وبينه، فانشغالى به زادنى طمعا فى أن أمتلك قلبه وعقله، بل وجسده أيضا....هو حقا يحبنى ولكن دون الرغبة فى امتلاك كيانى" فهى معترضه أنه لا يملكها.. وكأن المرأة تحب أن تكون سلعة وتفضل الامتلاك..المبدع يوضح القمع الثقافى داخل "مخ" المرأة.. فهى لن تحقق إلا بقمع الرجل لها.

يعود المبدع لنقطة مهمة جدا فى ثقافتنا" وهى تفضيل الرجل على المراة فى العقل " ويعرض ذلك من خلال عرض نموذج لسيدة لا تفعل شيئا سوى التواصل مع السحرة والمشعوذين.. حتى تنجب " الذكر / الولد ".. مع أن لديها بعض الحرية التى تمارسها فى الانفصال عن الزوج الأول والثانى، وحينما يتحقق حلمها فى انجاب هذا الطفل سيكون مشوها وسيموت بعد ولادته.. تقاس العذاب فى الولادة مع المعرفة التامة أنه سيكون مشوها.

هذه المجموعة تحمل نماذج مختلفة للمرأة يظهر من خلالها الحرية الزائفة التى يمارسها المجتمع على المرأة ويتشددق بها، فى حين أن المستوى الفعلى لهذه الحرية، نوعا جديدا من القمع ..القمع على المستوى البيولوجى، فالسيدة صاحبة الصدر الجميل لا يحق لها أن تمارس حريتها فى "شرفة" منزلتها.

وعلى مستوى التجربة فهى تحب من يمتلكها، على مستوى الخطاب ربما يعطيها المجتمع بعض المساحة للتعبير لا للفعل، فالفعل فى المنزل، أما على مستوى الخطاب، فالمبدع يخاطب وعى المرأة، عليها أن تلتزم الاخلاص فى الحب، العطاء، التفانى.. كل معان المثالية، يوجه المبدع رؤيته فى "كون الأنثى"، ويفضح القمع الذى يمارسه المجتمع فى قمع حريتها.

يخاطب اللاوعى الثقافى لدى المرأة، فإظهار بعض أفعال نماذج مختارة للمرأة، فالسيدة التى تهمهم نتيجة حسرتها من زوجها الذى يحبطها فى مشاعرها، بالتالى تظل توبخه، والسيدة التى تود إظهار جمالها بأى وسيلة وإن كان عرضه فى بلكونة المنزل، كما أوضح مدى أهمية العوامل الاجتماعية والاقتصادية فى حياة المرأة ومساهمة تلك الأسباب فى قمع حريتها.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة