خالد صلاح

سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 19 أغسطس 2017.. وفاة محفوظ عبدالرحمن.. المبدع الذى جلس فى قلب حوادث التاريخ وانحاز لعروبته وطبقته الوسطى

الأحد، 19 أغسطس 2018 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 19 أغسطس 2017.. وفاة محفوظ عبدالرحمن.. المبدع الذى جلس فى قلب حوادث التاريخ وانحاز لعروبته وطبقته الوسطى محفوظ عبدالرحمن
إضافة تعليق
ذهبت للقاء الكاتب المبدع محفوظ عبدالرحمن، عام 1997 فى منزله بالمهندسين، كنت أحمل إليه من مكتبتى عشرة أعداد من مجلة «الشاهد» التى كانت تصدر من قبرص فى نهاية ثمانينيات وبدايات تسعينيات القرن الماضى، وكان فيها مذكرات الموسيقار الكبير محمود الشريف، بقلم الكاتب الصحفى والشاعر محسن الخياط.
طلبها «عبدالرحمن» منى لتصويرها فور أن أخبرته بوجودها عندى، وذلك أثناء مكالمة لى معه استطلع فيها رأيه حول مشروع كتاب وضعت خطوطه العريضة بعنوان «أم كلثوم وعبدالناصر»، أصبح فيما بعد «أم كلثوم وحكام مصر»، وكان هو فى نفس الوقت يعكف على كتابة مسلسله «أم كلثوم».
 
كنت أتواصل معه كمصدر صحفى لى، وكان ذهابى إليه هو لقائى الأول به، لكنه كان بالنسبة لى الأهم والمؤثر من حيث إنه فتح لى بابا جديدا فى النظر إلى أحداث التاريخ، وطريقة التعامل مع أبطاله، وأهمية أن نقتحم كل المسكوت عنه فى حكاياته ليس بالمعنى الفضائحى، ولكن بما يضيف من خير وحق وعدل وجمال.. أذكر أننى سألته حول روايات البعض عن قصص «زواج أم كلثوم»، فسألنى: «وماذا يفيد الكلام فى ذلك؟.. هل نقول لأجيالنا القادمة إن هذه السيدة العظيمة كانت أحد العناوين الرئيسية للنهضة العربية فى القرن العشرين، أم نقول إن تاريخها هو: تزوجت فلان وأحبت علان؟.. هل نروى سيرة سيدة طلعت من وسط المعاناة والفقر لتتربع على عرش الغناء العربى، وأصبحت رمزا للتحدى والكبرياء، وسخرت صوتها لمساندة بلدها وعروبتها كما حدث منها فى جولاتها الفنية للمجهود الحربى بعد نكسة 5يونيو 1967، أم نتحدث عن أنها تزوجت فلان وأحبت علان؟».
 
امتد حديثه حول حكايات مماثلة فى التاريخ، زكريا أحمد، محمد عبدالوهاب، محمد القصبجى، بيرم التونسى، أحمد عرابى، مصطفى كامل، محمد فريد، سعد زغلول، الخديو إسماعيل الذى أنصفه فى مسلسله «بوابة الحلوانى»، وجمال عبدالناصر الذى ارتبط بمشروعه السياسى، وكتب فيلم «ناصر 1956»، وتمنى أن يكتب «ناصر 1967»، وحدثنى عن الظاهر بيبرس الذى قتل قائده وصديقه قطز فى طريق عودتهما من الشام إلى القاهرة بعد نصرهما على التتار فى موقعة «عين جالوت»، ثم جلس يبكى إلى جوار الجثمان متحدثًا إلى نفسه وإلى قائده وصديقه الذى أصبح جثمانًا.. حدثه وكأن الحياة مازالت تنبض فى الجسد.. كتب محفوظ عن هذه الدراما الإنسانية والسياسية رائعته «الكتابة على لحم يحترق».
 
حدثنى عن «سليمان الحلبى» الذى كتب عنه عمله الدرامى موضحًا كيف جاء من حلب حافظًا سره بقتل القائد الفرنسى كليبر عام 1800، كما تحدث عن عمله «ليلة سقوط غرناطة»، بما احتوى هذا الحدث الفريد فى تاريخنا الإسلامى على دراما إنسانية وسياسية بالغة أحد عناوينها الشهيرة بكاء «أبى عبدالله» على ملكه الذى باعه للأعداء، فسخرت أمه منه: «أبكى كالنساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال»، وحدثنى عن «أحمد باشا الجزار»، وإلى عكا الذى هزم نابليون بونابرت أثناء حملته الفرنسية على الشام من مصر، وتمنى أن يكتب عنه مسلسلا يقدمه كمنتصر على نابليون، وجزار على أبناء عكا.
 
تميز مبدعنا العظيم المولود يوم 11 يونيو 1944، فى كل أعماله الدرامية بالجدية والعمق، والجاذبية فى اللغة والحوار فاكتسبت أعماله جماهيرية واسعة، حتى أصبح اسمه على أى عمل درامى ضامنًا لنجاحه، والأهم أنه كان من خلال هذه الأعمال محاربًا صلبًا وعنيدًا ومؤثرًا ودون صخب لكل الأفكار الظلامية التى تقف عائقًا أمام نهضتنا وتقدمنا.
 
لم تكن أعماله مجرد سباحة فى التاريخ تنقل منه حكايات للمتعة والتسلية، وإنما هى أعمال تلتقط محطات فارقة فى تاريخنا، تكشف لنا أسباب السقوط وأسرار النهوض، وتلك المسألة تحديدًا كانت همًا كبيرًا يتنفسه، وينفذ الكاتب عبدالله السناوى إلى قلب هذا المعنى فى مقاله «بوابة محفوظ عبدالرحمن.. الشروق- 20 أغسطس 2017»، قائلًا: «إن اقتراب الأدب من الأحداث الفارقة، التى غيرت وجه التاريخ بلا تدليس فى وقائعها، أو تجهيل بروح عصرها، يكتسب قيمته وتأثيره على الذاكرة العامة جيلًا بعد آخر»، ويؤكد «السناوى» أن معظم أعمال محفوظ عبدالرحمن الدرامية، وفى القلب منها «بوابة الحلوانى» ينطبق هذا الكلام عليها، ويقول: «كان عمل بوابة الحلوانى اقترابًا دراميًا نادرًا بلا كهنوت وحواجز من جوهر نظرية الأمن القومى فى مصر».
 
ظل ثابتًا على المبدأ حتى وفاته يوم 19 أغسطس «مثل هذا اليوم 2017»، ولهذا أنتظر لحظة الموت برضا وهدوء: «حين تركونى فى إحدى غرف العمليات فكرت فى كتابة رواية جديدة، الموت لا يخيفنى، لكنى أخاف أن أفقد الناس، لم أكتب وصية، فليس لدى أموال أورثها لأبنائى، أنا رجل ولدت وكبرت وعشت وسأموت، وأنا منتم للطبقة المتوسطة».. «أسرار إبداع محفوظ عبدالرحمن- محمود هاشم- رصيف 22 - موقع إلكترونى».

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة