خالد صلاح

عباس شومان

التعليم بين الواقع والمأمول!

الأربعاء، 11 يوليه 2018 10:00 م

إضافة تعليق
يعانى التعليم فى بلادنا العربية، خاصة مصر، من مشكلات جمة تعوق مسيرته وتؤخر نهضته، بل تؤدى إلى تراجعه، وليس العمل على تطوره، وهذه المشكلات تشمل عناصر العملية التعليمية جميعًا، بداية من السياسة التعليمية العامة، مرورًا بالمنشأة التعليمية والمعلم والطالب والمناهج الدراسية، وصولًا إلى ثقافة المجتمع تجاه التعليم والمنظومة التعليمية برمتها.
 
ومن هذه المشكلات إهمال أولوية التعليم، وجعلها فى مرتبة متدنية من الأولويات الحكومية على مدى الحكومات المتعاقبة، فميزانية التعليم بكل أنواعه فى مصر، أو فى إحدى الدول العربية، لا مجال لمقارنتها بميزانية التعليم فى دولة من الدول التى جعلت التعليم أساسًا لنهضتها، ولا شك أن ذلك يؤثر سلبًا على العملية التعليمية برمتها، ومن ذلك قدرة المعلم على البذل والعطاء، وعدم وفاء المعامل والوسائل التعليمية، التى قد لا تتوافر من الأساس، بالمتطلبات العملية اللازمة للعملية التعليمية.
 
وكيف يُتصور أن يقوم معلم بواجبه كما ينبغى وقد اضطرته ظروف عمله للانتقال عشرات الكيلومترات، مُنفقًا فيها أغلب راتبه الذى يُفترض أن يكون للإنفاق على نفسه وعياله؟! وكيف يمكن للتعليم أن يكون على طريقه الصحيح، وبعض المعلمين ما زالوا يدفعون من أموالهم الخاصة تكلفة تصوير أوراق تتعلق بالعملية التعليمية داخل فصولهم الدراسية، سواء للاختبارات أو غيرها، إلى جانب ما قد يدفعونه من رواتبهم الزهيدة أصلًا لعمال أو عاملات اضطرتهم الحاجة إلى الاستعانة بهم، خاصة مع تقاعس بعض العمال عن تأدية أعمالهم إلا بهذه الطريقة المستهجنة؟! وكيف يُتصور ارتقاء التعليم فى بلادنا وكثير من المعلمين يشجعون طلابهم على عدم التوجه إلى المدرسة أو المعهد لتتاح لهم فرصة إعطاء دروس خاصة، والانتقال من بيت إلى آخر، وقد أضحى التعليم فى نظر كثير منهم مجرد حرفة لتوقع أسئلة الامتحان، وكيفية الإجابة عنها، ليحصل الطالب على درجات مرتفعة، بينما يكون عقله سطحيًا فارغًا من العلم كعقل مَن يعلمه؟! وكيف لتعليمنا أن ينصلح وهناك كثير من أولياء الأمور- وبعضهم يحمل درجة الدكتوراة مع الأسف - يرى أن الغش فى الامتحانات حق مكتسب لأبنائهم، وأن منعه إضرار بمستقبلهم وتجنٍّ عليهم؟! وكيف ينصلح تعليمنا وما زال بعض المعلمين يعتبرون أن إتاحة الغش للطلاب نوع من المساعدة المشروعة التى تدل على طيبتهم وترفقهم بطلابهم؟! وكيف ينصلح التعليم وهناك فئة غير قليلة ترى أن انخفاض نتائج الامتحانات نتيجة منع الغش دليل على فشل إدارى يوجب محاسبة المسئولين؟! وكيف ينصلح حال تعليمنا ونحن نفاجَأ كمسؤولين ببعض الزائرين لنا فى مكاتبنا من ذوى الوجاهة الاجتماعية والنفوذ الوظيفى يطلبون اختيار بعض أقاربهم أو معارفهم لشغل مواقع قيادية داخل المنظومة التعليمية دون نظر إلى كفاءة أو صلاحية؟! وكيف ينصلح حال تعليمنا وليس لدينا كيان موحد يرسم السياسات العامة للتعليم بجميع أنواعه ومستوياته مع الحفاظ على خصوصية كل نوع؟! وقد ناديت أكثر من مرة بضرورة إنشاء مجلس أعلى للتعليم فى مصر، تُمثَّل فيه كل الوزارات والهيئات والمؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة، ويُشكَّل من الخبراء الحقيقيين الذين يمثلون أهل الاختصاص فى مجال التعليم، وليس المدعين الزائفين غير المختصين، وتكون على رأس مهامه رسم السياسات العامة للتعليم، وتحديد الأهداف المراد تحقيقها، ووضع خطط قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى للوصول لهذه الأهداف، وغير ذلك من أمور تتعلق بالعملية التعليمية، مع ترك مساحة ما لكل وزارة أو مؤسسة تعليمية تراعى طبيعة التعليم الذى تقدمه وخصوصيته.
 
إننا إذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا لتعليمنا، فعلينا أن نضع مناهج تعليمية تناسب مجتمعنا وثقافته وعاداته، وسوق العمل به، مع مراعاتها للمعايير العالمية للتعليم، فما يناسب دولة غربية أو شرقية ويرتقى بها، قد لا يناسب مجتمعاتنا، وقد زرت هذا العام مدرسة فى هيروشيما اليابانية كانت غاية فى النظافة والجمال، مع أنها مدرسة عتيقة تقع بالقرب من مكان تفجير القنبلة الذرية، ولا يوجد بها عامل نظافة، ونحن فى مصر لدينا مدارس ومعاهد أفخم منها كثيرًا، ومع أنها تعج بالعمالة إلا أنها ليست نظيفة مثل هذه المدرسة، وأستطيع أن أقول بعد هذه الزيارة إن الفرق بين منشآتنا التعليمية ومثيلاتها فى اليابان لا يكمن فى التجهيزات أو فى عبقرية الطلاب أو قدرات المعلمين، إنما يكمن فى البيئة التعليمية وتهيئة الأجواء المناسبة، والقناعة بأهمية التعليم فى نهضة الأمم والشعوب، فضلًا عن الثقافة المجتمعية التى تجعل من الاعتماد على النفس فى كل شىء مبدأ وقيمة، فالتلاميذ فى اليابان هم مَن ينظفون المدرسة طواعية واختيارًا وليس جبرًا وقهرًا، فحب النظافة من ثقافة المجتمع التى ينشأ الأطفال عليها منذ الصغر، ولمَ لا وقد شاهدنا ذلك عمليًا فى مواقف كثيرة، كان آخرها تنظيف جماهير اليابان - وكذا فعلت جماهير بعض الفرق الأخرى - المدرجات بعد مباريات فريقهم فى كأس العالم المقامة حاليًا فى روسيا. وهنا نسأل: هل أعددنا أبناءنا وبناتنا، سواء فى مدارسنا أو بيوتنا، للاعتماد على أنفسهم فى نظافة حجراتهم أو مدارسهم مثلًا؟! هل سيقبل ولى الأمر- خفيرًا كان أو وزيرًا- ما يقوله له ابنه أو ابنته من أنه قام بالتعاون مع زملائه بتنظيف مدرستهم؟! وهل يقدر معلمونا قيمة تلك الرسالة السامية، ولديهم ثقافة بذل الجهد بقدر ما يتطلبه تعليم طلابهم لا بحسب نظرية أن يكون بذل الجهد بقدر ما يتقاضونه من أجر؟! وهل يحرص معلمونا على أن يكونوا فى استقبال طلابهم دون تأخير عن وقت طابور الصباح، والاستماع إلى الإذاعة المدرسية ليكونوا قدوة لطلابهم فى الانضباط والالتزام؟! وهل ينتهى بعض معلمينا عن انتهاج ثقافة المراوغة، والخروج فى أثناء اليوم الدراسى لقضاء بعض أعمالهم الخاصة،  ثم العودة إن تيسر لهم ذلك؟! وهل يقبل ولى الأمر منع ابنه أو بنته من دخول المدرسة أو المعهد لتأخره عن وقت الحضور، من منطلق تعويده على احترام الوقت والمحافظة على المواعيد وليس عقابًا له وتعسفًا معه؟!
 
إننا إذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا لتعليمنا، فإن علينا تغيير ثقافة المجتمع ونظرته إلى التعليم على أنه مجرد وسيلة لكسب العيش بعد التخرج فقط، والنظر إليه على أنه قيمة ورسالة سامية فى ذاته، ولنتذكر جميعًا قول ربنا تعالى: « إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ»، وقوله سبحانه: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ»، وقول النبى - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ». وعلينا أن نضع التعليم على رأس الأولويات، وأن نعمل على توفير كل مقومات النهوض بالعملية التعليمية، بما فى ذلك إصلاح حال المنشآت التعليمية من حيث المبانى والوسائل التعليمية والمعامل، وكذا إصلاح حال المعلم ماليًا وتقديره معنويًا ليكون من أعلى فئات المجتمع دخلًا وأولاهم تدريبًا ورعاية، وعدم إهانته بتقديمه فى الأعمال الفنية مثلًا بالشكل الذى يحط من قدره، ويجعله مادة للتهكم والسخرية حتى بين طلابه، وأن نعمل على أن يكون أولياء الأمور عونًا للمؤسسات التعليمية لا مصدر إعاقة لها، والأهم من ذلك كله إسناد مهمة النهوض بالتعليم وتطويره وإصلاح شؤونه إلى الخبراء المتخصصين، وإقصاء المدَّعين الذين يدَّعون الخبرة والإصلاح وهم فى الحقيقة معاول هدم وإفساد.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة