خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

محمد حبوشه

الكوميديا الهزلية تشوه ملامح الدراما الرمضانية !

السبت، 26 مايو 2018 09:29 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
فى كتابه الشهير: The Physiology of laughter يقول هربرت سبنسر: إن الضحك هو مجرد فائض للطاقة الإنسانية وعلى المرء أن يجد له متنفساً ليخرج هذه الطاقة من جسده والطاقة الفائضة التى يثيرها الإحساس بالسرور والبهجة لابد أن تبحث لها عن منفذ من خلال الظاهرة الصوتية المتعلقة بعملية التنفس والتى نطلق عليها الضحك، ومن أجل ذلك ستجد أن الثقافة الشعبية المصرية مفعمة من الناحية الفكاهية بالمواقف الطريفة بالأقوال والحكم وهى ظواهر صوتية تبدو مؤلمة تارة ومضحكة تارة أخرى، ولعل ذلك يعد السبب الجوهرى فى أن الشعب المصرى هو بالسليقة ابن نكته، ولعلنا ندرك جميعا أن السخرية من أهم الموروثات لدى الشعب المصرى بل إنه يجد فيها فرصة لمعارضة الحكام على مر السنين.
 
فى قلب الموسم الدرامى الرمضانى الحالى، تبدو ظواهر كثيرة تلفت الانتباه إليها، على مستوى الأداء التمثيلى من ناحية، ومن ناحية أخرى على مستوى جودة الإنتاج ودهشة الصورة فى غالبية الأعمال التى حظيت بها كعكة هذا الموسم، والذى تألق فيه نجوم من الشباب وجيل الوسط على حساب أجيال ظلت تعتلى عرش الأداء فى مواسم سابقة، ليتربعوا على عرش الأداء الصعب، ورغم ما يعترى المشهد الدرامى برمته من نتوءات فى قلب سيناريوهات تأتى فى غالبيتها نمطية أو تقليدية من حيث المستوى الفنى الذى تغالبه الدهشة البصرية على جناح التكنولوجيا، فإنه يحسب فى النهاية لتلك الأجيال الجدية إثبات الذات على مستوى الأداء العفوى الصادق جنبا إلى جنب مع عتاة التمثيل المصرى من الكبار الذى زينوا نفس اللوحة بأداء عذب يحسب لهم أيضا فى موسم يعد الأكثر نضجا وفعالية.
 
وعلى قدر التميز الواضح على مستوى صناعة الدراما المصرية الحالية، إلا أن هذا الموسم الرمضانى للعام الثانى على التوالى قد شهد فشلا ملحوظا فى مجال مسلسلات الكوميديا التى تراجعت بامتياز من ناحية الشكل والمضمون فيما عدا مسلسل واحد هو "بالحجم العائلي" للفنان الكبير والقدير "يحيى الفخرانى!.. يأتى هذا فى الوقت الذى يبدو فيه بعض من مشاهد الـ "لايت كوميدى" مثل نسمة صيف خفيفة ومنعشة فى قلب الدراما ذات الطابع الاجتماعى والأكشن، كما لاحظت من خلال أداء "محمد رمضان" فى مسلسل "نسر الصعيد" حيث أصفى نوعا من خفة الظل على أجواء عمل تعانى غالبية شخوصه من التعقيدات والتناقضات الملحوظة، ويبدو ذلك ملحوظا أيضا مع بعض من مواقف خفيفة من جانب "أحمد عز" فى مسلسله " أبو عمر المصرى" على جناح إفيهات سريعة وخاطفة تخفف من حدة الغموض الذى يكتنف مشاهد تأسيس شخصية البطل الذى ينخرط فى براثن الإرهاب، عبر مواقف كوميديا لاذعة على سبيل السخرية من واقعه، وغير ذلك من أعمال تجنح فى معظمها إلى لون التراجيديا، تلمس فى بعض مشاهدها نوعا من الفكاهة المحببة للجمهور، بينما تأتى غالبية الأعمال المعنية بالكوميديا ذاتها على جناح السذاجة المفرطة إلى حد البلاهة والتقزز فى غالبيتها جراء إفيهات ثقيلة الظل مع خليط من إيحاءات جنسية لا تناسب جلال الشهر الكريم.
 
فعلى الرغم من أن هنالك نحو 8 مسلسلات تصنف تحت الكوميدى إلا أنها تبدو غاية التفاهة المصحوبة بتجريف متعمد للقيم والأخلاق والعادات والتقاليد، ومن قبل "الأصالة" التى تعاملوا معها على أنها نوع من التخلف فى عصر العلم والتكنولوجيا قوامه مواقع التفتت الاجتماعي. والتى يطلق عليها مجازا"مواقع التواصل الاجتماعى، ناهيك عن إنه قد شابها نوع من الترهل و"الاستعباط والاستهبال" بفعل الألفاظ الخارجة التى لا يمكن أن تجلب لنا ذلك النوع من الضحك النابع من القلب، والذى له دور مهم فى صميم حياتنا النفسية والاجتماعية المصرية، فنحن نريد أن نضحك حتى نخفف عن أنفسنا بالكوميديا، إذا يبدو الضحك فى جوهره بالفعل ظاهرة اجتماعية، ولعل شيئاً من هذا المكان فى ذهن صمويل جونسون حين قال: "اختلف الناس فى الطريقة التى يعبرون بها عن حكمتهم، ولكنهم اتفقوا على الطريقة التى يضحكون بها"، والضحك، فوق هذا وذاك، ابتهاج بالحياة، أو كما عبر عنه فولستاف، ذلك الضاحك طيب القلب فى قوله لجمهوره: "تحبون الدنيا؟
 
إذن لأستخدمن فنى فى إقناعكم بأنها هكذا فعلا".
 
معروف أن الكوميديا لها دور فى صميم حياة المصريين النفسية والاجتماعية حتى السياسية، فنحن نريد أن نضحك حتى نخفف عن أنفسنا بالكوميديا، والضحك، إضافة إلى هذا ظاهرة اجتماعية فى أغلب شأن، فنحن لا نضحك ضحكاً مفرطاً حينما نكون وحدنا، وإذا حدث هذا فإننا نضحك بدافع تخيلنا للنكتة التى شاركنا فى الضحك عليها شخص آخر أو أشخاص آخرون، لكن للأسف الشديد فإن "إيمى سمير غانم" وزوجها "حسن الرداد" لم يستخدم فنهما فى إقناع من يحبون الدنيا على طريقة "فلوستاف" بمسلسلها "عزمى وأشجان" بل إنهما وصلا إلى حد الاستهتار فى موهبتها التى كتبت لهما النجاح فى الأعوام السابقة، ليقدما عملا مفككا يفتقد إلى الرؤية والهدف، ويعتمد فى الأساس على فكرة لا تطرأ إلا على خيال ساذج يخاصم الثقافة الشعبية المصرية المفعمة من الناحية الفكاهية بالمواقف الطريفة بالأقوال والحكم، وهى ظواهر صوتية تبدو مؤلمة تارة ومضحكة تارة أخرى، ولعل ذلك يعد السبب الجوهرى فى أن الشعب المصرى هو بالسليقة ابن نكتة، ومن ثم بدت "إيمي" غير قادرة على انتزاع الضحك من قلوب متعبة أنهكتها الأزمة الاقتصادية الحادة بعدما احترقت بنار الأسعار.
 
فى تترات بعض هذه المسلسلات تسبق دائما عبارة "فوق 16 – 18 عاما"، ما يولد شعورا دفينا بداخلك أنك مقبل بلا شك على حزمة من الألفاظ والسباب والتعبيرات الخادشة للحياء العام، وغالبا لا يمت المسلسل للواقع بصلة وأحداثه كلها من وحى خيال الكاتب، وبالطبع سيخرج علينا فريق عمل المسلسل وخاصة كاتب السيناريو ليغرقنا فى حوارات جدلية عقيمة حول هذا اللون من "الفانتازيا" التى لا ترتبط بزمن معين، تصحبها فى الغالب تعليقات أقل ما توصف بالسخف والفجاجة والاستهتار بمشاعر جمهور صائم عن فحش القول قبل الطعام والشراب فى نهار رمضان، ناهيك عن افتعال معارك وهمية على مواقع التواصل الاجتماعى فى سياق الأحداث المهترئة، فى خليط إعلانى يبعث على الغثيان، وكل ذلك بالطبع لا يليق بجلال الشهر ولا يتفق مع نمط حياتنا اليومية المضطربة بالتراجيديا التى تحتاج بالفعل إلى جرعة من الكوميديا النظيفة المبهجة التى تقوى على تخفيف حدة الأفعال المشينة فى قلب شوارعنا المشحونة بالغضب.
 
وها هى ظاهرة الكوميديا الفوضوية الهدامة تكبر وتتسع قاعدتها يوميا فى عصرنا الحالى من خلال نماذج لمهرجين جدد لا يملكون أدنى موهبة تمثيلية بقدر ما يمتلكون جرأة العبث بتراثنا الفنى فى إطار الجريمة المنظمة مثل "أبو حفيظة" الذى دشن لنوع من الكوميديا الذى لا يفضى إلى ذلك الضحك المستحب النابع من القلب، بقدر ما يرسخ للتردى، وخلق روح البغض والكراهية لأجمل ما فى فن الزمن الجميل بشكل مقزز ومغلف بلون من سخرية عبثية تترك أثرا سلبيا لدى أطفالنا وشبابنا الذين يتعاطون هذا التراث بقدر من الاستخفاف بعد أن استبدل "أبو حفيظة" وغيره من رواد المسرح الهزلى من نوعية الـ "ستاند أب كوميدي" بكلمات أغان طربية شجية غاية فى العذوبة والرومانسية وبث الروح الوطنية، وغيرها من مشاهد تمثيلية كان لها أكبر الأثر فى التربية النفسية وتهذيب العواطف لأجيال متعاقبة، كلمات مبتذلة على جناح سخرية مفتعلة بدعوى مواكبة روح العصر، ثم زاد الهزل بصورة أكثر تنظيما ليخرج علينا "أبو حفيظة" وجوقته ثقيلة الظل فى مسلسل" الوصية" بأداء لا يختلف كثيراً عما قدموه من تشويه كوميدى لاينتمى لفن الفكاهة سوى فى عقولهم المسكونة بهوس الفوضى والعشوائية.
 
وبعد أن حقق الفنان الشاب على ربيع شهرة كبيرة من خلال عروض "مسرح مصر" الهزلى فى السنوات الماضية، حتى أصبحت مجرد إطلالته على الجمهور تثير الضحك، وهو ما دفعه لأن يكون فى قائمة الأبطال الجدد للأعمال الكوميدية، بمسلسل "سك على اخواتك"، والذى شاهدنا من خلاله مواقف مفتعلة مقرونة بايحاءات وألفظ تخرج عن السياق العام للكوميديا وتجنح نحوالابتذال. 
 
وهذا الأمر يستلزم تفعيل دور الرقابة والمجلس الأعلى للإعلام، انطلاقا من إيماننا بوحدة الدولة وسلامة المجتمع وحراسة مصالحه والحفاظ على التراث الإنسانى ومنظومة القيم الأخلاقية، وذلك بمحاذاة احترام تعدد الآراء وتنوعها والالتزام بالتعدد والتنوع الثقافى والحريات العامة للمواطنين المنصوص عليها فى الدستور المصرى ومواثيق حقوق الإنسان، خاصة فى ظل إصرار الأعلى للإعلام على تطبيق غرامة 250 ألف جنيه على كل قناة فضائية أو أرضية عن كل مرة تذيع فيها ألفاظا بذيئة تدخل ضمن فاحش القول، وتمثل سبا صريحا وخروجا عن الآداب العامة وتسب الأم والأب والدين، والعقوبات تتضمن تعليق ترخيص الشاشة إذا امتنعت عن دفع الغرامة الفورية ويسحب الترخيص أن تكرر الخطأ ثلاث مرات فى غضون ستة أشهر، وأنه لا تعود الشاشة لممارسة عملها إلا بترخيص جديد، وسيتم الاحتكام للمجمع اللغوى فى تعريف اللفظ البذيء الذى يدخل ضمن فاحش القول وبدورنا نطالب المجمع بسرعة إصدار مدونة سلوك بهذا المعنى حتى يتم التصدى لتلك الفوضى الدرامية.
 
أعلم أن لهؤلاء "المتنطعين" فى ساحات الفكاهة المبتذلة أنصاراً ومريدين يرون فيهم قدوة ومثلا، وأحيانا يرونهم مصلحين اجتماعيين جدداً فى برامجهم ومسلسلاتهم التى تسعى لتشويه تراث مصر الفنى، رغم أن كل ما نسمعه لا يعدو كونه طنطنات وحركات تمثيلية بهلوانية، تصل أحيانا إلى حد الهيستيريا التى لا تمت بصلة لفن الفكاهة أو الكوميديا التى يقصد بها الهجوم البناء من أجل الإصلاح، بعدما تحولت إلى طوفان هادر يفضى إلى الهدم والانهيار والدمار الشامل لملامح تلك السخرية التى قصد بها " بن جونسون " أنها وخذ للضلوع بالدبابيس، وتسعى إلى إصلاح البشرية بجمع نماذجها الهابطة فى مسرحية بعد مسرحية، فى مسلسل بعد مسلسل.
 
على أى حال لايمكن أن نعول كثيرا على صناعة الكوميديا فى مصر حاليا طالما دخل صناع الضحك فى معترك المنافسة مع تلك الاسكتشات المسرحية الهزلية التى جاءت فى غالبية ما تكدست به الفضائيات فى غيبة من وعينا بأهمية المسرح كرافد من أهم روافد تغذية السينما والدراما التليفزيونية بمواهب أثبتت جدارتها فى فن الأداء الاحترافى الجيد على خشبته، وأمام جمهور إما أن يكتب له مباشرة شهادة النجاح أو الفشل قبل أن تطول الشاشة الصغيرة وتضربها فى مقتل، كما شاهد فى هذا الموسم الرمضانى الذى خلا من كوميديا حقيقية تلامس قلوب المصريين عدا مسلسل " بالحجم العائلى للفخرانى.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة