خالد صلاح

ماجدة إبراهيم

حكمة العبيط

السبت، 14 أبريل 2018 06:22 م



إضافة تعليق

تصطدم أسنانه بعضها البعض لتصدر صوتا يصيبنى بقشعريرة يكرر فعلته مرة ومرات، فتتملكنى هيستيريا من الصراخ المتواصل حتى يكف
لكنه أبدا لم يتوقف؟!
 
هممت بالانقضاض عليه للنيل منه لكن والدتى حالت دون تفريغ شحنة الغضب التى اجتاحت مشاعرى وسيطرت على عقلى..
لا يمر يوم إلا وله حكاية تستفزنى.. أو تثير غرائز الحنق عليه..
لا أعرف هل هذا أمر طبيعى؟؟؟
 
فهو أخى الأصغر بخمس سنوات وله ظروف خاصة منذ ولادته.. حالة فسرها الأطباء أنها نوع من التخلف العقلى وبعضهم شخصها أنها حالة من التوحد..
لكننى أحسه يفهم كل شىء ويدعى كذبا أنه عبيط حتى ينجو من العقاب ومن المسؤولية..
فهو يعرف جيدا كيف يحافظ على نقوده التى يعطيها له والدنا.. يخبئها فى حصالة خشبية أعطتها له أمى.. كم تمنيت أن تصبح ملكا لى وحاولت سرقتها وخبأتها ذات يوم..
 
إلا أن الصدفة وحدها هى التى أعادتها إليه أو أنه كان يراقبنى..
إننى على يقين من أنه راقبنى وجعل أمى تقوم بتنظيف المخزن المغلق منذ سنوات.. فلم يكن هناك داع لقيام أمى بذلك؟!!
عندما أنظر إلى عينيه أسرح فيهما وفجأة يخرج لسانه معبرا عن عدم فهمه للأشياء لكننى أعرف أنه يريد إغاظتى..
كيف أستطيع كشفه أمام الجميع فالكل متعاطف معه حتى أن والدى قرر أن يفتح له ورشة ميكانيكا يكون هو صاحبها، وأنا أعمل عنده مقابل راتب شهرى..
وفى كل مرة أدافع فيها عن حقى تأتينى كلمات تأنيب من أبى وأمى..
 
إنك أنت الأخ الكبير صاحب العقل السليم أما أخوك..
فهو أخوك الصغير ولا يملك من أمره شيئا.. «ده عبيط»
كثيرا ما أحاول التحدث معه لكى أتوصل إلى الحقيقة فمازلت أراه شخصا فى منتهى الخبث والشر..
ذات يوم اكتشفت شره عندما حاول قتل صبى فى مثل عمره كان يلعب معه فى الشارع وأخذ منه الكرة فى مراوغة كروية لكن أخى الخبيث ماكان منه إلا أن انقض عليه كالثور الهائج وطرحه أرضا وكاد ينتزع أنفاسه من صدره لولا شباب الحى خلصوه بأعجوبة من بين يديه..
وكعادته فلت من العقاب فالجميع يعرف أنه غير مسؤول عن أفعاله..
 
كم كنت أتمنى أن أصبح مكانه وأفعل ما أريد وقتما أشاء ولا أحد يحاسبنى؟!
كبرنا سويا وقرر والدى أن يزوجه ابنة خالى التى قضيت معها طفولتى وتلاقت قلوبنا فى صبانا..
أبى وأمى كانا يعرفان كم أحبها لكنهما لم يفكرا إلا فى أخى العبيط أو من يدعى العبط والتخلف.. جملة واحدة ظل يرددها جعلتهما يصممان على زواجه من ابنة خالى.. «أنا حب سلوى»
«أنا أجوز سلوى»
 
لم أستطع إلا أن أنفجر.. وتتملكنى حالة من الانهيار وظللت أصرخ بأعلى صوتى وأهدده.. سأقتل من يأخذ منى سلوى..
وتفتق ذهنى عن فكرة جهنمية تجعلنى أتخلص منه إلى الأبد..
 
حاولت أمى تهدئتى وعرضت على أجمل بنات الحى حتى تكون زوجة لى.. لكننى رفضت بشدة فتدخل أبى يعنفنى تارة ويعدنى بأن يفتح لى مشروعى الخاص فى مقابل أن أتنازل عن حلم حياتى وأترك أخى العبيط يتزوج بفتاة أحلامى..
فمن غيرها سترضى بزوج مثله؟
 
فالقرابة هى الشفيع له فى زواج العبيط منها.. فهى التى ستحافظ على ماله وشرفه وتتمتع بكل مميزات الزواج من طرف واحد!!
قبل إتمام جريمتهم فى حقى وقتل حلم حياتى قررت أن أتخلص من الكائن الذى نغص على كل أمل وأمنية حلمت بها..
العلبة الخشبية.. ورشة الميكانيكا.. الإفلات من العقاب.. حب الناس له
استدرجته إلى الصعود إلى سطوح بيتنا فى الدور السادس..
 
أوهمته أننى سأجعله يطير مثل الطيارة الورق.. فهذه إحدى أمنياته التى طالما حدثنى عنها.. جهزت جناحين كبيرين من الكرتون وألصقت كل جناح بكل ذراع على حدا.. هيأته للطيران وطلبت منه أن يغمض عينيه ويتخيل أنه مثل الطيارة الورق الكبيرة يحملها الهواء عاليا..
نبضات قلبى تتسارع فى فزع ووجوم.. لا أصدق أنه سيسمع كلامى..
 
إنه فى قمة خبثه..حتى كلماته التى تخرج من فمه الأبله.. كلمات لاأصدقها فهو يدعونى أن أصحبه فى رحلته.. حتى تكتمل متعته.
اختلقت الأعذار بأننا لانملك سوى جناحين وأنه سيطير أولا وأظل أراه حتى يهبط بعدها سأعيد الكره وأرتدى الجناحين..
فى غفلة منى طار وسقط.. دارت الدنيا ولم أصدق أنه فعل ذلك..
 
أسرعت بالهبوط على درجات السلم كدت أسقط أكثر من مرة
نزلت فلم أجده.. أغشى على من هول الصدمة..فلا مفر من أنه مات
أفقت على أمى وهى تهزنى وتقول لى «أخوك ربنا نجاه.. علشان بتاع ربنا»
عندما سألوا أخى من أعطاك الجناحين لم يتذكر.. لكنه ابتسم
أو ربما كان يعرف لكنه لم يرد أن يفضحنى..
وقتها أدركت كيف يكون العبيط حكيمًا؟!..

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة