أكرم القصاص

يوسف عامر

الأخوة الإنسانية

الأحد، 04 فبراير 2018 10:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

خلق الله تعالى الناس كافة من أصل واحد؛ يقول المولى عز وجل فى الآية 12 من سورة المؤمنون: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ"، وتكفل سبحانه وتعالى برزقهم جميعًا: "وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ" (هود: 6)، ومن ثم فالبشر جميعًا أخوة فى الإنسانية .

والله تعالى دعا الأنبياء والرسل - عليهم السلام ـ إلى الدعوة بل والتمسك بهذا المبدأ الراسخ - الأخوة فى الإنسانية - حتى يرتقى البشرُ وتعمرَ الأرضُ، ولأن الخالق سبحانه وتعالى هو المتحكم فى خلق البشر ـ ذكر أو أنثى ـ والمتكفل برزقهم، لذا لا يوجد أى فرق بين إنسان وآخر إلا بالعمل الأفضل، وهذا المبدأ الإلهى أرسته كل الشرائع التى سبقت الإسلام الذى جاء خاتمًا للأديان السماوية، ولحفظ ما سبقه من أديان، ولإصلاح ما أفسده البشر فى نصوصها وشريعتها؛ فهو بمثابة الحارس لها، والقائم عليها .

ومن هذا المنطلق نجد أن القرآن الكريم مصدقا لما أنُزل قبله من كتب، وشهيدا على أنها حق من عند الله، وأمينًا عليها وحافظًا لها، يقول تعالى : "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" ( المائدة: 48-50) .

والإسلام يحث على الأخوة الإنسانية، ويحرّم التفرقةَ والتمييز بين الناس اعتمادًا على أصول واهية، ويجعل التقوى والعمل الصالح والعمل الأجود والأفضل هو معيار ومحك تعيين الأفضلية بين الناس. يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات:13)، وقال عز وجل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً" (النساء:1)، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: «إن المؤْمِنَ للمؤْمِنِ كالبنيانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضاً» وشَبَّكَ صلى الله عليه وسلم أصابعَهُ» (صحيح البخاري)، وجاء فى الحديث «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىٰ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىٰ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّىٰ»(صحيح البخاري).

وقال النبى صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربى على أعجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، أَبَلَّغْتُ؟ قالوا: بلَّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أى يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، ثم قال: أى شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: ثم قال: أى بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: فإن الله قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم، ـ قال: ولا أدرى قال: أو أعراضكم أم لا ـ كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا، أَبَلَّغْتُ؟ قالوا: بلَّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ليبلغ الشاهد الغائب». (مسند الإمام أحمد) .

ومما سبق يتبين لنا أن الإسلام دين يحث على الأخوة الإنسانية والمساواة بين الناس جميعًا، ولا يفرق بين شخص وآخر إلا بالعمل الأفضل والصالح، كما أنه لا يفرق بين الناس فى عباداته وأخلاقه ولا فى قوانينه؛ فالناس جميعًا يقضون صلاتهم فى صف واحد دون تفرقة بين هذا وذاك إلا بالتقوى .

كما أنهم جميعًا فى ظل القانون الإسلامى سواسية لا فرق بين غنى وفقير، ولا بين قوى وضعيف، ولا بين حاكم ومحكوم. يقول الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ( البقرة:178 ) .

فالأخوة الإنسانية فى الإسلام تقوم على المساواة والاتحاد والتعاون والتسامح والود والتراحم، وانتشرت هذه التعاليم والمبادئ فى كافة أرجاء المعمورة، فتأثرت بها عامة الحضارات والثقافات والأديان .

ولا ريب فى أن الغرب تقدم فى شتى فروع العلم والتقنية، وأفاد البشرية فى مختلف مناحى الحياة، ولكن ثقافته وحضارته فى الوقت ذاته قد أضرت الناس كافة فى أُخوتهم الإنسانية، وذلك لأنها تقوم على المادة والطمع والأنانية، وأولت اهتمامها بالآلة اهتمامًا يفوق اهتمامها بالإنسانية، وعرف الغرب كثيرًا عن العالم الخارجي، ولكن علمه مازال قاصرا عن معرفة الإنسان معرفة حقيقية ؛ فرغم أبحاثه العلمية الكثيرة مازال لا يدرك أن الإنسان هو خليفة الله فى الأرض، ومن ثم سخر الله تعالى له كل شيء حتى يقوم بمسئوليته حسبما أمره الخالق سبحانه .

والإسلام جاء وعرّف بحقيقة الإنسان هذه، وهداه إلى الصراط المستقيم، كما عرّف بأفضلية الإنسان على سائر المخلوقات، يقول الله تعالى: )لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ( (التين:4)، والإسلام أيضًا حثّ على حقوق الإنسان منذ ظهوره، فمن المعروف أنه لم يكن هناك وجود لتصور حقوق الإنسان لدى الغرب قبل القرن السابع عشر الميلادي، فبعد هذا القرن قدم الفلاسفة والمشرعون أفكارًا حول حقوق الإنسان، ولم يظهر صدى عملى لهذه الأفكار إلا فى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، ونجد أمثلة لهذه الأفكار فى الدستور الفرنسى والأمريكي، فى حين أن الإسلام حدد حقوق الإنسان منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.

وفتح المسلمون ما فتحوه من بلاد، وهم يحملون - قولاً وفعلاً- أسس حقوق الإنسان، فتأثر الناس بما فى الإسلام من تعاليم سمحة ومن أخوة إنسانية، وبالتالى دخلوا فى دين الله أفواجًا.

·       نائب رئيس جامعة الأزهر لشئون التعليم والطلاب والمشرف العام على مركز الأزهر العالمى

للرصد والفتوى الإلكترونية والترجمة.





مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة