خالد صلاح

سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 7 ديسمبر 2012.. وفاة عمار الشريعى.. الاستثنائى الذى هزم فقدان البصر بالإبداع فى الموسيقى العربية

الجمعة، 07 ديسمبر 2018 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 7 ديسمبر 2012.. وفاة عمار الشريعى.. الاستثنائى الذى هزم فقدان البصر بالإبداع فى الموسيقى العربية عمار الشريعى
إضافة تعليق
اتصلت بعمار الشريعى أثناء مرضه الأخير للاطمئنان عليه، وبسخريته المعهودة قال: «قلبى زعلان شوية بس زعله تقيل المرة دى.. الأورطى بيهزر.. الشرايين بتهزر.. الدعامات بتهزر.. ومش عارف آخرة هزارهم إيه؟».. انعطفنا فى الكلام إلى الموسيقى والسياسة، وسؤاله، كعادته، عن أحوالى كل حين منذ لقائى الأول به فى منزله عام 1997 لأسجل معه كموسيقى عظيم، وحكاء عظيم، ومثقف عظيم، شهادة لكتابى «أم كلثوم وحكام مصر».
 
كانت مصر وقت اتصالى به تعيش أجواء ثورة 25 يناير 2011، وكان شديد التأييد لها ونزل ميدان التحرير، وتحدث أمام حشوده، فزادت أمراض قلبه، وحين حدثنى بسخرية عن مرضه، بدا لى وكأنه يقف على الحافة بين الموت والحياة، فدعوت له بالشفاء، ولما تلقيت خبر وفاته يوم 7 ديسمبر «مثل هذا اليوم» 2012، أصابنى غم وحزن من فقد هذا «الاستثنائى» فى تاريخ الإبداع العربى الذى رحل وعمره 64 عاما «مواليد 1948»، سمالوط، محافظة المنيا، ودائما ما أعود إلى أوراقى التى أحتفظ فيها بما دار فى لقاءاتنا، ويستوقفنى فيها حديثه عن مرحلة تكوينه، التى حدثنى عنها فى لقائنا الأول بعد تجربة عملية. 
 
كنا فى الساعة الثانية عشرة ظهرا تقريبا، حين هلّ بقامة ممدودة، يرتدى جلبابا بنصف كم، واستأذننى فى انتظاره قليلا ليفرغ مما يفعله، كان مشغولا مع «فنى» لضبط التليفزيون على طبق «دش» موصول بجهاز ريسفير، كان «الفنى» يضبط الطبق، بينما هو يقلب القنوات بـ«الريموت»، وينبه الفنى أولا بأول: «معقول كده.. الصورة فى القناة دى محتاجة ظبط شوية.. ماشى.. تمام.. تمام يا هندسة»، كنت أتابع مندهشا، ولما انتهى مما يقوم به، زادت دهشتى حين قلت له: «فيه قضية دلوقتى شغلانى؟»، فلم يتركنى أستكمل قائلا: «طبعا بيشغلك هو أنا عملت إيه؟ وبتقول لنفسك: «هو أنا شايف حاجة.. هأ، هأ، هأ»، رددت بحرج: «العفو يا أستاذ»، فرد ضاحكا: «فكها»، ضحكنا، تأكدت من روقان مزاجه وأنه يرى كل شىء ببصيرته، كانت شهيته مفتوحة على الحكى. 
 
قال: «تعرف، كنت أتمنى أكون مهندس كهرباء.. وأنا صغير كان أبويا يدخل على يلاقينى ماسك الراديو الكبير وأنا فاكه، حتة، حتة، أول مرة سألنى: «بتعمل إيه يا عمار؟»، قلت: «بدور على شادية».. «كنت مفكر إن شادية اللى بسمعها من الراديو قاعدة فيه»، أبويا ضحك وسألنى: «لقيتها ولا لسه؟».. كنت بفك الراديو وأركبه تانى، ومن ساعتها فكرت فى الهندسة»، أصبحت أمارس هذه الهواية وأنا طفل، القصة لم تعد بحثى عن شادية.. الحكاية عندى، إن مفيش فرق بينى وبين المفتحين، يعنى إيه واحد منهم يكون مهندس كهرباء، وأنا لأ؟ تقدر تقول إنها بذرة التحدى التى ولدت بداخلى منذ أن وضعت يدى على حقيقة حالتى».
يواصل: «مرة وأنا طفل كنت على شاطئ البحر فى الإسكندرية، الأطفال بتجرى وبتلعب على الرمل وأنا قاعد وحدى، لا لعب ولاجرى».سمعت سيدة: «يا عينى عليك، يا قلب أمك».. كلامها رن فى ودنى، نزل زى الزلزال، اشمعنى أنا، هى ليه العيال دى كلها عمالة تجرى وتروح، بكيت، قلت لنفسى: «خلاص هى حياتك كلها هتبقى كده، كل ما يشوفك حد هيولول زى الست دى».. هنا جاء دور الوالد، خدنى فى حضنه.. طبطب على، وقال لى: «طيب ما تثبت للست دى، وغيرها إنك أحسن من المفتحين، كده هتخليهم يجروا وراك.. الإنسان بشخصيته وإنجازه».. تقدر تقول: «إن قصتى بدأت من هنا».
 
«كل إخواتى ذهبوا إلى المدارس العادية، وذهبت أنا إلى مدرسة المكفوفين، كانت الوحيدة فى القطر، وتابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، وحين يأتى اسم هذه الوزارة لازم تعرف أنها كانت على فيض الكريم، وفور أن تعلم أنها للمكفوفين تتأكد أنها ليست لأبناء الفقراء، إنما للأشد فقرًا، لأن الفقر والجهل سببان مؤكدان للعمى.. كل زملائى فى المدرسة كانوا تحت مستوى الصفر، ومنهم الآتى من قاع المجتمع، لكن الفوارق تذوب أمام الظرف المشترك، وأمام الحياة المتواصلة، فكل التجارب الإنسانية ليس أمامك مفر إلا أن تعيشها مع هؤلاء باهتماماتهم، وبالتدريج تكون جزءًا منهم، وهم جزء منك.. أتكلم مثلا مع أصدقائى عن حصانى اللى أبويا أعطاه لى هدية، وأوقعنى وأنا أركبه فى الأجازة اللى فاتت، الكلام ده بيكون بعد كل واحد منا رجع من أجازته وبيحكى اللى حصل له، كنت أقول هذه القصة أو غيرها بحماس ويستمعها زملائى بنفس الحماس والروح حين يتحدث صديق آخر عن شقيق له مرض ولم يجد أهله فلوس لعلاجه فى مستشفى».
يستخلص «عمار» بتأثر: «كنا أمام العمى سواء، أنا أحكى عن حصانى اللى أهداه لى أبى وركبته، وشوف بقى يعنى إيه واحد أبوه بيهدى له حصان، فى مقابل صديق يحكى عن محنة شقيقه المريض وأسرته التى لم تجد ثمن علاجه وإلحاقه بالمستشفى.. القصتان عن الفقر والغنى، واليسر والعسر، لكنهما عندنا نحن المكفوفين، كانت تعنى شيئًا واحدًا هو، أن اهتماماتنا مشتركة، والمتناقضات الاجتماعية بيننا لا تعطلها.. وكل واحد فينا أصبح جزءًا من قصص زملائه، أصبح جزءًا من عالمه، جزءًا من خياله، صديقى الذى يسمعنى وأنا أحكى قصة حصانى لا يسمع فقط، إنما هو نفسه يعيش حكاية إن عنده حصان وحدث له نفس ما حدث معى».
وغدا نواصل

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة