خالد صلاح
}

سليمان شفيق

نحو العودة لخطوط 3 يوليو

الثلاثاء، 08 أغسطس 2017 03:00 م

إضافة تعليق
الحقيقة أن الأجيال الجديدة لا تعرف أن الجيش هو جيش الشعب منذ تأسيسه، وكانت رؤية محمد على أن أولاد البلد سيحافظون على مصر أكثر من غيرهم، وهكذا كان الجيش أول بزوغ للمواطنة، فى الوقت الذى كان آباء المجتمع المدنى فى الغرب، بعد الثورة الفرنسية، يفصلون بين ما هو مدنى وما هو عسكرى. كان جيش محمد على يكون الجيش وبمساندته يعيد تكوين الدولة، كأول جيش نظامى فى مصر الحديثة.
 
 ومن أجل الجيش أنشأ محمد  على الترسانة البحرية بالقاهرة والإسكندرية، وألغيت الجزية عن الأقباط «1856»، ومنذ ذلك التاريخ أسهم الجيش المصرى فى بناء الدولة، ولم تكن وظيفته حماية حدود الوطن فقط مثل بقية جيوش العالم، بل كان له الفضل فى تحديث الدولة وانتقالها من العصور الوسطى إلى الحداثة. 
 
 منذ أول مجلس شورى نواب «1866»، وحتى آخر مجلس نواب كان العسكريون لهم نوابهم، مما يعنى أنهم جزء من الحياة النيابية فى مصر، وشهدت لجان الدساتير المصرية المختلفة ممثلين للقوات المسلحة، لهذا كله مصر دولة مدنية تختلف عن كل دول العالم فى كون المؤسسات الدينية والقوات المسلحة، لهما طبيعة وطنية وأدوار تأسيسية فى بناء الدولة الحديثة، لكن المعضلة الرئيسية هى غياب الوعى بهذه الأدوار فى المناهج الدراسية فى كل المراحل، ومن ثم فإن تلك الحقائق لابد أن تدرس أيضًا فى البرنامج الرئاسى للشباب.
 
بدأت علاقة المسيحيين بالجيش بعد أن أعفى محمد على من الجزية كل من عمل فى الترسانة البحرية، وفى 1854 أسقط الخديو سعيد الجزية عن المسيحيين، وفى عام 1856 صدر الأمر العالى ينص على أن أبناء المسيحيين سوف يدعون إلى حمل السلاح أسوة بالمسلمين، وبذلك عرف المسيحيون المواطنة من بوابة الجيش.
 
ومن بناء الدولة الحديثة بسواعد الجيش، واستحقاق المواطنين المصريين المسيحيين للمواطنة عن طريق خدمة الجيش، إلى البدايات الجنينية لتشكل وعى الأمة «مصر للمصريين»، وذلك بعد أن وقف عرابى وقفته الشهيرة فى وجة الخديو توفيق، وكان الجيش المصرى حينذاك مصدر إلهام للمصريين ومصدر قلق للقوى الأوروبية الحديثة، التى تكالبت من قبل لتحطيم الأسطول فى معركة «نفارين» كان تحالف عرابى العسكرى ابن الطبقة الوسطى، وأحمد عبيد ابن الطبقات الوسطى الدنيا، والبارودى ابن الأرستقراطية، ومعهم الفقير النديم، بل لقد وقف بجوار عرابى البابا كيرلس الخامس، وتربص له الإنجليز ونفوه إلى دير البراموس، بعد أن تقدم بشكوى ضده بطرس غالى الكبير، وكيل المجلس الملى وصديق المحتلين 1890، وهكذا كان عرابى والنديم أقرب للبابا كيرلس من بطرس غالى!!
 
فى الثورة العرابية وقف الجيش المصرى، الذى يضم مسلمين وأقباطًا يساند عرابى الذى حاول إبعاد النفوذ الأجنبى ومقاومة طغيان الخديو توفيق، وإذ أصدر الخديو أمرًا بعزله، طلب عرابى من يعقوب سامى باشا أن يدعو إلى عقد الجمعية العمومية، فاجتمعت فى وزارة الداخلية يوم السبت 22 يوليو 1882 حضر الاجتماع نحو خمسمائة من كبار المصريين، فى مقدمتهم شيخ الأزهر، والبابا كيرلس الخامس، لتؤيد عرابى.. وعلى المستوى الشعبى قدم الأقباط مع المسلمين المؤونة للجيش، وانهالت التبرعات لمساندته ليقف أمام الزحف الإنجليزى، ورغم الوطنية المفرطة للقبط والبابا فى تأييد عرابى فإن ذلك لم يشفع لهم ونالهم العقاب الجماعى وخرج عليهم المسلمون المتطرفون بالسلاح فى الإسكندرية لكونهم فقط مسيحيين، وقتلوا منهم المئات، فى عقاب جماعى على وقفتهم مع من رأوه «الخائن» عرابى من جهة، وأنهم على دين المحتل الإنجليزى من جهة أخرى.
 
ومن عرابى إلى السيسى مرورا بموقف المسيحيين المؤيد لناصر، وبالطبع لم يكن كل من خرجوا فى 30 يونيو 2013 لإنهاء حكم الإخوان فى مصر جميعهم من المسيحيين، المصريون من كل الفئات، ولبى الأقباط نداء الوطن وكانوا على أهبة الاستعداد حين دعا السيسى جموع المصريين للنزول لتفويضه لمحاربة الإرهاب، وامتلأت الميادين بالمصريين وبينهم الأقباط، وكالعادة عاقب الإخوان الأقباط على تأييدهم لعرابى الجديد «السيسى»، وحُرقت كنائسهم وسالت دماؤهم، ونهبت ممتلكاتهم، وكما وقف كيرلس الخامس مع عرابى، وكيرلس السادس مع ناصر، وقف تواضروس الثانى مع السيسى، وقال قولته المشهورة: «حرق الكنائس جزء من ثمن نقدمه لبلادنا».
 
رغم أن المواطنين الأقباط قد خرجوا بالكنيسة للوطن بعد 25 يناير 2011، وانضموا للحركات والأحزاب السياسية، بحيث كان وجودهم فى قيادة حزب المصريين الأحرار وقيادة الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى أكثر من 25%، فإن معظم تلك القيادات عادت من جديد إلى محاولة خلق كيانات مستقلة كجماعات ضغط على أساس دينى، ومن جهة أخرى تراجع البعض عن رفض كون الأقباط «أقلية»، وعقدوا مؤتمرا فى أحد الفنادق يطالبون بـ«الكوتة» وبالطبع أقدرهم وأقدر مطلبهم حتى وإن اختلفت معه، كل ذلك الارتباك فى النخب القبطية، وتراجع السياسى على حساب الدينى يعود إلى الضغوط التى يمارسها عليهم المتطرفون خاصة فى الصعيد حول رفض بناء الكنائس أو إقامة شعائرهم مثلما يحدث فى بعض قرى المنيا مثل اللوفى وغيرها، والشعور  بأن ممثلى الدولة والشرطة فى المواقع المحلية لا تطبق القانون على قدم المساواة، وسط اتهامات بالتواطؤ لبعض صغار  الضباط فى اخفاء القاصرات اللاتى يختفين مع بعض الشباب المسلم،كل تلك الثغرات يتم توسيعها، مما يؤدى إلى الشعور بـ«الاضطهاد»، خاصة أن تراثا طويلا من التضحيات للمواطنين المصريين الأقباط دون شعور  إيجابى بأى استحقاقات، بالطبع الجميع يدفع ثمنا غاليا فى مواجهة الإرهاب، خاصة القوات المسلحة والشرطة، ولكن الأقباط يدفعون الثمن مرتين: مرة بصفتهم مواطنين مصريين وأخرى بصفتهم مسيحيين.
 
كل ذلك يحتاج إلى إعادة مكونات حلف 30 يونيو للحياة بعيدا عن صخب المطبلاتية، وعدوانية الكتائب الإلكترونية والعودة إلى القوى الحية، التى تستطيع العودة إلى خطوط 3 يوليو.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة