خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

محمد حبوشه

رشيد عساف.. كوميديان يعزف على أوتار السياسة

الجمعة، 07 يوليه 2017 02:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
لا تختلف الشخصية المضحكة "الكوميدية" عن الشخصيات الدرامية الأخرى، من حيث أبعادها وصفاتها إلا بشكل نسبى، إذ إن لها بعداً عضوياً وجسمانياً معيناً، وقد يكون فيه تشويه يثير الضحك - بحسب جروتسكى – وكذلك ولا يختلف ممثل الأدوار المضحكة "الكوميدية" عن ممثل الأدوار الأخرى، سواء فى المسرح أم فى السينما أم فى التليفزيون، سوى ما تتطلبه الشخصية الكوميدية من متغيرات فى التعبير الجسمانى والصوتى، وهنا تؤدّى المبالغة والاصطناع والتشويهات دورها أحياناً فى أداء الممثل الكوميدى بقصد إثارة الضحك، ومثلما يمتلك الممثل الكوميدى مرونة جسمانية وصوتية كافيه لتنفيذ المتغيرات المذكورة أعلاه، فلابد للممثل التراجيدى أو الدرامى أن يمتلك مثل هذه المرونة أيضاً، وقد يتطلب من الممثل الكوميدى أن يكون أكثر مرونة، لأن المتغيرات التى عليه أن يمر بها خلال مواقف متغيرة كثيرة وسريعة.
 
تلك الصفات وغيرها تنطبق تماماً على الفنان الكبير "رشيد عساف" فى تجلياته المبدعة ككوميديان يعزف على أوتار السياسة، من خلال تجسيده لدوره الجديد "جهاد أبو همّة" بمسلسل "أزمة عائلية"، تلك الشخصية المعبرة عن المثقف السورى، صاحب المبدأ، الذى تتمرغ مبادئه بالوحل، وسط تغير المفاهيم وصعوبات الحياة الطارئة، وهو فى نفس الوقت الأب الذى يواجه مع عائلته انعكاسات الأزمة السورية، وعلى الرغم مما أخذ من جانب بعض النقاد على هذا المسلسل من تأليف "شادى كيوان"، وإخراج المبدع الكبير "هشام شربتجى" الذى يعتبر مؤسس الأعمال الكوميدية السورية، فى وقت اتهمه البعض بالسذاجة فى طرح الأفكار المأساوية، والوقوف عند حد يفصله عن المجابهة العميقة لأزمة ملتهبة بالأساس، إلا أنه لا يجوز تحميل العمل أكثر مما يحتمل، لأنه عبارة عن "سيت كوم" خفيف تبدو غايته الأساسية هى تسلية المشاهد، ومحاولة اقتناص ضحكته أوّلا، ثم تحميل المادة الدرامية مضامين ذات أهمية وعمق، وربما يهدف أصلا إلى توجيه رسائل رمزية فى اتجاهات متعددة، لأن هذه النوعية من الأعمال تعتمد أساساً على حبكة النص وذكائه، ثم على طاقة الممثلين وضبطهم لشغلهم من دون الوقوع فى مطب الافتعال أو التهريج أو المبالغات المجانية التى تفسد العمل جوهره. 
 
صحيح أنّ المعادلة فى "أزمة عائلية" قد تبدو ناقصة لأول وهلة، إضافة إلى طرح أفكار مباشرة، لكنها لا تخلو من التوهّج وقطف ثمار النجاح على مستوى الأداء الجيد التى قدّمها فريق الممثلين على رأسهم الكوميديان الكبير "رشيد عساف" فى خامس تجربة له بعد أن غيّب موهبته الكوميدية لربع قرن لمصلحة أدوار الفارس والبطل الأسطوري، وذلك منذ إطلالته التى تميل إلى الكوميديا فى فيلم "الحدود 1984" مع عمر حجو ودريد لحّام، و"مرايا 1984" ثم "دكان الدنيا 1988،، ثم غاب كليّاً عن هذا الميدان، رغم براعته فيه إلى حين إطلالته فى "الخربة2011"، لكنه يعود هذه المرّة لامعاً بدور مغاير تماما، يوحى بأنه ما زال يحتفظ بذاكرة كوميدية نظيفة، بحيث يقوى على أن يكون الحامل الأساسى للخطاب الدرامى الكوميدى فى طبعة جديدة ومختلفة.
 
 ورغم مشاركته لزوجته "رندة" التى تجسد دورها "رنا شميس" مكونة عامل ضغط عليه بالطرف المقابل جراء الأعباء العائلية، يبقى "عساف" هو المحور الأساسى الذى يقود دفة الأحداث نحو شيىء جديد من حلقة إلى أخرى، ليلامس جانبا من جوانب معاناة الشعب السوري، ابتداء من الخطوط العريضة مثل "التهجير والإيجارات وانقطاع الكهرباء إلى غلاء الأسعار"، ذاهبا إلى تفاصيل أكثر إثارة جريا وراء تجار الأزمة الذين استغلوا حاجة المواطنين لتحقيق مصالحهم الخاصة، وكسب المال الوفير على حساب الطبقة المتوسطة، بأساليب شيطانية ملتوية، إلى حضور المعارضة الوطنية المزعومة، إلى تأثر العملية التربوية، لكن يبقى الأهم فى كل ذلك هو إظهار قدرة هذا الشعب السورى العظيم على التكيف مع الواقع، وبحثه الدؤوب عن حلول للخروج من المأزق الذى خلفته الأزمة، ليصفه "رشيد عساف" مع جاره "أبو سالي" الذى يساعده فى إيجاد الحلول لانقطاع الكهرباء فى أحد المشاهد "بالشعب المبدع"، وهو ما يعكس قناعته الشخصية بأن الفنان يسعى دائماً نحو الخير، وهو يجسد تلك الحالة على الشاشة درامياً، فهو يلخص الحياة ليقدم الخير للناس، وتكمن وظيفته الأساسية فى جعل الحياة أكثر جمالاً.
 
وبعيداً عن ردود الفعل المتباينة تجاه العمل، فإن ما قدمه "رشيد عساف" يجعلنا نتأمل مليا قدرته على توصيف الحدث عبر لغته الخاصة المنعكسة على ملامحه الحادة فى نعومة مصطنعة، ونبرة صوته القادم من قرار عميق، وحركات جسده بشكل هيستيرى أحيانا، وارتفاع وتيرة انفعالاته إثر مواقف بسيطة، واستخدام أدواته وتوظيفها بلغة تعبر جيدا عن امتلاك مفاتيح الشخصية القادرة على التحكم بالحدث والتفاعل معه، معتمدا فى ذلك على نقش ذاته فى لغته؛ ونقش لغته فى ذاته، ويبدو كل ذلك مقرونا بالأداء التحوّلى الذى يقوم الممثل من خلاله بالتقافز من أسلوب إلى أسلوب آخر، ومن دور إلى دور آخر - أنظر إليه جيدا فى "طوق البنات" و"أزمة عائلية" هذا الموسم - وهو الأمر اللافت فى أداء "عساف" فى تجسيده لشخصية "جهاد أبو همّة" من كل جوانبها فى وقت واحد، فتراه تارة غاضبا متوعدا فى نفس الوقت الذى يبدو فيه حنونا متفهما، وتارة أخرى يبدو هادئا متعاونا متفاجئا بوقع الحدث، وفى كثير من الأحيان يكون حزينا خائفا، ليعيش عن كثب يوميات ذلك المواطن السورى الشريف المتمسك بهويته وعروبته وقيمه، المؤمن بها وفق تتابع مواقف مضحكة يتعرض لها، وهو هنا يحاول أن يتخطاها بطاقته الإيجابية وتكيفه مع الواقع الذى فرضته الأزمة، ايتمكن "عساف" فى النهاية من التعامل بذكاء واضح لشدّ انتباه المشاهد، وإشراكه فى التفكير بخلفيات الحدث الذى ينعكس على يوميات المواطن السورى بأحداثها التى هيمنت على السياق الدرامى للعمل المنتمى إلى نوع "السيت كوم" فى "أزمة عائلية"، والذى تدور أحداثه فى المنزل وحديقته الصغيرة، وربما هذا قد شكل مدخلاً للبعض للانتقادات اللاذعة وإثارة التهكم على "أزمة عائلية" بذريعة إنه كوميديا مسيسة قدمها شربتجى بروح اجتماعية كوميدية حملت خطاباً مباشراً، لكن السؤال المهم يبرز الآن: أليست الكوميديا الهادفة مبنية على رؤية سياسية واجتماعية ناقدة تشكل موقفا من الظاهرة التى تتناولها، فما المستغرب إذن من الأجواء التى تسود "أزمة عائلية" كمسلسل كوميدى بطابع سياسي؟.
 
تجدر الإشارة هنا إلى أن "رشيد عساف" هو واحد من أهم الممثلين على الساحة الفنية السورية والعربية، ما جعل له مكانة كبيرة عند جمهوره فى السينما والمسرح والتليفزيون، وبرع فى مسلسلات الفانتازيا مثل "الفوارس والكواسر والبواسل"، ناهيك عن أعمال أكثر أهمية مثل "قمر بنى هاشم - راس غليص - أبناء الرشيد - صراع الأشاوس - آخر الفرسان - البحث عن صلاح الدين - حارة الملح - العبابيد - عودة الزئبق - وادى الجرف - التحقيق - رجال العز – الحسن والحسين - زمن البرغوت - طوق البنات - عطر الشام " وكلها أعمال تضعه فى مصاف النجوم الكبار، حيث كان يعتمد دوما على التكنيك الخارجى كما عند "بريخت"، والذى يعنى أن الممثل يجب ألا يؤدى دوره كما لو كان يجسد الشخصية التى يمثلها, بل بوصفه راوية يسرد أفعالا قام بها شخص آخر فى زمن سابق، تماما كما فعل "عساف" بشخصية "صقر" فى مسلسل الفوارس 1999- على ما يحضرنى الآن من مشاهد عصيبة فى هذا المسلسل - هو أراد أن يؤدى دور إنسان يتألم, يفعل ذلك بمعزل عن تقمص للشخصية و"كأنه يقول للمشاهد : "انظر! هذا الشخص الذى أؤدى دوره يتألم، ولكن مهلا! حذار أن تندفع فتتوحد به وتتألم معه لأن ذلك لا قيمه له، المهم هو أن نعرف, أنا وأنت, مالذى يجعله يتألم, ثم نفكر معا, ونتدبر, ونعمل ملكاتنا الناقدة, فاذا ما اقتنعنا بآلامه, ذهبنا نبحث عن مسبباتها فى وجوده الاجتماعى، حتى نعمل على إزالتها، ومع كل ذلك فقد حقق أكبر معدل من الاندماج الانفعالى بالشخصية التى يتقمصها، متحررا من الرخامة فى الإلقاء - التى عادة ما تشغل المشاهد عن استيعاب معنى الكلمات - بل إنه كان يضفى على صوته وفرة من الزخرفة الصوتية التى تضفى نوعا من المصداقية فى التعبير عن آلامه وأحزانه بعد فك قيده واستعادة ذاكرته وإطلاق حريته فى نهاية الحلقات.
 
الحديث عن "رشيد عساف" ابن حوران يطول، خاصة إذا كنت فى حضرة واحد ممن شهدوا العهد الذهبى لصناعة الدراما السوريّة، وأدّى بطولة أعمال كثيرة، برز فى مختلف الألوان الدرامية التى قدم شخصياته من خلالها، إن كان عبر "الدراما التاريخية، والفنتازيا، والمعاصرة، و الكوميديا، أو البيئة الشامية"، التى يحرص دائماً أن تكون إطلالته مدروسة ليقدم من خلالها المختلف دائماً، كما فعل فى آخر أعماله "أزمة عائلية"و"طوق البنات" فى موسم رمضان 2017، خاصة إن أخذنا بعين الاعتبار، أن الغاية من الكوميديا هى إحضار دقائق من السلوى للسفر قليلا بعيدا عن الأحزان التى طالت البلاد، وكثافة العدوان على الأرض والعباد الأخوة منهم والأضداد.. فتحية تقدير واحترام لفنه الرفيع.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة