خالد صلاح

محمد حبوشه

"نسرين طافش".. تثبت جدارتها البدوية فى "العقاب والعفرا"

الجمعة، 30 يونيو 2017 11:00 ص

إضافة تعليق
ما أجمل البداوة، وما أروع القديم، وما أجمل ذكريات البدو وأحوال عيشهم، والقدماء وآثارهم، هى أشياء جميلة نتذكرها إذاً من حين إلى آخر، وفى مجالسنا نتحدث عنها بحب وعفوية شديدة، ويخوض فيها الآباء والأجداد الذين مازالوا يذكروننا بالماضى العريق.
 
وبشغف كبير يُقبل كبار السن على وجه الخصوص على مشاهدة المسلسلات البدوية الشيقة، التى تعود بالمشاهد إلى أيامه الجميلة، ولقد حققت هذه الأعمال الفنية الرائعة نجاحا منقطع النظير خلال الفترة الماضية ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر؛ مسلسلات "نمر بن عدوان"، الشخصية البدوية ذائعة الصيت، وضحا وابن عجلان، راس غليص، أبواب الغيم، فنجان الدم، عطر النار، صراع على الرمال" وغيرها من أعمال تعتمد على حبكة درامية مفهومة لا تعقيد فيها، يتخلل أحداثها الثأر والغيرة، وحضور الضيف، والقهوة والربابة، وعواء ذئاب الليل، ورجال حكماء، وشباب "بلاطيش"، وغياب الأطفال، وعادة ما يجد الجمهور فى هذه القصة البدوية القديمة عودة للشجن والحب، ووفاء العشاق الحقيقي، ومنها مسلسل "العقاب والعفرا" والذى نحن بصدده، والذى تميز بالغناء العذب الشجى الذى يخاطب الرواح الملهمة، التواقة للحب والعشق وسط أجواء من الغدر والثأر والخيانة.
 
شأنى شأن غالبية مواطنى الأردن والخليج ومصر أيضا، رأيت فى هذا المسلسل راحة وانسجاماً ومتنفساً، بعد يوم مليء بالتعب والهموم والمشاكل وضجيج المسلسلات الرمضانية الغارقة فى الأكشن والاجتماعى والكوميدي، ومن ثم كنت أتابعه كلما كان ذلك ممكناً، فالمسلسل البدوى عموما مريح على الغالب لعدة مزايا تتوفر فيه، منها مدى القرب الاجتماعي، والفهم والإدراك لمضامينه، وسهولة النصائح التى يحويها فى جو من الشعر العربى الأصيل والمرتبط بجذور البادية، تماما كما بدا لى "العقاب والعفرا" كأول عمل تلفزيونى بدوى تخرجه امرأة، هى المخرجة الأردنية "رولا الحجة" والتى قالت فى تصريحات صحفية "تجمع قصة مسلسل "العقاب والعفرا" الثقافة البدوية الأصيلة، وثقافة الغجر، وثقافة الحكماء والطب".
 
إذاً نحن أمام مسلسل يتسم بجو شديد الثراء على مستوى الثقافة و الصراع بين الحب والثأر، وذلك من خلال حكاية حب رائعة ذات نهاية منطقية بالرغم من أنها ليست النهاية السعيدة الكاملة، مابين "العقاب" وهو من الطيور الجارحة، فإن للعقبان مناقير معقوفة ضخمة تستخدمها لتمزيق اللحم عن فريستها و"العفرا" التى تعنى الأرض البيضاء التى لم تطأها قدم، فالحب الذى يجمع بينهما أقوى من الثأر، حتى وإن لم يحقق هدفه طالما أن العاشقين يعيشا فى سعادة، لأن الحب يجعلنا نعيش فى سلام، ونحن بحاجة للحب والسلام فى حياتنا، فشخصية البطلة "عفرا" التى جسدتها ببراعتها المعهودة الفنانة العربية "نسرين طافش" تتمتع بالذكاء والأنوثة والكيد النسائى والفروسية، وتعيش قصة حب ملحمية مأخوذة عن قصة واقعية، وصراعاً بين القلب والعقل فى حكاية تشبه زرع الورود فى تربة الصبّار، بعدما تتسلّم مقاليد المشيخة إثر مقتل والدها، ويشاركها فى البطولة السعودى الرائع "عبد المحسن النمر" حيث يؤديان شخصيتى عاشقين يتقاتلان ويتحابان، ويحيكان الدسائس لبعضهما فى الوقت عينه، إلى أن تحين لحظة الثأر ومعرفة من يصدر الحكم، القلب أم العقل؟.
 
يتطرق المسلسل من جهة أخرى، إلى مجتمع الغجر وتنقّلهم بين القبائل والمضارب، فى خطوط تتداخل بمحاذاة مجتمع البداوة، ومن شأنها توضيح الفارق بينهما والالتباس الحاصل أحياناً من ناحية الهوية والعادات والتقاليد، وتدور مجريات هذا الخط فى شكل أساسى حول هروب الراقصة الغجرية غِوى "لونا بشارة" وتنقلها من ديرة إلى ديرة، بعدما اتهمت بجريمة قتل لتمتزج حكايتها مع خط العقاب والعفرا، ويلفت ذلك إلى أن "غوى" تعد محركاً للأحداث لكل من تلتقى به أو تحط بأرضه، إلى جانب وجود سرّ خلف هويتها الحقيقية، ولكن حين يجتاح الحب قلب "عقاب والعفرا" يعلن الثأر بأنه قدرهما المحتوم، لتبدأ رحلة الفراق المكللة برائحة الدم والهوى، ففى زمن الحل والترحال تتشقق قلوب حكمتها غفلة الحياة، حيث لم تعد تملك "عفرا" خياراً سوى الأخذ بالثأر من الحبيب و يبقى القلب هو الغريم، وذلك حين خرجت الحكاية من عمق البرية ليلتقى (عقاب والعفراء) وهى تلوح بسيفها تحت اللثام كاشفة عن عمق الجرح، لكن الكحل فى عينها لم يسعه إلا أن يعلن عن أنوثتها الطاغية، وكذلك ثوبها المقصب الفضفاض لم يمنعها من احتواء قلب فارس شجاع تشهد له البرية، واستحل الحب قلبيهما ودون أن يعرف إى منهما هوية الآخر وكم تمنى العقاب أن يدرى من إى غدير ترتوى العفرا كى يصل إليه.
 
فى الأدب عموماً، والدراما على وجه الخصوص، عليك أن (تكذب بصدق)، أى أن تكون مقنعاً دائماً، فأهم شيء فى السينما والرواية والمسرحية والقصة والمسلسل هو عنصر الإقناع، إذ إنه العمود الفقرى للعمل الفني، وعلينا نحن كمشاهدين ألا نشك للحظة واحدة، أننا أمام حالة تمثيل وممثلين، وإلا انقطع بنا خيط المتعة، فالدراما الحقيقة لانستطيع أن نقرقها عن الحقيقة، بكل تجلياتها وبساطتها وعدم افتعالها فى غالب الأحيان، فإذا ما تسلل إليك شعور بأن ما تشاهده تمثيل سيفقد الفن معناه وفحواه ورسالته السامية، ولذا جاء أداء "نسرين طافش" فى شخصية "العفرا" هذه المرة مختلف تماما عن دورها فى شخصية "ضحى" فى مسلسل "الطواريد" العام الماضي، لتثبت جديتها واجتهادها فى أداء اللون البدوى بعفوية وتلقائية تؤكد جداراتها كممثلة تعى جيدا كيف تتفاعل مع بيئة العمل، حيث امتلكت المهارات التمثيلية الكافية لذلك، إضافة إلى إتقانها اللكنة الصحيحة الخاصة بعالم البدو، وكيفيّة التعاطى مع الممثّلين الزملاء لها، ولم تبالغ كثيراً فى "اللوك" الذى اعتمدته، والمكياج الذى وضعته على وجهها اعتقادا منها أنها بهذه الطريقة وحدها بإمكانها أن تغدو بدويّة عن حق وحقيقة، وذلك طبقا لما يحدده "ستانسلافسكي": يجب أن يكون الممثل مقنعا مقبولا متلائما مع نفسه ومع دوره بشكل كامل، و بمنطق لا يقبل الشك، يحتم عليه أن يعيش الواقع لا أن يمثله، هذه الحتمية تلزمه أن يكون حيا، حيويا، يتنفس الحياة بصدق ويضفى حضورا حيا على الدور الذى يؤديه، وهو ما وعته "نسرين" تماما على المستوى الجسدى والحركي، فالثقل الجمالى للممثل وتركيزه الجسمانى يؤثران على استيعابنا لحضوره، وهكذا فإننا لا نرى فقط ملامحه الخاصة، لكننا نتفهم أيضاً إيقاع حياته وحركته الجسدية الفريدة كردة فعل على الأشخاص الأحياء من حوله أى طريقته فى الوجود وفق وصف "إنجمار برجمان".
 
وطالما نحن فى معرض الأداء العذب لابد لى أن أتوقف قليلا عند المشهد الذى أبدع فيه كثيرا "عبد المحسن النمر" بومضة برق فى عينى "عقاب" حين يرى "العفرا" وهى تقاتل بين الرجال دفاعا عن ديرتها، وحينها يكتشف العقاب هوية حبيبته، وليكتشف أيضا من أى غدير ترتوي، ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن ضرج العقاب ذلك الغدير برائحة الموت وسالت به الدماء التى تتطلب الثأر بعد، وتتواصل بعد ذلك الدسائس وحكايات الثأر والموت التى تمتزج برائحة الدم، رغم الحب والعشق النابض فى قلبيهما، حيث تتكشف الخيوط ، وتتوالى الأحداث فى حبكة الرواية التى كتبتها "نورا الدعجة" بحرفية تشير إلى نضجها فى هذا اللون البدوي، الذى أبدع فيه الثنائى "نسرين والنمر" إلى حد التناغم ، عبر مشاهد جمعت بينهما فى مغالبة الحب للثأر، داخل بيوت الشعر وخارجها فى البرارى والوديان، لكنهما ظهرا غاية فى الانسجام والذوبان كعاشقين يحملان مشاعر مختلفة بين الحب والفراق والألم.
 
وعلى درب الأداء السلس، أكدت "علا ياسين" فى تجربتها الأولى بدور"فجر" أنها تمتلك نزعة فطرية تشير إلى أنها على طريق فن التمثيل الحقيقي، ذلك الذى يحتاج فى الأساس إلى الموهبة الفنية، بمعنى أنه ليس بوسع أى إنسان أن يكون ممثلاً بارعاً، إلا إذا كانت لديه قدرات فطرية، ويحتاج بعدها إلى تدريب لياقته فى الحركة والإلقاء، ومن ثم فإننى ألفت نظرها إلى أن تجربتها تلك تحتاج إلى مزيد من التدرب على الإلقاء والغناء والاسترخاء، حتى يمكنها تحسين قدراتها الصوتية ومرونة جسدها بشكل أفضل، أما "جوليت عواد" فقد بدت مخضرمة كعادتها فى الأداء الصعب فى دور "السديرة" والذى لعبته بحرفية عالية، ومعها "لونا بشارة" فى دور "غوى" بألعاب فطرية أنثوية تضعها فى مصاف النجوم القادمين بقوة، وكذا "محمد الضمور" فى دور "الحكيم حسن"، و"داود جلاجل" فى دور "هزاع"، وعلاء الجمل بدور "فهد"، و"عبد الكريم الجراح" بدور"رداد"، و"وسام البريحي" بدور"نواف"، و"غادة عباسي" بدور "غزالة"، و"علا مضاعين" بدور "مزنة"، و"حسن خمايسة" بدور "سالم"، و"منذر خليل مصطفي" بدور "رشود"، و"زيد مصطفى" بدور "شلاش" والذى قدمه بطريقة كوميديا تؤكد موهبته فى أداء هذا اللون، بالضغط على حروف بعينها، ومخارج ألفاظه التى تنم عن خبرة كبيرة بأهل البادية.
 
المسلسل غنى جدا على مستوى الأغنيات المصاحبة للمواقف الدرامية فى تلازم يمنح المصداقية فى الأداء، ويقوى الحالة المزاجية لمشاهد يتطلع دوما للخلاص من أجوار الثأر والخداع بأصوات "متعب السقار، وغادة عباسي، وبشار السرحان"، ومن كلمات الشاعر "أحمد الفاعوري"، كما يكتب لمكياج "روزنا شدقان" التميز فى التأكيد على الهوية البدوية برونقها وبريقها الخاطف للقلوب، وكذلك الديكور والتصوير فى أجواء الصحراء الأردنية التى تتمتع بجو من البهجة والفطرية التى ساهمت إلى حد كبير فى إضافة المتعة لجمهور يتعطش دوما إلى هذا اللون البدوى فى فتنة مذهلة من إنتاج عصام حجاوي.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة