خالد صلاح
}

سليمان شفيق

صالون «القوصية» الثقافى نموذج نفتقده فى زمن التطرف

الإثنين، 03 أبريل 2017 10:00 م

إضافة تعليق
بدعوة كريمة من الأستاذة هند جوزيف، وزوجها الأستاذ روميل صداق، أدرت ندوة عن سيناء ومكافحة الإرهاب، تحدث فيها الخبير الأمنى العميد خالد عكاشة. حضر الصالون نخبة من مختلف الأعمار والأجيال، فى تنوع ما بين مثقفين ورجال أعمال وموظفين ومزارعين ومهنيين، سياسيين وصحفيين، شيوخ وقساوسة، مسيحيين ومسلمين، شباب وشابات. اتسع ديوان الخواجة «جوزيف» بما ضاق به صدر الوطن، ووسط فيض الحفاوة والاستنارة، اختلف الحضور فى مودة وتسامح، فى آداب للحوار يفتقدها أهل العاصمة، الأمر الذى جعلنى أستمتع بالحوار الذى أكد عراقة القوصية كمدينة كانت عاصمة الإقليم 14 من أقاليم مصر الوسطى. هؤلاء المجتمعون أجدادهم أوقفوا زحف الهكسوس على الصعيد، واستقبلوا العائلة المقدسة حينما لاذت بمصر حوالى 185 يومًا فى منطقة أنشئ فيها الدير المحرق فى القرن الرابع الميلادى بسفح الجبل الغربى، وسمى بالمحرق بسبب حرق النباتات والحشائش الضارة لاستغلال أراضيها للزراعة، وعندما أنشئ دير العذراء أصبح حاملًا لاسم هذه المنطقة، عندما شيد الأنبا باخوميوس سورًا ارتفاعه 12 مترًا حول الكنيسة، فتحول إلى دير، ليشبه فى طرازه سور كنيسة المهد.
 
على مدى أربع ساعات قدّم الباحث خالد عكاشة تاريخ بدايات الإرهاب فى سيناء منذ 2001، مرورًا بمحاولة «حماس» اقتحام شمال سيناء، وصولًا لبداية العمليات بعد ثورة يناير 2011، ثم دور الإخوان ومحمد مرسى فى تمكين الإرهابيين، وتطرق إلى محور «التأثير على سكان مدينة العريش»، عاصمة شمال سيناء، وأكبر مدينة سكنية فى سيناء بالكامل.. على هذا المحور، ووفق السياق العام المشار إليه، يجرى بالعريش استهداف ممنهج للخدمات الاعتيادية المقدمة للمواطنين من قبل الدولة، لذلك فضرب أبراج الكهرباء، وإحراق مقر شركة النظافة، ومواقع الأعمال الإنشائية حاضر ومتكرر، استهداف المسيحيين بعمليات الاغتيال الأخيرة ودفعهم للخروج من منازلهم خوفًا، بعد بيانات التهديد التى أصدرها التنظيم بحقهم، هو رغبة فى صناعة مناخ عام متنوع الأشكال، لكنه يبقى تحت عنوان واحد، فوضع هذا بجوار اقتحام العديد من مناسبات الزواج التى تتم فى أماكن عامة على وجه الخصوص، وإجبار الموجودين على المغادرة تحت زعم «تحريم» الأغانى وطقوس الأفراح التقليدية. تخلل ذلك بعض عمليات المرور على المحال التجارية، وفرض مواعيد للإغلاق، والكثير منهم تحدث عن رسائل تهديد وصلته تتعلق بضرورة تغيير النشاط، وفرض أشكال وألوان خاصة بالواجهات.. مكونات هذا المشهد لها قدرة صاروخية على التمدد والانتشار، لمن طالته هذه الصور، ولمن وصلته عن طريق السمع فى مدينة صغيرة فارغة بالأصل من الأحداث، فلا يوجد حدث ذو شأن يقع بالعريش إلا ويصل البيوت بعد ساعة واحدة على أقصى تقدير.
 
هذا المحور الخطير الذى يلعب عليه التنظيم الإرهابى، قليل التكلفة بالنسبة له، لكنه ثمين الحصاد بأكثر مما نقدره، يكفى فقط حالة الإحباط العام التى تسود المدينة بعيدًا عن أعين وآذان وسائل الإعلام، حيث تكتفى بنقل أخبار العمليات الإرهابية المباشرة ضد ضباط وجنود الجيش والشرطة، وربما تحاول إلقاء الضوء على بطولات حقيقية يتم بذلها هناك، وشهداء أبطال يبذلون أرواحهم فى سبيل مجابهة سرطان الإرهاب، وتأمين المواطنين هناك، والتنظيم الإرهابى لا يتسم بالغباء على الإطلاق، ولذلك اختار الأهداف الصغيرة والمؤثرة التى تستطيع أن تجهض تلك النجاحات، لاسيما وهى تدور بالقرب أو على الأطراف من قلب العريش الذى يتم الآن اختطافه، وفى حال التراخى المقابل عن استيعاب دقة المعادلة، وحاجتها لقدر عالٍ من المرونة والابتكار فى مجابهتها، ستجرى عملية ابتلاع كامل للمدينة يخطط له بهدوء وروية تناسب الهدف.
 
وانتهى العميد إلى مقترحات تعمير سيناء لوقف زحف الإرهاب الأسود، واشتدت حرارة النقاشات حول الأوضاع الدولية والإقليمية، والضغوط التى تمارس على مصر من أجل تمرير مخططات مشبوهة، ورفض الإدارة المصرية تلك المخططات والضغوط، ودور الكيان الصهيونى فى كل ما يحدث، ومحاولاته تمرير مشروع تبادل الأراضى من أجل توطين الفلسطينيين فيما يسمى «الوطن البديل»، وكيف رفض الرئيس عبدالفتاح السيسى كل تلك العروض، ولذلك يتم لمخابرات عديد من الدول تحريك الإرهاب وتمويله لكى يستمر على أرض سيناء، وتطرقت المناقشة إلى «حماس»، وتوفيرها التدريب والسلاح للإرهابيين، ومحاولات مصر احتواء ذلك.
 
طوال الساعات الأربع فاض نهر التساؤلات حول حتمية انتصار مصر على الإرهاب، وضرورة الاستجابة، ولو على خطوات ومراحل، لمطالب أهالى سيناء فى حق تملك الأراضى والتنمية، جنبًا إلى جنب مع توطين العمالة المصرية التى تعمل الآن فى ليبيا، رغم المخاطر التى تصل إلى تهديد حياتهم، أدركت كل معانى التحضر والاستنارة من الحضور، ويحاول أن يقدم خدمة بلمسات إنسانية «هند» و«روميل»، وطفلاهما «هند» و«هيتى»، والأخت «هدى»، وزوجها إبرام أميل، فى ذلك المناخ الدافئ، اقتسم الجميع الحوار والمودة.. فى صالون «القوصية» لا تلمس أى أنفاس للتعصب، أدركت معانى التسامح المستنير المفتقد فى قطاعات أخرى من الوطن، ولمست عراقة تلك العائلة، وروح المحبة، وكأن الجميع على اختلافهم أسرة واحدة، ترى متى تنتشر هذه الروح بين كل أرجاء الوطن؟
فى القوصية كانت سيناء فى القلب والعينين، وأرواح الشهداء تحلق حولنا، والوطنية الحقة كانت تحتضن الأمل فى الوطن القادم من أعماق جرح الإرهاب.
 
صالون «القوصية» الثقافى نموذج نفتقده فى زمن التطرف والتعصب، ومحاولات اختراق الحشا المصرى، الذى علّم العالم فجّر الضمير وروح الحضارة.
 
فى طريق العودة أدركت لماذا لجأت العائلة المقدسة إلى هذا المكان، وكيف يتعانق التاريخ مع الحاضر.. تحية لكل أعضاء الصالون.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة