خالد صلاح

عمرو جاد

الكاردينال فى هافانا.. والعرب يتبادلون الرهائن

الخميس، 24 سبتمبر 2015 10:06 ص

إضافة تعليق
السياسة مدهشة لعامة الناس، لعبة ممتعة للسياسيين، سلاح فعال لهزيمة الكسالى.. بعد أكثر من 47 عاما وفى نفس الأرض التى انتقل إليها رفات بلا يدين، هو ما تبقى من الفتى الثورى تشى جيفارا، وقف الحبر الأعظم فرانسيس بابا الفاتيكان ليقول لأكثر من مليون كوبى احتشدوا فى استقباله: «نريد اليوم تجديد صلات التعاون والصداقة هذه كى تتمكن الكنيسة من مواكبة وتشجيع الشعب الكوبى فى آماله وهمومه بحرية وبالوسائل»، لا شك أن النظرة الساخرة فى عينيى تمثال الرفيق أرنستوا تشى لم تكن تستهدف كلام الكاردينال، ولا تمثال المسيح الصامد أكثر من المبادئ الشيوعية أمام موجة الانفتاح القادمة من واشنطن عبر ساحة القديس بطرس، لتستقر فى عقل الوصيف راؤول، وعلى غير هوى أخيه الثورى العجوز فيدل كاسترو.

منذ أن حطت أول طائرة أمريكية فى العاصمة الكوبية «هافانا» بعد 60 عاما من القطيعة أدرك أصحاء العقول فى زمنهم المتوعك أن شيئا ما «حقيقى» يتغير فى هذا الجانب الآخر من العالم، هزيمة معتادة لبقايا الاشتراكية ونصر جديد للساحر الأمريكى الأخضر الذى كان محرما فى الجزيرة الشيوعية أكثر من أوراق الحشيش، لكن لا بأس فالضغط الأمريكى هذه المرة لم يكن تهديدا بالقوة، بقدر ما كان تلويحا بسحر الحلم الأمريكى، فتراجعت سياسة سوبر مان ورامبو، وحل مكانه الصليب الذهبى بصفته رابطا مقدسا بين الكاثوليك فى العالم المتحضر وإخوانهم فى غابات الموز وعنابر صنع السيجار، وأصبح الدولار أكثر صدقا من شعار «أفكارنا أقوى من السلاح».

لا تصدق أبدا أن الدول الكبرى تتسامح فى تفاصيل صغيرة من هزائم الماضى.. قد تبدو كوبا فى خلفية الصراع بين بوتين العائد بحماس القياصرة، وأوباما الراحل بعدما أوهن حماس كاتب التاريخ الأمريكى، تبدو وكأنها فقط جزيرة متنمرة عادت لطوع راعٍ بعدما أفقرتها التبعية لموسكو عبر عقود مضت، الأمر أكبر من ذلك، فأوباما يريد أن يدعم سيرته الذاتية كرجل سلام قاد بلاده للتصالح مع أعدائها «إيران وكوبا»، بينما يعتبر السياسيون الأكثر حنكة فى البيت الأبيض أن عودة هافانا «الضالة» ثأرا من بقايا الاتحاد السوفيتى الذى أفشل 60 عاما من جهود ثعالب المخابرات المركزية فى تكسير عظام كوبا، وكبت شعاع الثورة فيها من أن ينتقل لبلدان أخرى، فلما فشلوا اكتفوا بقطع يد تشى وأخفوا مكان موته. كان البابا فرانسيس باسما حينما خطى إلى ميدان الثورة، وكان نظام كاستروا أيضا يضحك سرا حينما سمع لأول مرة منذ عقود رنين جرس البيت الأبيض.. لا أحد ينكر أن كوبا ربحت كثيرا فى عملية تحويل المسار تلك، يكفيها أنها دخلت البيت الأبيض رافعة رأسها، تاركة خلفها إرثا من الشيوعية تلخصه سيارات اللادا رمز الاتجاه شرقا، والكاديلاك رمز هزيمة الإمبريالية.

الأمر لا يتعلق بالدين أيضا، فالبابا بوصفه القائد الروحى لملايين المسيحيين الكاثوليك حول العالم لا يتعدى دوره فى التقارب الأمريكى الكوبى سوى دور الوسيط الذى أضفى على الاتفاق لمسة من الشاعرية، فهو الكاردينال الأرجنتينى خورخى ماريو بيرجوليو الذى يجلس على كرسى الرسول فى روما، ويغسل قدمى فتاة مسلمة فى السجن الأكثر عنفا بأمريكا اللاتينية، ويرفض الإعدام ويجعل الزواج الكنسى مجانا، هل تريدون تسامحا أكثر من هذا؟ لكن إدارة أوباما تنظر للأمر أبعد فهى سترضى لكوبا ما لا ترضاه لمصر أو العراق أو اليمن.. ولن تقبل تكراره فى خليج الخنازير تعتبره صراعا على السلطة فى سيناء، وتعتبر السيجار الكوبى أكثر قيمة من 12 ألف قطعة آثار نهبت من «بابل» العراق ومثلها أو كثر من «تدمر» فى سوريا.. وستدفع المليارات ليصبح الشعب الكوبى أكثر رخاء، نكاية فى روسيا مرة، وإغراء لكاتب التاريخ مرة أخرى. كل المسائل العالقة قابلة للحسم طالما أرادت الأنظمة القوية ذلك، فبينما كان مجهودا استخباراتيا خرافيا يبذل لإعادة العلاقات الأمريكية الكوبية، قررت روسيا أن تعاقب الاتحاد الأوروبى فانتزعنت القرم بالقوة وزرعت الانشقاق فى بقية أوكرانيا، والطرفان ثالثهما الفاتيكان لا يزالون يتبادلون التهم مع بقية العالم حول مسؤولية تشريد آلاف السوريين.

إلى أن يثبت العكس.. يظل العرب أكثر الناس إيمانا بوجود البعث، عقيدة وحزبا، لكنهم فقدوا الشغف بالخلود الذى تتصارع من أجله القوى الكبرى فى العالم وتهتم به المراكز العلمية والسياسية.. ففى تلك اللحظة التى يحسب فيها الأمريكان أرباحهم من استئناس أحد معاقل الشيوعية فى كوبا، ويقيمون الخسائر من فكرة مباركة صعود الهند كقوة آسيوية تكبح نيران التنين الصينى، نحن أيضا منشغلون بتبديل العروش فى الجلسات العائلية، وتحديد أى النظم السياسية أفضل: «بالحب» أم «النوايا الحسنة»؟ ويبقى أفضل إنجاز لنا هو تبادل الرهائن العرب بين السعودية والحوثيين فى مسقط.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة