خالد صلاح

عمرو جاد

قدسية فتات الخبز.. وأزمة الكهرباء

الثلاثاء، 09 سبتمبر 2014 12:08 م

إضافة تعليق
لننحز قليلا إلى العقل.. كان والدى ووالدك قديما يحرصون على كل نقطة مياه وكل كيلو كهرباء فى البيت، فكان ديدنهم أن يمروا على غرف البيت ليطفئوا اللمبات المضاءة دون طائل، ويسترقون السمع لصوت نقاط المياه المتسربة من الحنفيات نتيجة عدم التدقيق فى غلقها أو إيذانا بتعرضها للتعطل.. كانت الأمهات يرفعن أهمية فتات الخبز حتى منزلة القداسة، ويصل الأمر للطم الخدود إذا ما داس أحدهم بقدمه على قطعة خبز ناسيا أو متعمدا، ويعتبرن أن الخبز ومشتقاته نتاج لضريبة دفعها المزارع من عرقه وتحمله لسعات البرد عند زراعة القمح ولفحات الشمس الحارقة فى موسم حصاده، وضريبة أخرى دفعتها المرأة من صحتها وجلوسها أمام دخان الفرن حتى تمتع نظرها ببشارة هذا المخلوق المقدس.

فى وجهة نظرى تلخص تلك السلوكيات على بساطتها وتلقائيتها النظريات الاقتصادية الكبرى التى تنادى حاليا بتقليل الهدر والتقشف المتوازن وحساب تكالف الموارد، وترشيد استخدام الطاقة، ليس لأن هؤلاء الناس عباقرة، لكنهم أيضا لم يكونوا أغبياء، كانت فطرتهم تقودهم دون ترتيب إلى ما يشار إليه حاليا بمصطلح «الحوكمة» أو أفضل الممارسات المطلوبة للوصول إلى أفضل معدل إنتاج مع تقليل نسبة الفاقد، بينما يعانى معطمنا حاليا من داء السفه دون أن ندرى عواقبه الوخيمة، فكل منا يسرف فى شىء ما من استهلاكه إما فى المياه أو الكهرباء أو حتى فى استخدام الهاتف المحمول، بعضنا ينفق أموالا لا يعرف ماذا سيجنى من ورائها من منفعة، ويجأر بالسشكوى إذا زادت عليه فاتورة أمر نافع، وندارى كل هذا وراء شكاوى متعددة من سوء الخدمة متجاهلين إساءة الاستخدام.

الحقيقة المرة فى مسألة انقطاع التيار الكهربائى لا تتمثل كما نزعم فى ضيق الناس بارتفاع حرارة المنازل أو صراخ الأطفال الصغار فزعا واندهاشا بالظلام، الخسارة الأكبر تجنيها القطاعات الصناعية والاقتصادية التى تعتمد بشكل كبير على الكهرباء، بالطبع لم تجر حتى الآن إحصاءات دقيقة لخسائر هذه القطاعات من انقطاع حبل الطاقة لكنها بالتأكيد ستتجاوز التسعة أرقام، وهو رقم ضخم يسهل تعويضه وتفاديه بتأمين الإمدادات وزيادتها، لكن ما لا يسهل تعويضه هو حالة الإحباط التى يعشيها الناس لمجرد أنهم خائفون من فطام مفاجئ يحرمهم من متعة الضغط على الزر فينقلب الليل نهارا، ويصر هؤلاء على تصديق أى شائعة «والشائعات لدينا ترقى لحد الخرافة أحيانا لكنها سهلة التصديق» من شأنها أن تغذى لديهم حالة الغضب والغيظ من الحكومات والأنظمة، وقد سمعت بأذنى أحدهم يقول إن أزمة الكهرباء ليست بسبب ندرة الوقود لأن «الجاز موجود بالهبل بس هى الحكومة بتحب تعاند مع الناس فتقطع عنهم الكهربا كل شوية قال يعنى بتربيهم» هذا كلامه نصاً.

الغباء الانشطارى يكمن فيما تمارسه بعض الدوائر الحكومية على المواطنين فى ظل أزمة كهذه، يجعلك تتردد كثيراً قبل أن تقول كلاماً مثل الذى فى الفقرة السابقة، هذا الغباء يبدأ من التوقيت الذى يختار فيه الجالس على لوحة التحكم بالشبكة القومية توقيتات سخيفة يشعر من خلالها الناس أن هناك تعمدا فى التنغيص على حياتهم، ويشمل الغباء أيضاً حالة البرود واللامبالاة التى يمارسها موظف الشكاوى الذى تتصل به لتعرف إذا ما كان الانقطاع سببه عطل فنى أم كارثة أم تخفيف أحمال، وتكتمل الدائرة بالوزير الذى يستسهل حجة الاشتباه فى عمل تخريبى قبل حتى أن يعرف السبب الحقيقى ليخبئه عن الناس، فى حين أنهم فقط سيرتاحون للحقيقة وسيكتشفون المناورات مع انتهاء أول جملة من فم الوزير.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة