خالد صلاح

كاتب : "الفئة الضالة" فى وصف داعش "كلام مرجئة"

الإثنين، 22 ديسمبر 2014 04:22 ص
كاتب : "الفئة الضالة" فى وصف داعش "كلام مرجئة" الأزهر الشريف
كتب أحمد إبراهيم الشريف
إضافة تعليق
ما زال بيان الأزهر، الذى صدر يوم 11ديسمبر الجارى، والذى رفض خلاله تكفير تنظيم الدولة الإسلامية، "داعش"، يثير جدلا واسعا بين عدد من الكتاب والمثقفين،حيث كتب الكاتب خالد الدخيل، فى جريدة "الحياة" اليوم، مقالا تعليقا على هذا البيان، تحت اسم "فتوى تنطوى على مسوّغات علمانية! "قائلا: هل فكر أحدنا ملياً فى مضامين الفتوى الدينية السائدة، والتى تقول إن الإرهابى ليس كافراً؟ لا يتجه هذا السؤال إلى مدى صحة هذه الفتوى من عدمها وفقاً لعقيدة الإيمان وشروطها، ولا إلى أن عدم تكفير الإرهابى يلغى ضرورة قتاله. هناك ما يشبه الإجماع على ذلك، وكثيراً ما يستشهد فى هذا السياق بموقف الخليفة الراشد الرابع على بن أبى طالب، وكيف أنه قاتل الخوارج، ورفض تكفيرهم فى الوقت نفسه على رغم تطرفهم وجرأتهم على دم المسلم. لكن، إذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال الذى يفرض نفسه فى هذه الحال هو: هل يستقيم منطقياً عدم جواز تكفير المرء، واعتباره مؤمناً وهو إرهابى يستبيح دماء الناس لمجرد أنهم يختلفون معه سياسياً وفكرياً؟ من الواضح أن هذا يستقيم وفق منطق الفكر الدينى. وهو ما رأيناه فى مقالة الأسبوع الماضى التى بسطت فيها رأى شيخ معروف من السعودية هو صالح المغامسى، ورأى مؤسسة الأزهر فى مصر. فالمغامسى يرى أنه لا يجوز تكفير أسامة بن لادن لأنه مات على التوحيد. يبدو أن الحكم على زعيم «القاعدة» لا يتجاوز أنه كان ضالاً أو عاصياً. من هنا، جاء مصطلح «الفئة الضالة»، وهو التسمية المستخدمة رسمياً فى السعودية لوصف الإرهابيين. وهى تسمية جاءت من المؤسسة الدينية انطلاقاً من أنها تتبنى الرأى ذاته، وبناء عليه أخذت به الحكومة رسمياً.

وترفض مؤسسة الأزهر المصرية تكفير تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش). وهى لا تختلف فى موقفها عن موقف المؤسسة الدينية السعودية إلا فى تفاصيل تسويغ الرأى، وهو تسويغ أكثر كشفاً لمضامين هذا الرأى فى ما هو أبعد من الرأى ذاته. إذ جاء فى بيان لمشيخة هذه المؤسسة الدينية العريقة أن الأزهر «يرفض تكفير داعش، لأنه لا تكفير لمؤمن مهما بلغت ذنوبه»، مضيفاً أنه «لو حكمنا بكفرهم لصرنا مثلهم ووقعنا فى فتنة التكفير، وهو ما لا يمكن منهج الأزهر الوسطى المعتدل أن يقبله بحال".

هنا يبرز سؤال آخر: كيف يمكن التوفيق بين هذا الرأى مع مؤدى الآية التى تقول فى سورة المائدة (مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)؟ تشير هذه الآية إلى قتل النفس التى حرّم الله من دون حق. وينقل القرطبى فى تفسيره عن مجاهد قوله: «إن الذى يقتل النفس المؤمنة متعمداً جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً، (وأنه) لو قتل الناس جميعاً، لم يزد على ذلك...». ثم ينقل عن ابن زيد قوله: «المعنى أن من قتل نفساً فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعاً...». ويقال وفق القرطبى أيضاً إن هذه الآية جعلت «إثم قاتل الواحد إثم قاتل الجميع». من الواضح أن الآية تعظم أمر قتل نفس واحدة من دون حق إلى درجة مساواته بقتل الناس جميعاً. وبهذا المعنى يكون إثم الإرهابى بهذا الحجم والشناعة، بل ربما أكبر من ذلك، ثم لا يجوز تكفيره. كيف هذا؟ لا شك فى أن هناك تخريجات عقدية وفقهية لهذه المسألة، وهى كما ذكرت مسألة قديمة تعود إلى القرون الإسلامية الأولى (وهذا بحد ذاته لافت) اختلف حولها المسلمون، وكانت أحد أسباب افتراقهم إلى فرق وطوائف.

لكن، ماذا لو أخذنا القضية خارج سياق السجال الدينى إلى سياق آخر، هو السياق السياسى، والفكر السياسى، وعلاقة الدولة بالدين، وهو سياق ذو صلة مباشرة بالموضوع. فالإرهاب، خصوصاً الذى يستخدم القتل والاغتيال أداة له، هو جريمة تتعلق بأمن المجتمع، وأمن الدولة، بل وبشرعية الدولة. ومن هذه الزاوية لا بد من التمييز بين الكفر والتكفير من ناحية، والإرهاب والقتل، من ناحية أخرى. فالكفر والتكفير مفهوم، أو حكم ديني، يتطلب إصداره مسوغات دينية. أما الإرهاب فمفهوم لسلوك سياسى دنيوي، يتطلب إصدار حكم عليه مسوغات سياسية وقانونية. والتكفير من الزاوية ذاتها هو حكم على الاعتداء على حق من حقوق الله. أما تجريم الإرهاب (وليس تكفيره بحسب الفكر الديني) فهو حكم على فعل الاعتداء على حق من حقوق الناس. وهنا تمييز بين الدينى والسياسى، أى بين حقوق الله، وحقوق الناس، واختلاف الحكم على كل واحد منها. كأن الفقهاء، بهذا المعنى، يقولون منذ أمد بعيد إن من يرى ضرورة تكفير الإرهابي، إنما يطالب بإصدار حكم دينى على فعل سياسى لا تتوافر له مسوغات دينية كافية، ومن ثم فهو أمر ممتنع بمسوغات دينية، وليست سياسية. وفى هذا تسويغ ذو نفس علماني، وإن لم يكن مقصوداً. من ناحية أخرى، وإذا كان جزاء الكفر (الحرمان من الجنة والدخول فى النار) لا يتحقق إلا فى الآخرة، وليس فى الدنيا، فإن أمر الفصل فيه يعود فى الأخير إلى الله، وليس إلى الناس، وبالتالى ليس إلى الدولة. وهو ما يؤكد الطبيعة الدينية المحضة لمفهوم الكفر ومسوغاته ومآلاته. ويؤكد فى الوقت نفسه تمييزاً، بل فصلاً للدينى عن السياسى.

يقول ابن منظور، صاحب «لسان العرب»، عن مفهوم الكفر إنه «نقيض الإيمان.. آمنا بالله وكفرنا بالطاغوت...». ومنه الكفر بالنعمة، أى جحودها وسترها، وهو نقيض الشكر، ثم يورد صاحب «اللسان» أن عبدالملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن الكفر فقال: «الكفر على وجوه: فكفر هو شرك يتخذ مع الله إلهاً آخر، وكفر بكتاب الله ورسوله، وكفر بادعاء ولد لله...». لكن اللافت هنا هو قول ابن جبير «وكفر مدّعى الإسلام، وهو أن يعمل أعمالاً بغير ما أنزل الله، ويسعى فى الأرض فساداً، ويقتل نفساً محرمة بغير حق» (ج 5، ص 144 - 145). أى أن ابن جبير، إذا صحت رواية ابن منظور، يكفّر فعل الإرهابي، وهو قتل النفس المحرمة، ويعتبره مدّعياً للإسلام. لكن هذا ليس رأى جمهور الفقهاء. أضف إلى ذلك أن أنواع الكفر التى ذكرها للخليفة الأموى تتعلق جميعها بحقوق الله.

هذا يعيدنا إلى مسوغات الأزهر بعدم تكفير «داعش»، إذ يقول الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية فى الأزهر محيى الدين عفيفى، إن الأزهر لا يكفّر أحداً نطق بالشهادتين، وأن «مذهب أهل السُّنَّة يؤكد أنَّ الإيمان القلبى أصلٌ والعمل فرع، وعدم وجود العمل لا يَنفِى أصل الإيمان، وهذا ما استند إليه الأزهر فى عدم تكفير داعش». ثم يضيف بـ «أنَّه يغيبُ عن المواطنين أنَّ قضية الكفر لا تملكها جماعة أو الأزهر أو تنظيم، فهى قضية شرعية لا يملكها أحدٌ إلا الله، وهذا ما قرَّره القرآن وما قرَّرته السنّة النبويَّة»، موضحاً أنه لو كفَّر الأزهر «داعش» لفتح الباب لتكفير الكثير مثلما حدث مع الخوارج حين كفَّروا الإمام على بن أبى طالب وكثيراً من المسلمين فى ذلك الوقت. وفى تأكيد للفكرة ذاتها يقول: «إن التكفيريين يعتَبِرون أن العمل ركن من أركان الإيمان، ولذلك يكفرون بترك العمل ولا يكتفون بمجرَّد الإيمان»، مؤكدًا أنَّ الأزهر لا يعتبر أنصار «داعش» كفاراً طالما أنهم يقولون: «لا إله إلا الله محمد رسول الله».

كلام الأزهر هنا يعبر عن رأى المدرسة الأشعرية، ويتفق مع رأى المرجئة فى هذا الموضوع، ولا يختلف كثيراً عن رأى مدرسة السلف التقليدية، وليس الجهادية. وأهم ما فى كلام الأزهر هو الفصل التام بين الإيمان كمعتقد دينى من ناحية، والعمل كسلوك دنيوى، من ناحية أخرى، وبالتالى عدم تجويزه إصدار حكم دينى على فعل دنيوى (سياسى فى حال الإرهاب)، بمسوغات دنيوية. لذلك، جاءت كل مسوغات عدم جواز تكفير الإرهاب مسوغات دينية محضة، وأن الإرهاب كسلوك سياسي، وما يترتب عليه من قتل وجرأة على دم البريء والمخالف ليس مسوغاً لإطلاق صفة أو حكم الكفر على صاحب هذا السلوك. بالتالى ترك الحكم بتكفير الإرهابى سياسياً للدولة. ومن أهم المعانى المترتبة على ذلك أن أمور الدين ومسوغاتها منفصلة عن أمور الدنيا، خصوصاً السياسية منها، ومن ثم فإن الدين شيء، والدولة شيء آخر. لكن أهم ما تشير إليه فتوى عدم جواز تكفير الإرهابي، خصوصاً لناحية فصلها الشأن الدينى عن الدنيوي، أن لـ «العلمانية» كقيم وآليات، وليس كمصطلح، جذور إسلامية لم يتم الكشف عنها بعد. وعليه، فإن هذه الفتوى تجعل الفكر الإسلامى يتحرك خارج إطار الدولة، ويتعاطى مع هذه الأمور بمنطق يختلف عن منطق الدولة. إذاً، لماذا لا تزال الدولة فى حاجة إلى الفكر الديني؟ هناك مبررات عدة منها أن «الإسلام دين ودولة». لكن هذا شعار حديث، وليست له جذور فى التراث الإسلامي، ولا فى التجارب السياسية لما بعد الخلافة. المبرر الأوضح والأهم أن الفكر الدينى راكم على مدى قرون ثروة ضخمة جداً من الفقه والتشريع والتفسير وعلوم القرآن الحديث، وغالباً بمعزل عن الدولة. فى حين أن هذه الدولة فشلت فى تطوير فكر سياسى وقانونى خاص بها، وبالتالى ظلت فى حاجة إلى الفكر الدينى كمصدر لمشروعية سياستها وتشريعاتها. وهذا مؤشر إلى أنها لم تبلغ مرحلة النضج المؤسساتى والقانونى بعد.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة