أكرم القصاص

"الخال" يروى سيرته "الحلقة الأولى" : حصلت على 14 قرشاً من الملك فاروق.. وأخفاها والدى فارتكبت أول جريمة عائلية فى حياتى!.. عملت راعيًا للغنم وعمرى 5 سنوات.. ولم أستخدم الحذاء إلا فى المدارس

الأحد، 10 نوفمبر 2013 06:33 ص
"الخال" يروى سيرته "الحلقة الأولى" : حصلت على 14 قرشاً من الملك فاروق.. وأخفاها والدى فارتكبت أول جريمة عائلية فى حياتى!.. عملت راعيًا للغنم وعمرى 5 سنوات.. ولم أستخدم الحذاء إلا فى المدارس محمد توفيق يحاور الخال عبد الرحمن الأبنودى
حلقات يكتبها - محمد توفيق

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
◄ اشتريت «مِعزة» بعد أن جمعت كل أموالى ووالدى ذبحها عقابًا لى وأكلها هو وضيوفه!.. وعندما سألت أمى: «أين ذهبت المعزة؟»، فقالت «أٌمال أنت أكلت إيه؟!

◄ ولدت فى تسعة أيام لا يعيش فيها إنسان.. فقال والدى لأمى «دعيه يموت فى هدوء.. وشدّى حيلك وهاتى غيره»!

◄ أمى رأت فى المنام حمارة وَلَدَت جحشًا عليلًا.. ورأتهم يربطون ركبتيه بحبال كى تتماسكا لذلك حين أنجبتنى ربطت ركبتى بأشرطة الأقمشة المضفرة حتى لا تتفككا!

◄ حفظت القرآن فى كُتاب «الشيخ إمبارك» والتسميع كان يتم بـ«الشاكوش» وصبغة اليود!

فى كل مرة التقيت فيها الخال عبد الرحمن الأبنودى كان يصدمنى بوقائع مدهشة لم يعلن عنها من قبل، وبأسرار وتفاصيل لم يكتبها أو ينشرها أو يذكرها من قبل، كأنه يتحدَّى الزمن، ويريد أن ينتصر عليه. فهو “مخبِّى فى عينيه السحراوى تملِّى حاجات” -مثلما وصفته العمة يامنة- فهو يتحدث فى كل شىء ويذكر فى أحاديثه الممتدة عبر نصف قرن من الزمان أدق تفاصيل حياته لدرجة أنك تجزم أنه لا يمكن أن يكون لديه شىء يقوله بعد ذلك، لكن مخزون الخال لا ينفد أبدًا.

هذا هو الخال كما عرفته، خلال عام كامل قضيته بصحبته -وصحبة أعماله- من خلال سلسلة حوارات يمكن اعتبارها حواراً واحداً امتد على مدار العام.





كنا نقوم بإيقاف جهاز التسجيل بعد خمس أو ست ساعات من الحوار المتواصل وفى المرة التالية نُكمل ما توقفنا عنده وهكذا ظللنا على مدار السنة نتحدث فى كل شىء عن حبه لعبد الناصر وكراهيته للسادات ولقاءاته مع مبارك وهجومه على مرسى، وخلافه مع أم كلثوم وصلاح جاهين، وسر تعلقه بعبد الحليم حافظ ومحمد رشدى، وصداقته لأمل دنقل ويحيى الطاهر وتطرقنا لأبطال قصائده، وسر تسميته بـ«رُمان»!!


1

اليوم: الاثنين 11 من إبريل عام 1938م.

كانت السينما تعرض واحدًا من أهم الأفلام على مدار تاريخها، لكن تمت مصادرته فى اليوم الأول لعرضه!

الفيلم هو «لاشين».


وقصته أن قائد الجيش حاول تنبيه الحاكم إلى ألاعيب حاشيته، وغضب الناس منها، لكن الحاكم الضعيف لم يستجب له، وترك حاشيته - وأهله وعشيرته - يفعلون ما يشاؤون لدرجة أنهم قاموا باعتقال قائد الجيش!

لكن الأمور صارت من سيئ إلى أسوأ حتى حدثت مجاعة كبرى جعلت الشعب يثور ضد الحاكم، وحاشيته، وتم إسقاط النظام، وأفرج الشعب عن «لاشين» قائد الجيش، واعتبروه بطلًا قوميًّا، وقائدًا عظيمًا وقف مع الشعب ضد الاستبداد، وأسهم فى كشف الفساد، حتى عمَّت العدالة البلاد.

لكن عندما عُرض الفيلم للمرة الأولى تم اعتبار هذه القصة بمثابة عيب فى الذات الملكية!
وتمت مصادرة الفيلم وتغيير نهايته، واعتبار أن كل ما جرى خلال أحداث الفيلم مؤامرة كبرى تعرض لها الحاكم، الذى انتصر فى النهاية على المتآمرين، ووافقت الرقابة على عرضه بعد تعديله!

لكن المدهش أن صاحب هذا السيناريو البديع هو الشاعر أحمد رامى، وقد لعب بطولة هذا الفيلم ممثل درس التمثيل فى فرنسا اسمه «حسن عزت»، وشاركه فى البطولة الفنان حسين رياض، وأخرج الفيلم المخرج الألمانى «فريتز كرامب».

فى هذا التوقيت كان جمال عبدالناصر قد تخرَّج فى الكلية الحربية، والتحق بالكتيبة الثالثة بنادق، وتم نقله إلى «منقباد» التى التقى فيها أنور السادات.

وعبدالحليم حافظ قد بلغ التاسعة من عمره، وقرر خاله أن يُودِعه فى ملجأ للأيتام، وقضى حليم هناك ثمانى سنوات حتى غادر الملجأ إلى معهد الموسيقى العربية.






.. وبيرم التونسى كانت تطارده السلطات الفرنسية، وتطرده من كل بلد يذهب إليه بسبب سخريته اللاذعة من الاحتلال الفرنسى.

.. وفؤاد حداد التحق بمدرسة «الفرير»، وذهب صلاح جاهين إلى مدرسة الناصرية الابتدائية.

.. وكانت نُذٌر الحرب العالمية الثانية قد بدت فى الأفق بعد تعميم التدريب العسكرى.

.. وتم تكليف محمد محمود باشا بتشكيل وزارته الثانية التى أطلق عليها «وزارة كبت الحريات وضرب الشعب»، وقد عيَّن محمد محمود باشا نفسه وزيراً للداخلية بجانب رئاسته للوزراء!

ولم تستمر هذه الوزارة سوى شهرين فقط!

هذه الحكومة رغم مساوئها العديدة فإنه كان من أبرز مزاياها أنها ضمَّت ثلاثة أسماء لامعة فى الفكر، والدين، والأدب.

فقد تم اختيار المفكر الكبير أحمد لطفى السيد باشا - الذى لقَّبه العقاد بـ«أفلاطون الأدب العربى» - ليكون وزيرًا للدولة.

وصار الدكتور محمد حسين هيكل - صاحب أول رواية مصرية- وزيرًا للمعارف.

وتولَّى منصب وزير الأوقاف الشيخ مصطفى عبدالرازق - شقيق الشيخ على عبدالرازق صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم» - وقد تتلمذ الشيخ مصطفى على يد الإمام محمد عبده، بينما كان نجيب محفوظ واحدًا من تلاميذه.

فى نفس التوقيت كان الملك فاروق يحتفل بزفافه على الملكة فريدة فى دار الأوبرا المصرية، وذلك بعد أن أصدر مرسومًا ملكيًّا بحلّ البرلمان الوفدى، وقد ثار النواب الوفديون، ولكن الشرطة أخرجتهم من المجلس!

وفى نفس العام ظهرت ليلى مراد لأول مرة، ووُلد الأديب يحيى الطاهر عبدالله، ونشر طه حسين كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر»، وظهرت أول مجموعة قصصية لنجيب محفوظ باسم «همس الجنون»، وظهر لتوفيق الحكيم روايته «عصفور من الشرق».

وسط هذه الأجواء، أنجبت فاطمة ابنها عبدالرحمن.

2

فى تسعة أيام من النادر أن يعيش فيها إنسان، وإذا عاش فإنه يعيش عليلًا، وإذا وقف سرعان ما يسقط.

إنها أيام الحسومات، و«الحسومات» حسب التقويم القبطى - الذى ما زال أهلنا فى قرى الصعيد يتبعونه - أيام تسعة، تأتى فى وقت معين من السنة القبطية.





حينذاك كانت تنتظر فاطمة قنديل بزوغ الهلال الجديد بصبر فريد، لأنه يعنى أن عمر ابنها الميت قد زاد شهرًا، وكانت الأم تصعد للهلال الجديد أعلى قمم البيت، لتصبح بمفردها مع الهلال وربّ العباد بعد أن يتشرب الغروب اسمراره المعتَّق لتلمع نجوم السماء فتضىء جسدها الذى يصعد منه الدعاء، وتكشف رأسها تناجى وتدعو وتتوسل إلى ربها.

فى هذه اللحظة العصيبة حاول الشيخ محمود التخفيف عن زوجته، وقال لها: «دعيه يموت فى هدوء، لا تتعلقى به.. اعتبرى أنك لم تنجبيه.. شدّى حيلك وهاتى غيره.. ليس له عمر».

لكنها لم تستجب، ولم تيأس، ولم تفقد الأمل، بل كانت تقوم بجمع النساء حول جسد ابنها الميت البالى، وتُشعل البخور، وتظل تبتهل إلى الله وتدعوه بفيض من الأدعية وأطنان من الطقوس التى مارستها بجنون حتى يظن من لا يعرفها أنها تنتظر مولودها الأول وليس الرابع!

كانت فاطمة تفعل ذلك كل ليلة فى الصباح والمساء، وتخلع ملابسها، وتتطهر، وتخرج فى قلب الليل، وعند استقبال الفجر تتوسل إلى الله أن يظل ابنها حيًّا، وقد استجابت لها السماء، لذلك ظلت فاطمة قنديل تشعر بأنها حققت أكبر معجزة فى الدنيا، وهى أنها أبقت ابنها «عبدالرحمن» على قيد الحياة بعد قتال مرير، وحرب ضروس ضد الطبيعة وقوانين الوجود بخبرتها الطبية النادرة، ووعيها بتجارب السابقين.

فقد رأت فاطمة قنديل فى المنام - خلال فترة الوَحَم - حمارة وَلَدَت جحشًا رفيعًا عليلًا! رأته بعد ولادته مباشرة على تلك الحالة التى لا يقوى فيها أى جحش صغير على المشى، رأت الجحش الهزيل، ورأتهم يربطون ركبتيه بحبال كى تتماسكا، لذلك حين أنجبت ابنها، ووجدته غير قادر على استعمال ركبتيه كأنداده جميعًا، استوحت فكرة حبال الجحش، ونقلتها من ركبتى الحيوان إلى ركبتى الإنسان، وربطت ركبتى وليدها عبدالرحمن بأشرطة الأقمشة المضفرة حتى لا تتفككا!




فى هذه الظروف الاستثنائية وُلد «عبدالرحمن محمود أحمد عبدالوهاب حسن عطية حسن أحمد عبدالفتاح عمران» الذى صار فيما بعد الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى، نسبةً إلى قريته أبنود التى نشأ بها، وعاش فيها طفولته، وعمل بها راعيًا للغنم.

ومهنة الرعاة هى مهنة الأنبياء -مثلما يصفها الخال- «يا تطلع منها نبى يا تطلع شاعر» لكثرة ما فيها من تأمل للطبيعة والناس.

3


كان «عبدالرحمن» يستيقظ كل صباح ينتظر غنمه التى يرعاها أمام باب البيت.

فى كل صباح تجد كل أبواب البيوت وقد فُتحت وقفز منها الماعز والخرفان وتنخرط جميعًا فى طابور وتملأ الدنيا غبارًا، والأطفال وراءها يستعدّون للرعى وهم حفاة، فلم يكن أحد وقتها يملك حذاءً حتى مَن كان يملك حذاء من الكبار لم يكن يستعمله فى أغلب الأحيان.

فكانت «ست أبوها» جدة عبدالرحمن تسير فى عز القيالة إلى مشاوير العزاء الطويلة ملتفَّة ببُردتها، تلقف من الحَرّ وتوحِّد وتستشهد خوفًا من أن تموت، تزيح الباب ذا الضلفة الواحدة كأنها قادمة من السعير وتجلس على أول شىء مرتفع. تفرد فى الأرض «المبخوخة» قدميها المتورمتين الحافيتين، وقد نسيت حذاءها المعقود فوق رأسها، كأنها فقط كانت تقول للآخرين إنها تملك «مداسا»!

كان الرجال يفعلون ذلك حتى فى الملابس!

وأحيانا إذا ما ورَّمت القيالة القدمين المنتفختين، كانت «ست أبوها» تدق عدة «بَصَلات» عليها ملح تلطخ به رجليها حتى الساقين لـ«يفشّ» الورم وتعود الساقان إلى طبيعتهما القديمة.

تعرف أن كل هذا سيحدث لها، ومع ذلك تنسى حذاءها المعقود فوق رأسها وتخوض حافية فى «لهاليب» جهنم.

لكنها لم تكن وحدها التى تفعل ذلك، وكأن الحذاء حرام أو عيب «يقولوا عليّا لابسة جزمة؟! ليه رايحة أتجوّز ولّا رايحة عُرس؟ دى جنازة يا ولدى. ده واجب».





فى هذا الزمن لم تكن فكرة الحذاء مطروحة أصلًا، وتبدو فكرة أسطورية بعيدة التخيل والمنال، لكنها لم تكن تخطر على بال أحد فى أبنود، لأن الأفكار تخلقها الحاجة، ولم يكونوا يشعرون أنهم فى حاجة إلى حذاء.

فى ذلك الوقت حتى لو امتلك أحد هذا الحذاء فإن القدرة على استخدامه كانت معدومة، لأنه ليس من المعقول أن يذهب طفل بحذاء للرَّعىْ، فى التراب والماء والوحل.

الرعى مهنة أساسها الحرية - مثلما يقول الخال - حرية البدن والساق بالتحديد، للكر والفر والمطاردة والمحاصرة والمسايسة، تردّ من هنا وتصدّ من هناك، تزعق وتعوى، وتضرب، وتردع حتى يسمعك جيدًا صاحب الحقل الذى اعتدَتْ عليه بهائمك فيغفر لك خسارته وإلا خربت الدنيا.

الحذاء هنا شىء معطَّل، شىء فى مصلحة الماعز وضد صاحب الحقل وضدك، شىء يهيئ للعنزة الطائشة أن تطيش، والنعجة الهاربة أن تتمكن من تنفيذ مخططاتها اللئيمة.

لذلك كان الجميع حفاة، كلهم يرتدون قميصًا واحدًا خامًا رخيصًا يستر نصف البدن، أما فكرة الملابس الداخلية فلا تنشأ إلا قبل ليلة الزفاف بوقت قصير!




هكذا عاش «عبدالرحمن» - حتى بلغ الخامسة من عمره - مع أقرانه حياة فقيرة لكنها مُلهمة حتى إنه يعتبرها أيامه الحلوة رغم كل ما فيها من قسوة.

فكان على الطفل الصغير أن يأتى بطعامه بنفسه، ويأخذ سنارة، ويذهب بها إلى النهر ليصطاد السمك الذى يكفيه قوت يومه، وإلا مات جائعًا.

4

فى ذلك الزمن كان الصبى لا يملك غير جلباب واحد من «الدمُّور الخام» حُثالة القطن، أبيض أقرب إلى البنى، يبقعه بلح النخيل ولوزات القطن إلى أن يختفى على آخر العام لونه القديم تماما.

وكان «عبدالرحمن» مثل كل أقرانه يملك هذا الجلباب، لكنه أراد أن يستخدمه بصورة مختلفة يروى تفاصيلها قائلًا: كنتُ أعتقد أن سيّالتى - الجيب الطولى الذى بجانب ثوبى- قد تتسع لرمانة أو رمانتين، لكنى اكتشفت غير ذلك حين خططت لأول سرقة فى حياتى! فقد كان فى ظهر بيتنا جنينة واسعة اسمها جنينة «على غزالى» وكانت بالغة الاتساع مزروعة فقط بالرمان، وكان رمانها يغطى أسواقًا كبيرة لمناطق بعيدة، لذلك تصورت أنه لن يفطن أحد لهذه السرقة البسيطة التى لا أريد منها سوى رمانة أو اثنتين، كما يمكننى إخفاء القشر بالدفن فى تراب الفرن أو فى قلب شونة التبن. وحين استقر الأمر، وعقدتُ النية على السرقة، انزلقت من على الجدار العالى إلى أرض جنينة «على الغزالى»، وحين لامست القدمان الأرض، كانت الركبة قد تسلخت، وأَدْمَت نفسها، لكنى لم أكن أحس شيئًا، واكتشفت كل ذلك بعدها بكثير! ووجدت نفسى فى الجنينة بين الأشجار، وحيدًا.




وبدأت أمد يدى داخل الفروع الشوكية، وأنتزع الرمانة لأكتشف أنها لا تُنتزع، فبدأت أديرها وألفها كأنك تفتح حنفية إلى أن يرق العود الرفيع القوى الذى يمسك بالرمانة من كثرة لَفّ الرمانة فتنقطع، كلما قطعت واحدة تلألأت لى أختها، وجدتنى فى النهاية وقد كومت كومة كبيرة، لم أجد صعوبة فى العثور على حبل ربطت به وسطى و«عبعبت» عِبِّى - كما تعلمت من جنى القطن - ورحت أضع الرمان حتى امتلأ.

فجأة وجدتُ على رأسى «منسى» - رحمه الله - وهو ابن «على» وهو أكثر البشر بدانة فى أبنود.

جريت لأهرب فلم أستطع لدرجة أن «منسى» البدين الثقيل الذى لا يتحرك أمسك بى بسهولة أنا العفريت الخفيف الذى يقفز كالغزال، كان الرمان فى عبّى أثقل من وزنى نفسه، لم أكن قد اكتشفت أنه ثبّتنى فى الأرض كالجدار القديم، فَصِحْت: «يا امّه».

سمعتْ أمى صراخى ففزعتْ، واعتقدتْ أنى سقطتُ فى البئر، وراحت تنظر والصراخ يأتيها من جهة أخرى إلى أن اهتدت إلى مكانى، واعتقدت أنى سقطت فى الجنينة دون قصد وأنا أطلّ من سور «الزَّرب».

بعد قليل تفهمت الموقف من قبضة «منسى» الممسكة بكم قميصى الدَّمور، وذلك العب الملىء بالرمان.

أفرغت الرمان وخرجت إلى بيتنا من باب الجنينة يملؤنى الخجل ويجلّلنى العار، وجاء والده بالرمان بعد أن وبَّخ ابنه، وقبل أن ينصرف الرجل سأل جدتى عن اسم ابنهم الذى قفز الجدار، فأجابت أمى من الداخل: «رمان».

من يومها، وصار اسم تدليلى «رمان» فى بلدة لا تدلل أبناءها.




ويعلِّق الخال على هذه الواقعة قائلًا: لو لم يقتحمنى الشعر ويتلبسنى ويأخذنى من كل هواية أو متعة أخرى لصرتُ لصًّا حاذقًا خفيف اليد.

هكذا يمكن أن نقول إن الشعر أنقذنى من السجن المدنى لكنه قبض الثمن حين زجَّ بى إلى زنازين السجن السياسى!

5


ترك الأبنودى الغنم، وذهب إلى كُتَّاب الشيخ امبارك، وكان يوم «التسميع» فى الكُتَّاب يتم بالشاكوش وصبغة اليود، ومن لا يحفظ تُشق رأسه بشاكوش الشيخ!

ويقوم مساعداه الشيخان «همام» و«رمضان» بوضع كمية لا بأس بها من صبغة اليود فى حفرة الرأس، وبعض لوزات قطن ببذرها، وكان يوم الخميس أيضًا هو الذى ندفع فيه «الخميس» للشيخ ثمنًا للعلم الذى نتلقاه، و«الخميس» هو عشرة مليمات إذا لم ندفعها كان عقابنا منه أشد من عقابنا عن عدم الحفظ ساعة التسميع.

كان هذا السلوك ثابتًا قدريًّا لا يتغير ولا يتزحزح من مكانه حتى لو انطبقت السماء على الأرض إلا فى ذلك اليوم الذى لم يكن لاختلافه مثيل، والذى بطش بالسلوك التقليدى المحكم لكُتَّاب مولانا «الشيخ امبارك».




كانت المرة الأولى التى اختلَّت فيها الموازين وعصف القدر بكل النظم الحديدية التى أسسها الشيخ، فلم يقف طابور التسميع الذى يتم دائمًا تحت تهديد الشاكوش وبصحبة صبغة اليود.
والأعجب أن الشيخ لم يطلب من تلاميذه دفع «قرش الصاغ» رغم أنه كان أول ما يفعله فى صباح يوم الخميس أن يمد يده لاستلامه.

هل نسى قرش الصاغ أو نسى أن اليوم هو الخميس؟!

لكنه لا ينسى، ولم ينسَ، لكن الحدث أكبر من أن يلتفت الشيخ إلى قرش الصاغ، لدرجة أنه لم يصطحب الشاكوش معه فى ذلك اليوم، ولم تَكْسُ ملامحه تكشيرته المعتادة، بل إنه كان يرتدى ملابس نظيفة رغم أنه لا يفعلها إلا فى أول الأسبوع.




الكل ظل ينتظر ليعى ماذا حدث؟

وفجأة، دخل رجال يرتدون ملابس أنيقة للغاية، لم يَعْتَدْ التلاميذ على رؤية مثلها من قبل، وربما كانت المرة الأولى التى يرون فيها الأحذية اللامعة.

وخلف هؤلاء الرجال كان هناك آخرون يحملون حقائب جديدة، وقد كانت أيضًا المرة الأولى التى يرى فيها التلاميذ شيئًا يمكن حمله فى اليد سوى المقاطف.

وتقدم أكثر الرجال أناقة ووسامة وقال: «نحن هنا فى كُتَّاب حى الأشراف.. باسم الشريف الأعظم الذى ثبت أنه ينتسب إلى آل البيت: مليكنا المعظم جلالة الملك فاروق ملك مصر والسودان».

وأكمل الرجل كلامه قائلًا: «بمناسبة زيارة مولانا المعظم جلالة الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان إلى مدينة قنا لوضع حجر الأساس لمسجد سيدى عبدالرحيم، وبمناسبة ثبوت نسبه إلى الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، وابتهاجا بهذه المناسبة قرر الملك الحبيب أن يهب كلا منكم نفحة وهدية ملكية، لكى تدعو له بالرفاء، وطول البقاء».

أنهى الرجل حديثه وأشار إلى التلميذين اللذين فى «التختة» الأمامية أن يتنحّيا، وأن يتركا المكان دون أن يقول ذلك لهم قولا، لم يفهما، لكن «الشيخ امبارك» الذى فهما، فَرَدَ كفّ يمناه، ودفع بالتلميذين ليجدا نفسيهما ملتصقين بجدار الفصل الواسع ولم ينتبه لذلك أحد، إذ حملقت العيون فى تلك الحقيبة التى فُتحت ليشعّ منها ضوء خطف أبصار الجميع.

كانت الحقيبة الجلدية الأنيقة مليئة بقطع نقدية ذات أضلاع وقرون، وعرف التلاميذ أن تلك القطعة ذات الأربعة أضلاع قيمتها قرشان، وكانوا يطلقون عليها اسم «التُّمْن»، لكنَّ أحدًا لم يكن رآها على تلك الصورة المضيئة من قبل.

«شنطة» بحالها مليئة بذلك «التُّمن» الجديد الذى زغلل عيون الجميع، إذ لا يحدث شىء كهذا إلا فى حكايات الأمهات، والجدَّات ليلًا حين ينفتح الكنز بعد أن يأمره المارد، لكن المارد فى الحكايات كان دائمًا أسود، أما هذا المارد فبياضه يثير العجب، كأنه لم يأكل فى عمره سوى اللبن والجبن الأبيض والجير والبطيخ الأقرع - مثلما يصفه الخال.

اندفع ثلاثة رجال من الزائرين الذين لم يسمع أحد صوتهم، ليقوموا بتوزيع النقود، فصاح «الشيخ امبارك»: «افتح يدَّك ياد أنت وهوّه».

فتح التلاميذ أيديهم، ومرّ الثلاثة، كل منهم استلم صفًّا، وظلوا يضعون فى كف كل تلميذ سبعة «أتمان»، أى سبع قطع نقدية، قيمة القطعة قرشان، يعنى أربعة عشر قرشا، محبة وهدية من «الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان».

ثم فجأة اختفى الجميع.

لم يعد هناك أثر لهؤلاء النازلين من الكوكب البعيد، ولا للمشايخ الثلاثة «امبارك وهمام ورمضان».




مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



التعليقات 5

عدد الردود 0

بواسطة:

elpasha

الحسوم والحواديت

عدد الردود 0

بواسطة:

العـــــــــــــــــــــدوى

واحد باربعة

عدد الردود 0

بواسطة:

هاني الجوهري

ايه ده

عدد الردود 0

بواسطة:

مهندس / محمد وهدان

حوار رائع

حوار رائع مبدع وجميل .. أنه الأبنودى

عدد الردود 0

بواسطة:

علا سماحه دقهلية

حبيبى الابنودى

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة