خالد صلاح

وائل طلعت

الإخوان المسلمون والعدالة والتنمية ..الأصل والفرع

الخميس، 29 سبتمبر 2011 10:25 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
المطالع لتاريخ جماعة الإخوان المسلمين هذا التيار السياسى الإسلامى الدولى الذى أنشأه حسن البنا عام 1928، وضرب بجذوره فى أكثر من اثنين وسبعين دولة عربية وإسلامية وغير إسلامية، من بينها تركيا، والذى تمخض فيها حزب الفضيلة الإسلامى برئاسة نجم الدين أربكان، أحد الأبناء الشرعيين للجماعة وممثلها فى تركيا، بعد أن تم حله بقرار أصدرته المحكمة الدستورية التركية فى عام 2001 عن حزبين، أحدهما حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، ويمثل الجناح التجديدى أو الإصلاحى فى الحركة وتأسس فى 22 يونيو من عام 2001، والثانى هو حزب السعادة بزعامة رجائى قوطان وتَشكل فى 20 يوليو 2001 وهو يمثل الجناح التقليدى.

وتعتبر الزيارة التاريخية التى قام بها رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان فى سبتمبر الجارى إلى مصر، فى أول زيارة له بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، والتى مر عليها أكثر من ثمانية أشهر، حيث إن هذه الزيارة أجملت وأكدت ما نريد أن نثبته فى هذا التحليل السياسى للفرق بين جماعة الإخوان المسلمين، وهى أصل الإسلام السياسى فى العالم كله دون أدنى مبالغة، والفرع وهو حزب العدالة والتنمية الذى يقوده أردوغان ويقود الدولة التركية فى الفترات السابقة والراهنة لأكثر من تسعة أعوام، إنه الفرق بين دعوة أردوغان للمصريين لإقامة دولتهم القوية على أسس علمانية، ودعوة بعض الإخوان لعودة الخلافة الإسلامية التركية إلى الأراضى المصرية، لهو الفرق بين من يَعلم متطلبات الدولة الحديثة العصرية وفق ما أتى عليه ورآه رؤيا العين والممارسة من أسس علمانية، والفرق بين من ينظر وفق رؤى وأحلام فى حالة من الفراغ السياسى والدستورى التى تمر به مصر حالياً.
وسوف أحاول جاهداً فى إثبات هذه الرؤى فى السطور القادمة من خلال عرضٍ تحليلى فى هذا المقال لإثبات ما نصبو إليه بكلِ يسرٍ وسلاسة، وهو ما يرتكز بالأساس على ركيزتين أساسيتين: أولهما أن العدالة والتنمية عندما جاء إلى الحكم فى تركيا أتى فى وجود أحزاب وقوى سياسية كثيرة مختلفة الألوان السياسية وكان هو الأحدث بينهم، وثانيهما أن الدولة التركية دولة قوية لها دستورها المؤسس لحياة سياسية سليمة، يحمى علمانيتها الجيش التركى منذ تأسيس الدولة الحديثة وإنهاء الخلافة العثمانية وإعلان مصطفى كمال أتاتورك تركيا دولة علمانية وتطبيق دستور 1924 إلى تطبيق دستور 1982 على نفس المبادئ العلمانية، وفى المقابل فإن مصر باختصار شديد تعيش الآن حالة من الفراغ السياسى والدستورى، فليس هناك أية قوى سياسية تستطيع المنافسة ولا يوجد فى مصر سوى أحزاب ورقية، إضافة إلى حالة الفراغ الدستورى، بل تصل الأمور إن جاز التعبير إلى الانفلات الدستورى والذى تعيشه البلاد فى الآونة الأخيرة.
لقد جاء حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم فى تركيا عام 2002، وهو كما أشرنا الجناح الإصلاحى والتجديدى فى حزب الفضيلة سابقاً، على دولةٍ تركيةٍ لها كافة مقومات الدولة وفى حالة تخمةٍ حزبيةٍ وسياسيةٍ، فضلاً عن أنها تمتلك دستوراً مدنياً علمانياً أتاتوركياً يؤكد على استقلالية الجيش ورقابته على الدولة والملكية العامة، وهو الوضع الذى لا يمّكنهم من الانقلاب على مدنية الدولة، حيث إن الجيش التركى هو حامى العلمانية والدستورية وأية محاولة انقلابية على ذلك يتصدى لها الجيش، حتى أنه من المفارقات اللطيفة أن رئيس الوزراء الإسلامى رجب طيب أردوغان يزور قبر أتاتورك منذ تنصيبه فى كل ولاية له، يقرأ له الفاتحة فى الظاهر أمام التلفاز، والله أعلم ماذا يقول بداخله، ولكن المهم أنه ملتزم بالدستورية والشرعية والعلمانية التى أقيمت عليها الدولة التركية.

ليس هذا فحسب، بل إن قادة حزب العدالة والتنمية، فى كل مناسبة، يعلنوها صراحةً، دون أى تغليف، أنهم لا يحبذوا التعبير عن الحزب بأنه حزب إسلامى، فهو حزبٌ يحترم الحريات الدينية والفكرية ومنفتح على العالم ويبنى سياساته على التسامح والحوار، ويؤكد عدم معارضته للعلمانية والمبادئ التى قامت عليها الجمهورية التركية، كما يؤيد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى، ويؤكد أنه سيواصل تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادى، الذى يجرى تطبيقه فى تركيا تحت إشراف صندوق النقد الدولى مع نقده لبعض جوانبه، وفق توصيفهم، وبمقارنة بسيطة أدعها للقارئ بين هذه التصريحات وتصريحات قادة الجماعة سيكتشف ما أرمى إليه.

وبما أننا تطرقنا للحياة السياسية والحزبية والدستورية فى تركيا فإنه لمن الواجب التعريف ببعض الأحزاب الهامة، والتى وصل بعضها إلى سدة الحكم فى حالة ديموقراطية لبلدٍ ديموقراطى عريق، وآخر هذه الأحزاب وليس أولها هو حزب العدالة والتنمية.
حزب العدالة والتنمية (AKP)
هو حزب سياسي تركي يصنف نفسه بأنه حزب محافظ، معتدل، غير معادٍ للغرب، يتبنى رأسمالية السوق يسعى لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى، حزب ذو جذور إسلامية وتوجه إسلامى لكنه ينفى أن يكون حزبا إسلاميا، ويحرص على ألا يستخدم الشعارات الدينية فى خطاباته السياسية، ويقول إنه حزب محافظ، ويُصنف كذلك على إنه يمثل تيار "الإسلام المعتدل" وامتداد لفكر الإخوان المسلمين.
ويطلق البعض على الحزب وسياساته لقب العثمانيين الجدد. فى 12يونيو 2011 فاز الحزب بالانتخابات التشريعية وذلك بعد حصوله على 50.4% من الأصوات متقدماً على حزب الشعب الجمهورى وحزب الحركة القومية، وحصل الحزب على 326 مقعداً من أصل 550 مقعداً فى البرلمان، إلا أن ذلك لم يخوّله بتنفيذ مراده فى تعديل الدستور دون الرجوع للمعارضة، الأمر الذى يتطلب ثلثى مقاعد البرلمان أى 367 مقعد.

حزب الشعب الجمهورى (CHP)
شكل مصطفى كمال أتاتورك حزب الشعب الجمهورى فى التاسع من سبتمبر 1923، وكان زعيمه الأول، وبعد وفاته عام 1938 تم انتخاب عصمت إينونو زعيماً للحزب، لم يكن على الساحة السياسية سوى حزب الشعب الجمهورى حتى عام 1946 حيث انتقلت تركيا إلى نظام الأحزاب المتعددة، وتم إجراء أول انتخابات نيابية عامة فى تاريخ البلاد وفاز الحزب بالسلطة بأغلبية ساحقة، لكنه خسر الانتخابات أمام الحزب الديمقراطى، الذى كان يتزعمه عدنان مندرس سنة 1950.

حزب اليسار الديمقراطى (DSP)
تأسس فى 14 ديسمبر 1985، وزعيمه بولنت أجاويد، تم تشكيل حزب اليسار الديمقراطى من قبل بولنت أجاويد، وكان الزعيم الأول زوجته رهشان أجاويد. وعندما رفع الحظر السياسى الذى فرض على بولنت أجاويد بسبب الانقلاب العسكرى عام 1980 تسلم قيادة الحزب بنفسه، وواصلت زوجته رهشان مهمتها نائبة لزعيم الحزب، وحصل فى انتخابات 1999 على الحظ الأوفر من الأصوات بنسبة 22.17%، ودخل البرلمان بالمركز الأول حيث حاز على 136 مقعداً نيابياً من مجموع 550.

حزب الطريق القويم (DYP)
تشكل هذا الحزب 23 يونيو 1983، وكان الزعيم الأول له هو أحمد نصرت طونا. حزب الطريق القويم يمثل وسط اليمين مع حزب الوطن الأم، ويعانى شأنه فى ذلك شأن وسط اليمين من أزمة فقدان الهوية، وهو الأمر الذى جعل الأصوات تذهب إلى حزب العمل القومى وحزب العدالة والتنمية والأحزاب الأخرى.
وفى الانتخابات التشريعية العامة التى أجريت عام 1991 كان حزب الطريق القويم بزعامة سليمان ديميرل هو الفائز على بقية الأحزاب، حيث حصل على نسبة 27% من الأصوات وشغل 182 مقعداً فى البرلمان. وشكل ديميرل حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الديمقراطى الاشتراكى.

حزب الوطن الأم (ANAP)
تم تشكيل حزب الوطن الأم فى 20 مايو 1983 بزعامة تورغوط أوزال الذى نجح فى جمع فئات مختلفة يمينية ويسارية ومتدينة تحت مظلته وكسب شعبية جارفة، وفاز فى انتخابات 6 نوفمبر 1983 بأغلبية ساحقة وانفرد بالسلطة، حيث حصل على نسبة 45.14% من الأصوات. ويعتبر حزب الوطن الأم فى وسط اليمين.

حزب العمل القومى (MHP)
مّثل حزب العمل القومى الفكرة القومية التركية فى البلاد، ويرى بعض المراقبين أن نجاحه فى انتخابات 1999 يعود إلى نقمة الشعب من سائر الأحزاب وتعليق الآمال على الحركة القومية فى حل بعض المشاكل المستعصية فى البلاد. ويعود تأسيسه إلى 9 فبراير عام 1969، ويعتبر حزب العمل القومى امتدادا للحركة القومية فى تركيا التى تزعمها ألب أرسلان تركش منذ الستينيات حتى وفاته، وشكلت الحركة القومية حتى اليوم أحزاباً متعددة تحت أسماء مختلفة استقرت فى النهاية تحت اسم حزب العمل القومي، وكانت نسبة الأصوات التى حصل عليها فى انتخابات 1999 أكبر نسبة حصل عليها حتى اليوم. وحصل الحزب فى انتخابات 1999على نسبة 19.9% حاصلا على 129 مقعداً فى البرلمان مع إحرازه المركز الثانى فى المجلس بعد حزب اليسار الديمقراطى.

هناك أيضاً أحزاب تشارك فى إثراء الحياة السياسية التركية مثل حزب السعادة (SP) وهو ما أشرنا إليه فى السابق أنه والعدالة والتنمية خرجا من رحم حزب الفضيلة بعد حله. وهناك كذلك حزب تركيا الجديدة (YTP) والذى يعود تاريخ التشكيل 22 يوليو 2002 وزعيمه إسماعيل جيم، وتم تأليف حزب تركيا الجديدة من قبل النواب الذين انشقوا عن حزب اليسار الديمقراطى "بولنت أجاويد" بزعامة إسماعيل جيم وزير الخارجية السابق وحسام الدين أوزكان نائب رئيس الوزراء والذراع الأيمن لأجاويد إضافة إلى كمال درويش وزير الشؤون الاقتصادية السابق وسبعة وزراء آخرين، وقد دعا هؤلاء إلى التجديد داخل حزب اليسار الديمقراطى وتخلى أجاويد عن قيادة الحزب، وعندما لم يجدوا أذناً صاغية قرروا الانفصال، وشكلوا حزباً يهدف إلى ضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبى ونقل البلاد إلى الأمام اقتصاديا وتوسيع نطاق الحريات سياسياً وثقافياً. فضلاً عن حزب الاتحاد الكبير (BBP)والذى يتوقع بعض المحللين السياسيين أن يكون لهذا الحزب دور كبير فى المستقبل.

مما سبق سرده وإسهابه آنفاً فإننا نجد أنفسنا أمام معادلتين سياسيتين غاية فى الاختلاف يستطيع طفل فى الخامسة من عمره التمييز بينهما، والتفرقة بين التجربة التركية والتجربة المصرية، تجربة حزب سياسى ذو مرجعية إسلامية تأسس وسط غابة من الأحزاب والقوى السياسية، التى لها باع طويل فى ممارسة السياسة وحكم البلاد، ونشأ فى ظلِ دستورٍ قوى من الصعب بل من المستحيل العبث بأركانه، وتجربة قوة دينية لها توجهات سياسية أعادت اكتشاف نفسها سياسياً، بعد عقود من القهر السياسى والبطالة السياسية، فبزغت للنور وسط فراغ وانفلات سياسى وفراغ وانفلات دستورى.

فالإخوان المسلمون وأتباعهم من تيارات الإسلام السياسى يسعون بكلِ قوة لتأسيس هيكل دولة وفق معايير خاصة ورؤى غاية فى الخصوصية، يتفق أو يختلف معها الأكثرية ليس بذى أهمية، فمصر دولة تعيش حالة من الفراغ الدستورى، وصفناه من قبل بالانفلات الدستورى، كما تعيش كذلك حالة من الانفلات السياسى المشابه والفراغ الحزبى والتشرزم السياسى كذلك، إضافة إلى وهو شئ لا يمكن غض الطرف عنه، أن مؤسسات الدولة تعيش حالة مذرية من التفكك واللامؤسسية، فضلاً عن كون هذه الجماعة وأتباعها من التيارات السياسية الإسلامية المختلفة لا تؤمن بالأساس بفكرة الدولة، وإيمانها الأكبر بفكرة الخلافة والدولة الإسلامية، التى من المستحيل تحقيقها، وهو ليس إلا نوعاً من الأحلام السياسية. وتحاول هذه القوى جاهدة لـ"تفصيل" دولة على مقاس الإسلام السياسى، وهو ما تسعى من أجله السيطرة على البرلمان رغبة منها فى وضع دستور من خلال جمعية تأسيسية من عناصرها كما يحلمون ويعلنون بين السطور. ولكن أين المادة الدستورية التى تحمى علمانية ومدنية هذه الدولة، وتحافظ على حقوق المواطنة دون النظر إلى اللون أو العرق أو الدين أو أية وسيلة أخرى من وسائل التمييز العنصرى التى عفى عليها الزمن، إن الدين الإسلامى لهو أسمى بكثير من مدعى تطبيقه وفق رؤى وأفق ضيقة، وإنه لخير ضامن للمساواة بكافة أشكالها وصورها، ولكن مدعى تطبيقه ممن يغلقون آذانهم وعقولهم وأبصارهم ولا يسعون لإدارة حوارٍ بناء هم المعضلة الأساسية، فالحوار عندهم ليس سوى منولوجاً، وفكرة الديالوج مع الآخر مرفوضة بالأساس، حتى وإن أعلن بعضهم عكس ذلك فهو نوعٌ من أنواع التقية. وفق الله البلاد لما هو خيرٌ لها.

* باحث سياسى وعضو ائتلاف شباب الثورة.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة