خالد صلاح
}

سليمان شفيق

الثورة بين مطرقة القوى الدينية وسندان النظام الأبوى

الأحد، 27 فبراير 2011 08:05 م

إضافة تعليق
فى يوم 18 أكتوبر 1973 أسرع الراحل السادات إلى مجلس الشعب لكى يحتفل بنصر أكتوبر الذى لم يكتمل، وفى ذات التوقيت أسرع ارييل شارون بعبور القناة إلى السويس معلنا عن ثغرة الديفرسوار!!

ما أشبه الليلة بالبارحة، حيث أسرعت جماعة الإخوان المسلمين بالاحتفال بالنصر لثورة 25 يناير الجمعة الماضية 18 فبراير واعتلى فضيلة الشيخ القرضاوى منصة الثورة معلناً عن النصر، وما كاد الشيخ القرضاوى أن يهبط من على المنصة حتى فتحت أول ثغرة للجدل حول هوية الثورة هل هى مدنية أم دينية؟

وهل يمثل الثورة – إن كانت قد انتصرت بعد- شبابها المدنيين أم شيوخها الملتحين؟ ولعل أول الخاسرين من ذلك ستكون جماعة الإخوان المسلمين.. رغم أننى أشهد لها بأنها تحلت بالسماحة والتواضع والحكمة لمدة ثلاثة أسابيع من عمر الثورة، ولكن ما حدث سوف يعمق مخاوف قطاعات واسعة من المواطنين كانت متعاطفة مع الجماعة، حيث خلق موقف انتحال الجماعة لقيادة الثورة قلق لدى تلك القطاعات من أن الجماعة سوف تقفز على الثورة ككل حينما تحين الفرصة.

وإن كان ذهاب السادات إلى منصة البرلمان للاحتفال بالنصر قد دفع شارون للاندفاع نحو السويس، فإن اعتلاء فضيلة الشيخ القرضاوى لمنصة التحرير قد دفعت كل حلفاء النظام القديم إلى الانتقال من الحذر إلى الفعل تحت دعاوى متعددة وشبه منطقية وانصبت معظم هذه الحركات المنفذة للثغرة على المؤسسات والحركات الدينية الإسلامية أو المسيحية على حد سواء مع كامل احترامى لهم.

بدأت الثغرة من اندفاع القوى التقليدية "السلفية" على الجانبين المسيحى والإسلامى، حيث قاد المنتفعين بالصراع الطائفى (الإسلامى المسيحى) حملة لإلغاء المادة الثانية من الدستور رغم علمهم أن ذلك الأمر غير مطروح وغير مجد، وتصدر المشهد مجموعة من محترفى "القبطنة" فما كان من الإخوة السلفيين الإسلاميين سوى التقاط طوق النجاة القبطى والخروج إلى الشوارع معلنيين عن رفضهم لإلغاء المادة الثانية!!

وبدأت تتدفق إلى الثغرة كل المياه العفنة الطائفية:
- 19 فبراير، احتلال الجماعة الإسلامية لبعض مقرات الجمعية الشرعية فى أسيوط والقوصية.
- 20 فبراير، ذبح تاجر الذهب القبطى "حماية سامى" وسرقة محله فى أسيوط، الأمر الذى جدد مخاوف الأقباط من استحلال أموالهم فى السابق.
- 21 فبراير، ذبح الكاهن القبطى الأرثوذوكسى "داوود بطرس" فى مسكنه، الأمر الذى رفع معدلات الخوف عند الأقباط.
- 22 فبراير، تظاهر الآلاف من شباب الاقباط الخائفين الغاضبين أمام محافظ أسيوط، وقاموا بالاعتداء على أحد أعضاء الجماعة الإسلامية ويدعى "محمد حمدى" بمنطقة شرقة قلتة، وسط تسرب إشاعات عن مقتل شيخ مسلم على يد أقباط فى أسيوط.
- 23 فبراير، محاولة الاعتداء على سيارة الكاهن "ابانوب ثابت" أثناء توجهه للجمعية الشرعية شارع يسرى راغب للحوار حول الأحداث.
- 24 فبراير، عقد اللواء أحمد جمال مدير أمن أسيوط (على الطريقة القديمة) جلسة صلح عرفية بين المسلمين والمسيحيين فى حضور قيادات من مباحث أمن الدولة.
ومن جنوب الوطن إلى شماله وفى ذات التوقيت:
- 20-25 فبراير: تحرك رهبان دير الأنبا بيشوى (دير الأنبا شنودة الثالث ومعظم أساقفة البلاط البابوي) واستولوا على مساحات على الأرض بدون سند قانونى ، فحدثت احتكاكات بين الرهبان والقوات المسلحة ، استخدمت القوات المسلحة فيها العنف لأول مرة منذ اندلاع الثورة بشكل غير مبرر وغير مفهوم ، الأمر الذى أدى إلى إصابة 5 عمال واحد الرهبان باصابات بليغة (لازال المصابين يعالجون بمستشفى الانجلو امريكان حتى تاريخ كتابة المقال 25 فبراير)
- 23 فبراير( نشر بجريدة الدستور 25 فبراير) : اعترض كل من رئيس الوزراء أحمد شفيق ونائبه د. يحيى الجمل فى اجتماع مجلس الوزراء الأربعاء الماضى على موافقة الدكتور عبد الله الحسينى وزير الأوقاف لإتاحة الفرصة للشيخ محمد حسان الداعية الإسلامى وأحد أقطاب السلفية لاعتلاء منبر مسجد النور بالعباسية وإلقاء خطبة الجمعة، ووفق ما صرح به الوزير عبد الله الحسينى للدستور 25 فبراير: "إن مسألة اعتلاء الشيخ حسان أو غيره مساجد الوزارة لن تحدث مرة أخرى لافتا إلى أنهم ذهبوا منذ أيام إلى مسجد الحصرى بمدينة 6 أكتوبر وقاموا بإلقاء دروس فيه دون الحصول على إذن من الوزارة"، وأضاف وزير الأوقاف عبد الله الحسينى للدستور: "كله طلع من الجحور حاليا من متطرفين ومتشددين وحرامى بعدما سقطت هيبة الدولة فى ميدان التحرير على يد الثوار".
- 24 فبراير ( الوفد الاسبوعى ): 700 من اعضاء الجماعة الاسلامية بقيادة امير الجماعة فى المنصورة ينشقون ويتهمون بعض قيادات الجماعة الاسلامية بالعمالة لوزارة الداخلية والوزير السابق حبيب العادلى
- 24 فبراير : تظاهر عدة مئات من الاقباط بميدان التحرير هاتفين : "يا دى العار يا دى العار الجيش ضرب الرهبان بالنار" فهتف ضدهم ناشطين اخرين "الجيش والشعب يد واحدة" ، وحدثت مشادات بينهما وتمكن العقلاء من منع الصدام .
باختصار تلك هى المعلومات المعلنة والمنشورة حول الحراك الطائفى الذى حدث بعد جمعة النصر وحتى الجمعة 25 فبراير ، 7 ايام مغايرة تماما لكل ما حدث من اخلاقيات ثورية نبيلة فى ميدان التحرير، ويبقى السؤال : ماذا حدث ولماذا ؟
مخاوف على الطريق
- كنت قد نشرت مقالا فى موقع اليوم السابع 10 فبراير الجارى بعنوان "مخاوف على الطريق" تنباءت فيه بما يحدث الان. اقتبس منه :
"رفع الشباب شعار (يدا واحدة)، وحما الشباب المسيحى الشباب المسلم أثناء الصلاة، وأقام الشباب المسيحى صلواتهم يوم الأحد 6/2 فى حماية أشقائهم المسلمين، وشاهدنا المئات من المواطنين المصرين الأقباط مدنين أو كهنة أو قساوسة بمختلف المذاهب المسيحية يوقعون على بيانات مؤيدة للثورة، أن أكبر نجاحات ثورة 25 يناير على الصعيد (الدينى) أنها قد أسقطت خرافة التدين الشكلى، أو تحكم المؤسسات الدينية فى المواطنين وتحويلهم إلى رعايا، الأمر الذى يفزع القادة الدينيين ويجعلهم يحاولون بكل السبل إعادة السيطرة على رعاياهم السابقين ، ولكن القلق والخطورة الحقيقية تتجسد فى "الاوليجاركية" المالية المتمثلة بالقوى الخفية، قوى الثورة المضادة من جماعة الفاسدين من رجال الأعمال التى كانت تلتف حول السيد جمال مبارك والتى قامت بمعركة "الجمل" يوم الأربعاء الدامى هذه القوى معروفة وتمثل القوة الضاربة فى النظام القديم، وتستطيع أن تستغل أى ثغرة ممكنة ليس لضرب الثورة فحسب بل ولضرب مناصرى الإصلاح فى النظام. هذه القوى فى الثورات عادة تمارس الأعمال القذرة من اغتيالات أو أحداث فرقة بين الثوار" – انتهى الاقتباس-
ولقد تأكد ذلك عبر محاولات كل القوى الدينية السلفية المسيحية والإسلامية طوال الأسبوع الماضى -18 إلى 25 فبراير- للبحث عن مكان على الأرض بعد أن فاتها الالتحاق بقطار الثورة، وزاد من مخاوفها بروز تيار الاخوان المسلمين وقربه من صناعة القرار الآن، الأمر الذى أثار الفزع لدى الأقباط، والجماعة الإسلامية والحركة السلفية من استخدام الحكم الحالى لجماعة الإخوان لتصفية حسابات مع هؤلاء مثلما استخدم هؤلاء لمواجهة الإخوان من قبل فى العهد المباركى.

بين نظرية قتل الأب ومخاطر الصراع مع النظام الأبوى
تحول قوام الثورة من جسد ورأس لكيان ينطق باسم الحركات الحديثة إلى جسد تمتلكه الحركات القديمة ورأس ينطق بلسان الحركات الحديثة، وانفصام فى الخطاب ما بين الحديث والقديم
تلك التعددية ما بين الثوار ومخاوف القوى التقليدية تجعلنا نطرح سؤال جوهرى: هل يولد الجديد من رحم القديم؟ أم يولد الجديد من رحم الجديد؟ قد تبدو الإجابه واضحة بأن الوليد قد يولد بأخصاب من الجديد حاملاً كل جينات القديم هذا من منطق التحليل البنيوى، أما إذا أخذنا بنظرية الطفرة أى أن يولد الجديد من رحم القديم جديداً، وفى كل الأحوال لا يستطيع أحد سواء بالتحليل البنيوى أو بنظرية الطفرة أن يلغى وجود الصفات المرتبطة بالقديم فى الجديد مهما إن بلغت حداثتة
هنا يذكرنا ما يحدث الآن بنظرية "قتل الأب" والتى طفت على السطح فى علم النفس السياسى بعد ثورة الطلبة والشباب فى فرنسا 1968، وعمت العالم فيما بعد.. ورغم أن مصر قد شهدت انتفاضات طلابية وشبابيه 1968 والتى نادت بمحاكمة قادة سلاح الطيران ، 1972 و 1973 والتى طالبت بتحرير الأرض من الاحتلال الاسرائيلى، إلا أن هاتين الحركتين لما يتأثرا بنظرية "قتل الأب" مثلما أعتقدت أن حركة 25 يناير قد جاءت متأثرة بها ولو بعد 43عاماً، أن قضية قتل الاب ليس المقصود بها إرغام الرئيس المخلوع مبارك على التنحى و الرحيل فحسب، ولكن اصطدام هذه الحركة بالنظام الأبوى المصرى بوعى أو بدون وعى من منطلق قتل القديم ، دون أن يعى هؤلاء الثوار الشباب أن الحبل السرى ما بين النظام القديم والنظام الأبوى لم يقطع بعد، وتجلى ذلك فى خطاب السيد الرئيس مبارك الشهير يوم الثلاثاء، والذى اقترب فى فعله بشكل أو بآخر من خطاب التنحى ناصر 9 يونيو 1967، ونظراً لمؤامرة الأربعاء الدامى وفقدان الشباب الثقة فى القيادة السياسية فأنهم لم يستطيعوا استدراك فاعلية هذا الخطاب فى جموع المصريين، ومن يلاحظ التضامن السريع من قداسة البابا شنوده الثالث وفضيلة شيخ الأزهر أحمد الطيب، ونواح الأمهات والآباء عبر برامج التلفاز المصرى يرى بوضوح قوة النظام الأبوى وارتباطه بالنظام القديم، وتغير المزاج العام لدى قطاعات واسعه كانت بالأمس القريب منبهره من تلك الثورة .. فاصبحت متعاطفة مع النظام القديم بعد أن ارتفع مؤشر الخوف لديها من الجديد الذى أطل برأسه، وأعتقد أن هذه القوى لازالت متحفظة على ما حدث ليس حفاظا على شخص الرئيس المخلوع بل حفاظا على النظام الأبوى القديم.
المخاطر الأساسية التى تواجه الثورة هى:
1- أن هذه الثورة لم تكتمل بعد، وأن أكثر من نصف المجتمع المصرى خاصة صعيد مصر لم يلتحق بالثورة بعد، ويكاد يكون تحت حكم كل رجال نظام القديم من المحافظين والأجهزة الأمنية، خاصة أمن الدولة، والحكم المحلى والمجالس الشعبية ، ناهيك عن هيمنة القوى الدينية السلفيه بشكل أو بآخر.
2- أن القوى الاساسية الشبابية النقية لم تقدم قياداتها بعد حتى يتسنى لنا فرز ركام المطالب المتناثرة على طاولة الحوار من غير ذى الصفة.
3- أن الوقت ليس فى صالح الجميع، وأن المجلس العسكرى يقوم بوعى أو بدون وعى بحرق البدائل فى تضاد بين البدائل المدنية فى حكومة شفيق أو البدائل المرتبطة بالاخوان المسلمين فى لجنة الدستور.
4- أن الجميع يطالب هؤلاء الثوار الشباب والقوات المسلحة المجيدة بتغييرات مثالية على كافة الأصعدة بشكل يحمل هؤلاء الثوار الجدد ما تتحمله حلقات الثورة الوطنية المصرية منذ ثورة 1919 وحتى الآن.
5- حجم المخاطر الخارجية المقترن باهتزاز حقيقى لأساسات بنيان الدولة المصرية أكبر بكثير من كل طموحات الثوار الجدد والنظام الأبوى القديم، والأخطر من هذا وذاك أن الثوار الجدد لا يدركون حجم هذه المخاطر.
6- بروز وتصاعد دور الحرب الإعلامية وتأثيرها النفسى القوى على الواقع المحيط على ميدان التحرير، فى الوقت الذى يرتكز فيه الاعلام المؤيد الثورة على خطاب حماسى لا يساعد على بناء مواقف مضاده للحرب النفسية الإعلاميه التى تواجهها الثورة.
7- استغلال بعض القوى والأقلام الثأرية الانتفاضة لتصفية حسابات فئوية أو وظيفية قد تحسب فيما على الثورة.
ويبقى أن ننبه الجميع أن الثورة لا زالت ثورة القاهرة الكبرى والإسكندرية وبضعة مدن فى شمال مصر، وأن الأغلبية الساحقة من المصريين رغم إعجابهم بالثورة لكنهم لازالوا يعيشون فى كنف النظام القديم سياسيا وثقافيا واجتماعيا .. وسنظل نرفع يدنا تحية للشهداء الثوار العظام الذين كتبوا بدمائهم تاريخا جديدا مجيدا للشعب المصرى لم يحدث من قبل.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة