خالد صلاح

محمد الدسوقى رشدى

هكذا يكون الهجوم على القدر!

الأربعاء، 24 فبراير 2010 01:43 م

إضافة تعليق
التوقيت كان صعبا وقاتلا بالنسبة لى، ولكننى فهمت الرسالة بسرعة، الرسالة كانت تقول إن القدر الذى أفقدنى أبى واثنين من أصدقائى فى 24 شهرا فقط، ثم عاد ليمارس قسوته معى بالقضاء على أجنة كانت تستعد للخروج إلى الحياة ومنحى لقبا إنسانيا جديدا، لم يعجبه الوضع الجديد، لم تعجبه تلك الفرحة ولم يرحم حالى الذى سيطرت عليه مجموعة من المشاعر المضطربة أصابتنى بالتوهان والخضة وأنا استقبل ذلك الكائن الصغير، الذى نقلنى من خانة المتزوج فقط إلى خانة متزوج ويعول.. ولكن فى النهاية أن أحب القدر، لأنه الباب الوحيد للخروج من نفق الملل الدنيوى، قد أغضب منه، وقد أشكوه إلى الله وأطلب منه اللطف فيه ولكننى لا أحب الاعتراض الصريح على مفاجآته لأنه منحنى على مدار السنوات الطويلة الماضية الكثير من التفاصيل المفرحة والمشوقة أيضا، هل أعود إلى القصة من بدايتها حتى تفهم ما سبق من سطور؟.. هيا تعالى وركز لكى تفهم..

لم أكن أعرفها ولم ألتق بها قبل ذلك اليوم، هى فتاة لم يتجاوز عدد العمر بالنسبة لها رقم 11 شهرا، مدفونة فى حضن أمها وتطل على بعينيها بين كل دقيقة وأخرى بنظرة غير مقصودة ولكنها غارقة فى الحنية والطيبة، أما أمها فهى واحدة منكم، واحدة ممن تشارككم متعة القراءة والتعليق على ما ينشر بالموقع، تعرفت على بعد شك فضحته النظرات، ثم ناقشتنى فى بعض ماكتبت، وناقشتنى أكثر فيما تكتبون من تعليقات، ثم قفزت أنا فوق تلال تلك الكلمات وأقمت علاقة عاطفية سريعة مع صغيرتها التى تفيض عيناها بخليط إنسانى راقى وطفولى، ولكنه للأسف ممزوج بالمرض، كان جسدها الصغير يستعد لمعركة قاسية داخل غرفة العمليات بينما كان عقلى وقلبى أنا بالفعل داخل غرفة العمليات بصحبة زوجتى التى دخلت إلى هناك فى رحلة البحث عن مولودنا الأول..

افترقنا.. هى لكى يتم تجهيزها استعدادا لجراحة تهدف لإنقاذها من مأساة مرضية، وأنا لكى أمارس هوايتى فى السير بين الطرقات لقتل نبضات التوتر التى تسيطر على من حالات الانتظار، وفى وسط إحدى رحلاتى بين الطرقات لمحتها بصحبة الممرضة تطلبان أسانسير غرفة العمليات، فدعوت وشددت فى مناجاتى، ثم عدت لكى أواصل رحلة قتل التوتر بين الطرقات، وحينما عدت لنفس مكانى كان نفس الأسانسير يهبط وتخرج منه ممرضة بشوشة لتخبر الجميع أن مولود 315 بين يديها ويبحث عن أحضان أسرته .. هرول الجميع إليه وفازت جدته بالمشهد الأولى له فى حضن أهله، ثم جاء الدور على جده ليلقى على مسامعه كلمات الأذان والإقامة.. تسأل الآن أين أنا من حالة الازدحام الأسرى هذه على الوافد الجديد؟

دعنى أخبرك أن مشاعرى المضطربة جدا وقتها منعتنى من الحركة، ومنعتنى من أقف فى طابور الراغبين فى احتضانه للمرة الأولى فى ظاهرة زرعت الشك فى قلوب الأهل والممرضات نحو مقدار الحنان بقلبى .. رأيت هذا فى عيونهم وسمعت قلوبهم وهى تتحدث عن ذلك الأب صاحب القلب الحجر.. ولكنى تركتهم وقلت فى سرى اتركهم يعتقدون ما يعتقدون فإنهم لا يعلمون..

واصلت رحلة قتل توترى بين الطرقات، ثم جلست أمام ذلك الأسانسير فى انتظار من أحضروا ذلك الطفل من رحمها، وتركوها تعانى مع آثار البنج فيما يسمى بغرفة الإفاقة، كانت هى بجوارى فى انتظار أى خبر عن ابنتها، كانت تدعو فى صمت ودموعها تنظر لله فى بكاء مكبوت، دعوت معها فى نفس حيز الصمت، وقلت للأسانسير أرجوك لا تخذلها وعد لها بمن أخذت سالمة وبارئة من كل سوء ..

توافدت الزيارات وزادت مساحة التفاصيل وأجبرنى النوم على السقوط على أقرب كرسى ومنح عينى بعضا من الراحة، لم يشق صمتها سوى صرخة مدوية شدتنى إلى حيث غرفتها لأجدها على الأرض تتلوى بكاء على ابنتها وتقبل يد الطبيب من أجل إنقاذها، سرقت عينى ورحت بها بعيدا عن الغرفة حتى لا أشاهد تفاصيل الموقف، ذهبت إلى نفس الطرقات أطارد خوفى وأسعى لقتله كما قتلت توترى فى نفس مسرح الجريمة منذ قليل، الصرخات ونحيب الجدة العجوز وعصبية الأب الملكوم وهرولة الممرضات والأطباء جعلت من مسرح الجريمة مكانا غير مناسب لقتل التوتر أو القضاء على الخوف..

استسلمت لقوة الجاذبية الصادرة عن الأرض وسقط غارقا فى بحر من الدموع شارك فيه رواد مستشفى جاءوا من كل فج عميق، ولا يعرف الآخر عن الآخر سوى أن من بجواره إنسان.. بعضهم كانت تتدلى الصلبان من رقابهم، وبعضهم اختفت معظم ملامح وجوههم خلف نقاب أسود أو لحية طويلة، الكل سقط فى بحر دموعه والكل رفع يده للسماء على طريقته، وتحول المكان إلى غابة إنسانية يهرول فيها من يهرول من أجل إحضار أسانسير غرفة العمليات مرة أخرى ولا شىء مسموع غير همهمات الدعاء والبكاء..

مضى الوقت وجاء ببشرى أن قلب الطفلة الصغيرة عاد ليمارس هوايته فى النبض مرة أخرى، كان واضحا أن الله قد استجاب لتلك الهمهمات التى ملأت المكان، وكان واضحا أنه سبحانه وتعالى لم يترك تعب الأطباء فى مستشفى كليوباترا ليضيع هباء، فأعاد لقلب الفتاة النبض مرة أخرى وأعاد لعشرات الأسر الحاضرة الهدوء والسكينة مرة أخرى.. وأعاد لى أنا تحديدا فرصة الفرحة بطفلى الأول بعد أن ضاعت ساعات الفرحة الأولى فى بكاء مازالت مرارة دموعه تملأ قلبى قبل عينى حتى الآن.. أو حتى يطمئن قلبى أن تلك التى غمرتنى بنظرات الطيبة أتم الله شفاءها على أجمل حال.. ادعوا لها بما تيسر وادعوا الله أن يلطف بنا القدر فى لحظات قسوته لأننا أضعف مما نبدو عليه أو مما نعتقد أننا عليه.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة