اغلق القائمة

الأحد 2018-09-232017

القاهره 12:24 م

وائل السمرى

إعمار القلب

الأربعاء، 08 أغسطس 2018 03:00 م

جدير بأن يشعر بالملل، كل من ترك نفسه للحياة لتفعل به ما تشاء، كل من استسلم للعادى، للأكل والنوم والعمل والمرض والجنس فحسب، كل من افتقد الشغف، من فقد القدرة على الاستمتاع بما يحب، أو حتى الشعور بالاستمتاع وهو يفعل ما يفعله العاديون، كل من افتقد الحب، كل من افتقد الغواية بما يهوى، كل من افتقد التأمل فى كلمة صافية أو نغمة راقية، كل من لم يكتشف الحياة فى الألوان، كل من جهل معنى التاريخ وحكمته، كل من سلم روحه للخواء، كل من باع ذهنه للتفاصيل البالية، كل من صار رضا الناس كل همه وهم لا يرضون بأى شىء، كل من زرع فى قلب اليبوسة والجفاء، كل من حول نفسه إلى ماكينة لا تشعر بما فى داخلها، ولا تشعر بما حولها.
 
نحن نجتهد فى حياتنا بالعمارة، نحاول أن نبنى مدنًا وشوارع وعمائر وشققًا، نحاول أن نعمر أجسادنا بكساء مناسب، أن نعمر بطوننا بأكل طيب، أن نعمر خزائننا بالأموال والذهب والمجوهرات، لكننا- وبكل أسف- لا نجتهد فى إعمار القلب بما يريد، بصلاة ربانية ينسى الواحد فيها أبعاد جسده، باستغراق صوفى فى دقائق الحياة وتصرفاتها، نهتم بأنفسنا فحسب، مهملين عالمنا المحيط خربًا بلا جمال، دون أن ندرك أن انعكاس صورة هذا العالم ستنطبع فى داخلنا فنصير خرائب، ونهتم بعالمنا المحيط دون أن نهتم بأنفسنا، فنصير كـ«خيال المآتة»، تتقاذفنا الرياح، وتعبث بنا الأيام.
 
لا تقل لى إن الحياة قاسية على الجميع، ولهذا يفتقدون المتعة والشغف، فالذى يريد أن يستمتع بالحياة سيجد فى كوب الماء الذى يتجرعه بهجة وانتشاء، سيجد فى نسمة الهواء التى يتنفسها أملًا واطمئنانًا، سيجد فى وجوه الناس السلوى والدهشة والإبداع.
 
نحن نعيش فى الحياة «أى عيشة».. نأكل نشرب ننام، نصحو نعمل ننام، نأكل نشرب نغفو، وكهذا وكهذا وهكذا، نعيش عيشة جديرة باستجلاب الشفقة على حالنا، فلماذا نعيش إذا كنا نشبه الآلات أو الدواب؟ لماذا نعيش ونحن لا نبذل جهدًا فى تأمل ما ميز البشر عن بقية المخلوقات؟ لماذا نعيش وقد بترنا الحب من قلوبنا بالتكنولوجيا، وقتلنا الفن فى وجداننا بالسخرية، وقتلنا مكانة الأسرة وعلاقاتها الدافئة باللهاث وراء اللاشىء، وقتلنا البهجة والضحكة والنشوة بالكآبة والقتامة والكمد، وقتلنا الوطن باليأس والتخوين؟ ولماذا نعيش إذا كانت حصيلة قتل كل هذه المعانى تعنى أننا نقتل أنفسنا ونحولها إلى جثث خاوية، بعد أن أهملنا عمارة القلوب فى سبيل عمارة الجيوب؟