اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-09-252017

القاهره 06:55 م

محمد الدسوقى رشدى

«على بابا» يحمد الرب فى المغارة ونحن نطارد «الأربعين حرامى»

الأحد، 27 مايو 2018 10:00 ص

هنا على أنقاض صراع «على بابا مع الأربعين حرامى» نشأت أجيال متلاحقة، وتشكل خيالها، وصارت حدوتة صراع الحطاب الطيب والغلبان مع أخيه الطماع وعصابة الحرامية أيقونة مفضلة للكبار قبل الصغار، كحلقة يستكمل بها البشر مسلسل الصراع بين الخير والشر.
 
بالتأكيد أنت تحفظ تفاصيل مشوار «على بابا مع الأربعين حرامى» عن ظهر قلب، ومرت عليك سيرة مرجانة وقاسم وشغلك لغز «سمسم» الذى يفتح البابا أوتوماتيكيًا، رغم أن تفاصيل الحدوتة كانت فى عصور ما قبل الكهرباء.
 
نحن الذين تربى خيالنا على صراع «على بابا والأربعين حرامى»، رغم حنيننا إلى مشاهدة باب المغارة وهو يفتح، لعلنا نكتشف سر «سمسم» الذى حيّرنا ونحن صغار، نكتشف الآن أن ما فعله على بابا فى المغارة زرع بداخلنا فكرة غريبة تسيطر على عقولنا كلما مرت بنا أزمة مالية، فنتذكر لحظة دخول على بابا للمغارة وهتافه: «زمرد، لؤلؤ، دهب.. أحمدك يارب»، ونتمنى فى داخلنا أن نعثر على مغارة مثل مغارة على بابا دون أن ندرك أنها زرعت فينا هذا النوع من التواكل، وانتظار الحظ الذى يكافئنا على طيبة قلبنا كما كافأ على بابا من قبل.
 
كنا ومازلنا متعاطفين مع على بابا رغم حقدنا على الكنوز التى وجدها بالصدفة، كنا مجبرين على هذا التعاطف، ونحن نسمع بداية الحدوتة التى تخبرنا بأن هناك شقيقين، الأكبر اسمه قاسم والثانى على بابا، كان والدهما تاجرًا صاحب ثروة كبيرة، ترك بعد موته ثروة طائلة، استولى عليها قاسم، وأصبح تاجرًا غنيًا، وترك أخاه على بابا الحطاب الماهر فى فقر شديد، بل كثيرًا ما كان يعامله معاملة قاسية.
 
بداية نموذجية للبطل تدفعك لحبه والتعاطف معه، فهو غلبان، وطيب، ومهضوم الحق، وهى فى نفس الوقت بداية تمهد لنفسيتك تقبل ما قد يرتكبه على بابا من أخطاء، إن ارتكبها ستبدو لك فى حينها صغيرة وتافهة مقارنة لما تعرض له من ظلم وقسوة فى الحياة، وإلا بماذا تبرر موافقتك وفرحك بعلى بابا وهو يسرق ما فى المغارة؟، حتى ولو كان يسرق أموال لصوص، خاصة أن نهاية الحدوتة لم تخبرنا إذا كان على بابا قد أعاد الأموال التى سرقها اللصوص لأصحابها أو على الأقل إن كان تصدق بها على فقراء أم لا.
 
لحظة عثور على بابا على كنز اللصوص، صدرت لنا الحدوتة على بابا بأنه شخص طيب وغلبان، أرادت السماء أن تكافئه على هذا فوضعته فى طريق المغارة، وشغلتنا تلك الفكرة عن الفعل الحقيقى وهو سرقة على بابا أموالًا مسروقة من قبل.
 
فى اليوم الموعود انطلق على بابا ومعه حماره الهزيل ليحتطب فى الغابة، وشاهد غبارًا يتصاعد إلى عنان السماء، ثم انجلى هذا الغبار عن أربعين فارسًا يتقدمهم قائدهم، عندما وصل الفرسان إلى صخرة كبيرة فى وسط الغابة، تقدّم قائدهم وصاح بأعلى صوته مخاطبًا الصخرة: «افتح يـا سمسم»، فتحركت الصخرة وظهر كهف كبير له باب واسع، دخل إليه القائد وتبعه الفرسان.
 
انتظر على بابا حتى خرج اللصوص، ووقف أمام المغارة، ونادى بأعلى صوته: «افتح يا سمسم!»، فإذا بالصخرة تنفتح ودخل الكهف والخوف يتملّكه، فوجد فيها كميات لا تُحصى من الذهب والفضة والأحجار الكريمة والثياب المزركشة، لم يُضع على بابا الفرصة، بل أخذ يحشو جيوبه بما تصل إليه يداه من الذهب والجواهر، ثم خرج ونادى بأعلى صوته: «أقفل يا سمسم».
 
ولكى تكتمل عملية تبرئة على بابا من فعل السرقة الشرير، يحدث هذا بينه وبين زوجته: «عندما رأت زوجته كل هذه المجوهرات، عقدت الدهشة لسانها واضطربت، وقالت له بصوت غاضب: من أين أتيت بهذه الجواهر الثمينة، وكيف سرقتها؟».
 
فأجابها على بابا وهو يُهدّئ من غضبها: «أنا لم أسرق هذه الكنوز، وإنما عثرت عليها فى كهف جماعة اللصوص»، ثم قصّ عليها قصة الأربعين لصًا.. هدأت زوجة على بابا وانفرجت أساريرها، وأرادت أن تعرف ما قيمة الثروة التى أصبحوا يملكونها الآن، ولكنها لم تستطع أن تعد النقود لكثرتها، ولهذا طلبت من زوجها أن يذهب إلى بيت أخيه قاسم ويستعير منه المكيال لتزن به المجوهرات.
 
وعن طريق هذا المكيال يعرف قاسم، الأخ الطماع لعلى بابا، طريق المغارة، ويذهب بمجموعة من البغال ليرضى طمعه، الذى كان سببًا فى أن تشغله حمول البغال بالذهب والكنوز عن كلمة السر، فنسيها ولم ينجح فى الخروج وعثر عليه اللصوص، وعلموا أن شخصًا آخر يعرف طريق المغارة فقرروا قتل على بابا، ولكن الجارية الذكية مرجانة تكشف المخطط، حينما تنكر كبير اللصوص فى زى تاجر غريب نزل عند على بابا، الذى استضافه بكرم، ومعه أربعون «زيرًا» قال إن هذه تجارته، ولكن مرجانة اكتشفت بالصدفة أن بكل زير لصًا من اللصوص، فألقت فوقهم الزيت المغلى وتخلصت منهم وقتلوا كبير اللصوص، وانتهت الحدوتة بانتصار على بابا، ونجاته من اللصوص، وتركت لخيالنا نهاية نتخيل فيها على بابا وهو يحصل بمفرده على الجائزة الكبرى مقابل طيبته وكرمه.. المغارة بكل ما فيها.
 
هنا تنتهى أسطورة «على بابا والأربعين حرامى»، التى ربما اخترعها الخيال الشعبى ليثبت لنفسه أن الفقراء الطيبين هم الفائزون فى النهاية، وأن الأغنياء الطماعين هم الخاسرون، هكذا كنا نريد أن نعلم أبناءنا أن الطيب سيجد مكافأته حتى ولو فى كهف فى بطن الجبل، والشرير الطماع لن يكسب شيئًا حتى ولو كان بينه وبين الكنز خطوات، ولكن هل هذا ما يفهمه أطفالنا من القصة، أما أنها تمر عليهم مرور الكرام، أم أنهم يستخلصون معانى أخرى غير التى نعرفها نحن؟
 
عمومًا أنا متأكد أن الكثير من الأمهات لم يستفدن من حدوتة «على بابا والأربعين حرامى» بأكثر من تلك الحيلة التى يستخدمونها لإطعام الأطفال حينما يرفضون الطعام ويغلقون أفواههم، فتستخدم الأم صرخة على بابا التى فتح بها المغارة وتنادى: «افتح ياسمسم»، فينفتح الفم المغلق، لتلقى فيه ما تريده من طعام، بينما أنا مازلت حائرًا فى معرفة لغز هذا «السمسم» الذى يفتح الأفواه بكل بساطة، مثلما فتح باب السعد لعلى بابا برضه بكل بساطة.