اغلق القائمة

الجمعة 2018-09-212017

القاهره 05:45 م

كريم عبد السلام

ملاحظات حول فتوى الروبوتات الجنسية

السبت، 28 أبريل 2018 03:00 م

العالم مشغول هذه الأيام بالبحث عن الكيفية التى يتم بها توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعى بشكل يعظم الاستفادة من إيجابياته ويقلل من مخاطر تهديداته للوجود البشرى، ولتصور البشر عن أنفسهم باعتبارهم صناعًا للحضارات وحراسا للقيم الإنسانية، والعلماء بشتى أطيافهم منقسمون حول حساب الفوائد والخسائر الناجمة عن إطلاق طاقات البحث العلمى فى هذا المجال الشائك، فالفريق المؤيد لاستمرار الاعتماد على الروبوتات فى جميع المجالات، لديه من الحجج والأسباب ما يدعم موقفه، وكذا الفريق المعارض، لكنهما معا- وأتحدث هنا عن بلدان العالم الأول- متفقان حول استمرار البحث العلمى فى هذا المجال.
 
فى المقابل، كيف نرى نحن تطبيقات الذكاء الاصطناعى؟ وهل البحث العلمى المصرى والعربى يستثمر فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى؟ يعنى لدينا مصانع ومستشفيات وشركات استطاعت تطوير روبوتات للقيام بأعمال دقيقة مثل مصانع السيارات فى ألمانيا أو جراحات غاية فى الدقة مثل بعض مستشفيات اليابان؟ وهل نحن مهتمون أصلا بهذا المجال البحثى؟ وبأى نسبة نشارك العالم فى الأبحاث المتعلقة بهذا المجال؟ وهل يحق لنا أصلا التعامل مع نتائج هذه التطبيقات بإصدار الأحكام أم أننا سنحول تطبيقات الذكاء الاصطناعى إلى مجرد سلع استهلاكية، نقيمها وفق حاجتنا باعتبارنا مستهلكى إنتاج الدول المتقدمة فقط؟
 
طرأت على ذهنى هذه الأسئلة، بعد الفتاوى المتوالية الصادرة بتحريم الروبوتات الجنسية، وبعد المعركة الزائفة التى دخلها علماء دين من دار الإفتاء والأزهر الشريف وحتى مشايخ الجماعات السلفية وغيرها من بؤر التطرف، والغريب أن جميع رجال الدين على اختلاف توجهاتهم لم يتعرضوا إلى مجال الذكاء الاصطناعى ومختلف تطبيقاته فى الصناعة والطب والهندسة وحتى التصميمات الفنية، بل لم يشغلهم وهم الأبعد عن هذا المجال، سوى الروبوتات الجنسية، ثم تولوا إصدار الفتاوى التى تصور مراكز تصنيع هذه الروبوتات على أنها تريد تهديد ديار الإسلام بها.
 
علينا أن نسأل أنفسنا، وتتابع الأسئلة خطوات فى سبيل الفهم، لماذا نلجأ دائما لعلماء الدين للتصدى للمجالات الإنسانية والحضارية التى لا نسهم فيها بشىء؟ لماذا ندفعهم للتصدى بختم «الحلال والحرام» إلى كل ما يشعرنا بالنقص والتخلف والمهانة؟ نعم مهانة أننا لا نسهم فى سجل المدنية والحضارة، وأننا عالة على مجموعة من البلاد المتقدمة فى البحث العلمى والتكنولوجيا والتصنيع، ولماذا لا نتعامل مع منتجات العلم والتكنولوجيا مثلما فعلت كوريا واليابان منتصف القرن العشرين؟ هل لدينا كمجتمعات مرض عضوى أو نفسى يحول دون استيعابنا البحث العلمى والتكنولوجيا؟ أقصد لماذا لا نتعامل مع البحث العلمى والتكنولوجيا من خلال الجهات المختصة عندنا، ولدينا هيئات للبحث العلمى ومراكز قومية للبحوث ووزارة مختصة بالصناعة ومراكز للتكنولوجيا وأقسام للبحث داخل الجامعات ومراكز لتسجيل براءات الاختراع؟
وتخيلوا أن عددًا من الدول الأوروبية فى مقدمتها بريطانيا تعتبر أنها متخلفة فى بحوث الذكاء الاصطناعى وتطبيقاته، وترى أن الولايات المتحدة تسرق شباب الباحثين الأوروبيين فى هذا المجال، لأن التقدم فيه والتوصل إلى تطبيقات جديدة فى الطب والصناعة والأمن يعنى توفير مئات الآلاف من الوظائف وتحقيق السيطرة فى المجال الصناعى والتكنولوجى لعقود، فهل يليق بنا والصراع على هذا النحو بين الدول الكبرى على الباحثين فى مجال الذكاء الاصطناعى أن يكون حالنا مثل حال العلماء المصدومين بالأسلحة المتقدمة لجنود الحملة الفرنسية، والذين لم يفعلوا سوى الهتاف «يا خفى الألطاف نجنا مما نخاف»؟ وهل يليق بنا أن نبتذل مجالا علميا بكامله لنحصره فى تطبيق واحد هو الروبوتات الجنسية، ثم نبتذله مرة ثانية لنحصره فى دائرة الحلال والحرام؟ ما أهوننا على العالم وما أهوننا على أنفسنا!