اغلق القائمة

الأحد 2018-09-232017

القاهره 08:32 ص

محمد الدسوقى رشدى

ليست حرباً وليست عالمية بل معارك نفوذ وفلوس يدفع ثمنها الشعب السورى

الأحد، 15 أبريل 2018 10:00 ص

ليست حربا، وليست عالمية، ولا تحمل الرقم ثلاثة، هى معارك تقسيم أراضٍ وثروات ومساحات نفوذ داخل مسرح جريمة كان عنوانه من قبل الأرض السورية، بعضهم يدخل المعركة تحت مظلة نشر الديمقراطية، وبعضهم يشارك تحت مظلة إسقاط الديكتاتور بشار الذى يقتل شعبه بالكيماوى، وآخرون يشاركون فى اللعبة بحجة محاربة الإرهاب، وكلها مسميات تصلح للتسويق الدولى، ولكنها لا تعبر عن حقيقة الصراع الذى يدفع ثمنه منفردا الشعب السورى.
 
مدهشة جدا حالة الصدمة أو «الولولة» العالمية والعربية على سوريا بعد إعلان ترامب نيته ضرب سوريا، ثم تنفيذ إعلانه وسط صمت دولى وعربى وكأنه يطلق ألعابا ناريا فى سماء الأرض العربية السورية.
 
للدهشة سبب، وسببها التعجب من تلك الصورة الدولية والعربية التى يبدو فيها الجميع مدركا فجأة لأن سوريا تحولت إلى مسرح عمليات وصراع بين قوى إقليمية ودولية، الضربة الأمريكية الأخيرة لم تحقق شيئا على الأرض ولا تجلب على السوريين ضررا مدنيا أو عسكريا، تشبه إلى حد كبير ورقة روتينية ضمن أوراق ملف ضخم يتم تمرير أوراقه بالاتفاق، طالما من يدفع الثمن ليس منفذ الضربة ولا معارضها ولا ممولها، وحدهم أبناء سوريا يدفعون، ووحدهم أبناء سوريا تتملكهم الدهشة من هذا العالم الذى ينتفض فجأة بسبب هذه الضربة الأمريكية الصاروخية، وكأنها المرة الأولى بينما الأرقام تخبر الجميع أنه على مدى السنوات الماضية تضرب فى أرض سوريا وروسيا تضرب فى أرض سوريا وتركيا تأكل أرض سوريا وإيران تلعب فى أرض سوريا وبعض دول الخليج تدفع لمن يضرب ويأكل ويدمر فى أرض سوريا.
 
رسم صورة هذا النزاع الدائر فى سوريا لم يعد فى حاجة إلى بيانات أو مرثيات أو فقرات تحليلة، هو فقط فى حاجة إلى وضع مجموعة من الحقائق بالترتيب بحيث تأخذنا إلى صورة ترسمها أنت لا خبير استراتيجى ولا محلل مشبع بهوى المصلحة والميل لكفة دون الكفة الأخرى، أنت فقط سترسم الصورة الصحيحة، لأن ميلك سيكون نحو الشعب السورى.
 
الولايات المتحدة الأمريكية تملك أكثر 2000 جندى داخل العراق منذ 2015 بالإضافة إلى قاعدة عسكرية فى منبج مع الانتشار داخل 7 أماكن أخرى، وكل هذه القوات الأمريكية تخطط وتنفذ لعمليات وغارات عسكرية دائمة فى الأراضى السورية دون أن تكون مصحوبة بالإعلانات الصاخبة مثلما فعل دونالد ترامب مؤخرا.
 
التحالف الغربى الذى شارك فى الضربة الأمريكية الأخيرة مسؤول وفقا للتقارير الرسمية عن قتل أكثر من 2800 مواطن سورى مدنى بالخطأ أثناء الغارات التى قال إنها تستهدف داعش، حتى هؤلاء الذين خدعتهم التهديدات المتبادلة بين روسيا وأمريكا بخصوص إعلان ترامب ضرب سوريا وصرخوا محذرين من حرب عالمية ثالثة، تغافلوا عمدا أو جهلا عن أن هذه التهديدات اللفظية لا يمكن تثمينها بأى قيمة لأن الوضع على الأرض فى سوريا يشهد بأن أمريكا قتلت حوالى 200 روسى فى فبراير 2018 داخل دير الزور قيل وقتها إنهم تابعون لشركة أمن روسية، وأنت تفهم طبعا دلالة شركة الأمن الروسية، وحدث هذا ردا على هجوم الروس على قوات موالية لأمريكا داخل المدينة.
 
ترامب هدد والعالم انتفض، ومع ذلك نفذ تهديده ولم تحدث الحرب العالمية الثالثة ولم ترد روسيا، وربما يدلك ذلك على الطريق الصحيح لتفهم أن التهديد الترامبى لم يكن سوى عملية روتينية فى إطار معركة صراع النفوذ وتصدير صورة الأقوى فى المنطقة على حساب الشعب السورى ودم أطفاله، الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بريطانيا وفرنسا أطلقوا 112 صاروخا، قالت قوات الجيش السورى إنها دمرت 71 منها فى الجو، وكل المعلومات الواردة من الأراضى السورية تقول بأن الجيش السورى بعد تهديد ترامب أخلى بعض المطارات والأماكن العسكرية وأن الضربات الأمريكية لم تحدث ضررا يذكر، وهو ما يدفعنا لتصور مائدة المفاوضات التى أراد كل المشاركين حولها الخروج فائزين، ترامب فائز لأنه نفذ ماهدد به وتخيل البعض أنه لن يفعل بسبب تهديدات روسيا، وروسيا فائزة لأنها قللت حجم الضربة إلى مستوى العمل الروتينى الذى لم يصب أهدافها ولم يحقق خسائر لحليفها بشار الذى روج البعض أن هذه الضربات كانت تستهدف رأسه، والدفاع الجوى السورى هو الآخر يقول إنه فائز، لأنه تصدى للصواريخ الأمريكية، وحدهم الجالسون هناك فى الأراضى السعودية حيث اجتماعات القمة العربية يتعرضون لاختبار حقيقى ربما لا يخرجون منه فائزين كما هو حالى باقى أفراد الصراع فى سوريا، وتكمن صعوبة الاختيار فى تزامن الضربة الأمريكية مع انعقاد القمة العربية وبالتالى انتظار الجماهير لرد فعل حاسم وواضح بعيد عن الشجب والإدانة، وتتضاعف صعوبة الاختبار التى تتعرض له القمة العربية فى قيام بعض الدول العربية بتشجيع الضربة الأمريكية للأراضى السورية.
 
مرحلة التهديد التى سبقت الضربة الأمريكية حققت للجميع انتصارات مختلفة، أمريكا هددت ونفذت، وروسيا وضعت نفسها فى الصورة كند حقيقى حينما ردت على تغريدة ترامب على لسان السفير الروسى فى لبنان «ألكسندر زاسبكين» بأن أى صاروخ أمريكى يطلق على سوريا سوف يُسقط، وسوف تُستهدف مواقع إطلاقه، وبشار ربح وفقا لما نشره المرصد السورى لحقوق الإنسان حول قيام القوات السورية بإفراغ المطارات الرئيسية والقواعد العسكرية تحسبا لضربات أمريكية، وبالتالى لم تحدث خسائر، وإيران أعادت تقديم نفسها حينما صرح على أكبر ولايتى بأن الهدف القادم لإيران هو تحرير إدلب ثم شرق- الفرات، وأن أمريكا أضعف من البقاء فى سوريا، حتى الصين التى تبدو خارج لعبة هذا الصراع حققت بعض المكاسب حينما ردت على تحرك القطع البحرية الأمريكية فى المتوسط، بنشر أكثر من 40 قطعة بحرية الصين الجنوبى كنوع من استعراض القوة البحرية أمام العالم ودونالد ترامب نفسه.
 
لذا تبدو الصورة شديدة الوضوح بأن كل ما حدث على المسرح الدولى خلال الأيام الماضية، هو نتيجة تنسيق كامل بين كل الفرقاء لإبقاء الوضع فى سوريا على حاله وتحقيق مكاسب تمدد فترة الصراع، وتجدد فتح الخزائن العربية التى تسعى للخلاص من بشار، وهذا ما يبدو واضحا فى تغريدات العار التى أطلقها كتاب يلعبون لصالح جماعات الإسلام السياسى وتركيا وقطر، مثل الكاتب السعودى جمال خاشقجى المقيم فى الولايات المتحدة الأمريكية، وغرد يتهم العملية الأمريكية بأنها خيانة للشعب السورى، لأنها لم تحقق الدمار الكافى، بينما الإخونى الكويتى ناصر الدويلة غرد قائلا: إن الضربة لم تمس شىء من عناصر وقوات النظام.
 
هذه المواقف المخزية تعود بنا إلى أصل الحدوتة التى تبدو واضحة جدا فى تصريحات الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثانى، رئيس الوزراء القطرى السابق، وهو يعترف لجريدة فاينانشيال تايمز يوم 22 إبريل 2015 بأنهم يبيعون لحم أطفال سوريا لصالح الغرب، حينما قال: عندما سمحت أمريكا لنا بدعم المتمردين. تدفقت الأسلحة والأموال للمتمردين، ولكن مع عدم وجود استراتيجية واضحة أو اتجاه جامع، تم تقويض المشروع بأكمله نتيجة المشاحنات والمنافسات، ثم أجاب نصًا: سأقول لكم شيئًا واحدًا، وربما أقوله لأول مرة: عندما بدأنا فى التورط بسوريا «بحلول 2012» كان لدينا الضوء الأخضر بأن بإمكان قطر قيادة الأمر هناك، بعد ذلك، حصل تغير لم يتم إعلامنا به، وهو أنهم أرادونا فى المقعد الخلفى من القيادة، لذا انتهى الأمر كتنافس.
 
هى معارك نفوذ إذن تجرى على مسرح جريمة يتلاعب فوقه الكثير من المجرمين وفى أرضه يبقى الشعب السورى كضحية وحيدة لهذا الصراع الذى أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية فى أغسطس 2014 مع بداية التدخل العسكرى الدولى بأنها تهدف إلى تحقيق الآتى:
 
- هزيمة القاعدة وتنظيم داعش المُسلحين واستبدالهما بجيش قومى صالح يعمل على استقرار وبقاء الدولة.
 
- طرد القوات العسكرية الأجنبية وتحجيم الوجود الروسى.
 
- الحد من النفوذ الإيرانى.
 
- الوصول بالحرب فى سوريا إلى مطاف مستقر ومُستدام يمكن اللاجئين من العودة.
 
- تهدئة التنافس بين القوى العظمى والتنافس بين القوى الإقليمية فى الداخل السورى، والذى يخاطر بالوصول لحرب إقليمية تهيئ الظروف لصراع أكبر قد يشمل القوى العظمى.
 
4 سنوات كاملة من الضربات العسكرية الأمريكية والفرنسية والبريطانية للأراضى السورية ولم يتحقق هدف واحد مما تم إعلانه لا ذهب بشار، ولا ذهبت داعش ولا عاد اللاجئون ولا خرج الإيرانيون، فقط هدأت اللعبة بين المتنافسين داخل سوريا، هدأت وأصبح فيها شىء من التفاوض يضمن تحقيق مكاسب للجميع باستثناء الشعب السورى صاحب الأرض والحق والمجنى عليه الوحيدة فى أبشع معادلة سياسية شهدت السنوات الأخيرة فى تلك المنطقة.