اغلق القائمة

الخميس 2018-09-202017

القاهره 02:45 م

حازم صلاح الدين

محمد صلاح أسطورة العصر الكروى الحديث وليس أبو تريكة

الأحد، 28 يناير 2018 08:06 م

الموهبة الكروية هبة من عند الله سبحانه وتعالى ، وعلى مدار التاريخ الكروى المصرى شهدت الملاعب العديد من المواهب ، لكن أصحابها لم يستغلوها لأسباب غير واضحة المعالم ، وكان عدد قليل يعد على أصابع اليد الواحدة هم الذين تمكنوا من تسطير أسمائهم بـ «أحرف من ذهب » فى عالم الشهرة والنجومية ، فقد يكون الالتزام من عدمه والذكاء السياسى والرياضى له شأن فى اختفاء وبزوغ نجومية لاعبى الكرة الأفذاذ، لكن إذا غُصنا فى بواطن الأمور ودرسنا العوامل النفسية والبيئية المحيطة بهؤلاء اللاعبين من الممكن اكتشاف حقائق قد يكون لها العامل الأبرز فى هذا الاتجاه .

نحن اليوم أمام أكثر موهبتين تأثيرًا بالشارع الكروى المصرى فى العصر الحديث ، وهما محمد أبو تريكة نجم وحامل لواء بطولات «القلعة الحمراء» ومنتخبنا الوطنى فى السنوات الأخيرة قبل إعلانه الاعتزال، ومحمد صلاح، نجم نجوم «ليفربول»، الذى تنتظر الجماهير منه الكثير ليقدمه للمنتخب فى مونديال روسيا.

نبدأ الحديث بموهبة أبو تريكة.. فالجميع يكاد يُجمع على أنه موهبة فذة معجونة بأخلاق عالية من الصعب تكرارها فى الملاعب، ويستحق الألقاب الكثيرة التى أطلقتها عليه الجماهير مثل «المبدع.. زيدان العرب.. تاجر السعادة.. القاتل المبتسم.. أمير الدهاء.. معشوق الجماهير»، خاصة أنه فى سنوات قليلة بعد انضمامه للنادى الأهلى، انطلق بسرعة الصاروخ نحو عالم النجومية، محطمًا العديد من الأرقام القياسية ومحققاً كل الطموحات والأحلام الكروية، التى كانت تراوده، ليصبح نجمًا لامعًا فى سماء كرة القدم المصرية والعربية والأفريقية.

لكن دعونا نختلف مع وصف البعض لأبو تريكة بأنه «قديس» لأنه بشر فى النهاية، يخطئ ويصيب فهو مثله مثل العديد من المصريين رجل متدين فى حياته وليس قديسًا، فيجب التفريق بين هذا وذاك.

من الوارد جدًّا أن تتفق أو تختلف مع أبوتريكة حول مواقفه عبر تضامنه مع ألتراس أهلاوى أو القضية الفلسطينية، فقد أثير حوله العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام، خاصة أن البعض كان يتهمه بأنه يبحث دائمًا عن «الشو الإعلامى»، وكان السؤال الأهم دائمًا: هل أبوتريكة صاحب موقف يستحق عليه الإشادة أم أنه ممثل بارع يستغل المواقف للاستمرار على عرش النجومية؟!

الإجابة على هذا السؤال صعبة بكل المقاييس، لأننا إذا رجعنا بشريط الذكريات لمواقف أبوتريكة، وتحديدًا منذ أن بزغ نجمه بالانتقال إلى النادى الأهلى قادمًا من نادى الترسانة، سنجد أن معظم المواقف التى اتخذها سواء كانت رياضية، أو حينما أقحم نفسه فى المشهد السياسى تدل على أنه لا يجيد التعامل مع الأمور الحياتية بحنكة، على عكس ما كان يفعله داخل المستطيل الأخضر بتفجير موهبته فى كل موعد وكل مكان.

أرى أن هناك خطأين ارتكبهما أبو تريكة خلال مشواره حتى الآن، الأول حينما تمسك بالبقاء داخل النادى الأهلى ورفض خوض تجربة الاحتراف فى أوروبا، لأنه ظل «حبيس» النجومية داخل القارة السمراء، وهو ما أثر فعليًّا على عدم فوزه بلقب أفضل لاعب أفريقى.

أما الخطأ الثانى والأكبر الذى اقترفه أبو تريكة هو خروجه على الملأ لتأييد «المعزول» محمد مرسى أثناء ترشحه فى انتخابات الرئاسة، وهو ما رفضه الكثير وقتها، خاصة أنه نجم كبير وآراؤه لها تأثير كبير على الجماهير، وهو ما أدى فى النهاية لما وصل إليه بعد وقوفه بجوار جماعة الإخوان الإرهابية فى العديد من المناسبات قبل ثورة 30 يونيو، واتهام البعض له بدعم اعتصام رابعة، وعدم خروجه حتى الآن باعتذار عن هذا الخطأ بشكل مباشر وتأكيده أنه يدعم الدولة المصرية، فليس عيبًا أن يخطئ أى شخص منا، لكن الأسوأ أن يستمر الشخص على نفس المنوال، بالفعل جاءت الفرصة له أثناء المقاطعة العربية لنظام قطر، لكنه استمر يعيش حياته وأوقاته هناك ليفقد جزءًا كبيرًا من رصيده لدى محبيه، فمن رأيى أنه كان من الأفضل له العودة إلى مصر وعدم البقاء فى الدوحة  ومواجهة القضايا والدفاع عن نفسه هنا فى بلده لإثبات براءته من التهم المنسوبة إليه.

ننتقل بالحديث إلى موهبة محمد صلاح، فهو أبرز وأفضل عناقيد المواهب الكروية على الساحة المصرية خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يثبته يومًا بعد يوم بالتألق مع منتخب الفراعنة حتى صعد إلى مونديال روسيا 2018 بعد غياب 28 عامًا أو تحقيقه العديد من الأرقام داخل الملاعب الأوروبية باللعب للعديد من الأندية، بدءًا من بازل السويسرى ومرورًا بتشيلسى الإنجليزى وفيورنتينا وروما الإيطاليين، وصولًا إلى صفوف الريدز، وأصبح على مشارف الانتقال إلى ريال مدريد، فى ظل رغبة النادى الملكى للتعاقد معه، لتطلق عليه الجماهير العديد من الألقاب على رأسها «ميسى العرب.. مارادونا.. بيكاسو الكرة المصرية.. تاجر السعادة الجديد.. الجوهرة» وغيرها من الألقاب الأخرى.

موهبة محمد صلاح الفذة داخل المستطيل الأخضر لا جدال عليها من جميع المهتمين بعالم كرة القدم، لكنه كشف عن موهبة جديدة خلال تعامله مع العديد من المناسبات الخاصة بحياته الشخصية واختياراته الكروية، لكن ينطبق عليه نفس حال أبو تريكة بأنه بشر يصيب ويخطئ، وقد تتفق على بعض مواقفه وتختلف معها، وكان هناك سؤال جدلى يحيط به مع بزوغ نجمه والتزامه الدينى: هل يسير صلاح على درب أبو تريكة فى تأييد جماعة الإخوان؟!

الرد على هذا السؤال، لم يأخذ وقتًا طويلًا وجاء عبر صلاح نفسه من خلال مواقفه فى دعم الدولة المصرية والانحياز إلى بلاده، وكان تبرعه لصندوق «تحيا مصر» بمثابة الصدمة الكبرى للجماعة الإرهابية التى كانت تمنى نفسها الإيقاع به كفريسة مثل أبو تريكة، كما أن نجم المنتخب الوطنى يفعل شيئًا آخر يعبر عن طيبته ومعدنه الأصيل من خلال الاهتمام بأهل بلدته فى الغربية ومساعدة المحتاجين والتبرع الدائم للأعمال الخيرية.

هنا أرى أن محمد صلاح كان ذكيًّا جدًّا من خلال عنصرين، الأول: حينما أصر على خوض تجربة الاحتراف الأوروبى مبكراً، كما تحدى نفسه والجميع وعاد للدورى الإنجليزى مرة أخرى عبر بوابة ليفربول رغم تجربته الأولى غير المرضية مع تشيلسى، ومناداة البعض بعدم العودة للبرليميرليج ، لكنه كسب التحدى وأثبت للعالم كله أنه نجم يسطع فى عالم الكرة العالمية، وتوج مجهوده الكبير فى النهاية بالحصول من الاتحاد الأفريقى «كاف» على لقب أفضل لاعب فى أفريقيا.

العنصر الثانى: تجسد ذكاء صلاح خلال بداية رحلته الاحترافية من خلال التعامل مع الضغوط السياسية، وذلك عبر مشهد أثناء قيادة فريقه السابق بازل أمام مكابى تل أبيب، حينما هرب بحيلة ذكية من السلام على لاعبى الفريق الإسرائيلى قبل بداية اللقاء، وكانت الأنظار تراقبه فى هذا المشهد لمعرفة عما إذا كان سيقوم بمصافحة لاعبى مكابى من عدمه، إلا أنه نجح فى ابتكار طريقة جديدة للمصافحة تمت عن طريق «قبضة اليد»، وبعد أن أحرز هدفًا أكثر من رائع فى مرمى النادى الإسرائيلى بالدقيقة 20 من عمر الشوط الأول، فإن سجوده على أرضية الملعب لشكر الله عز وجل بعد إحراز الهدف، وعدم الانصياع لهتافات الجماهير العنصرية ضده كان أبلغ رد، بالإضافة إلى إصراره على أداء الصلاة فى المسجد الأقصى عقب المباراة، برفقة زميله بالفريق السويسرى وقتها المصرى محمد الننى، لاعب أرسنال، كلها أمور تحسب له فى التعامل مع هذا المأزق، وفقاً لآراء رواد الـ«سوشيال ميديا» الذين أكدوا أن صلاح ذل عنصرية الإسرائيليين بموهبته.

 

الرصد السابق ليس المقصود منه المقارنة بين أبوتريكة وصلاح، لأنه إذا عُقِدت مقارنة كاملة، وإذا سألت رواد المقاهى المتجمعين أثناء مباريات ليفربول أمام أى فريق آخر وكأن المنتخب الوطنى الذى يلعب، أعتقد، من وجهة نظرى، أن الأمر محسوم لنجم ليفربول نظرًا للنجومية الطاغية والشهرة التى حققها عالميًّا، عكس لاعب الأهلى السابق، الذى ظل حبيسًا للنجومية المحلية فقط.. إذن «محمد صلاح هو أسطورة العصر الكروى الحديث.. وليس أبوتريكة».