اغلق القائمة

الإثنين 2018-11-122017

القاهره 07:50 م

عصافير النخبة فى عش الوطن

الأحد، 17 سبتمبر 2017 09:29 ص

 
بص العصفورة.. بصيت، اتضحك عليك، إذن حان الآن التوقيت الرسمى لمعرفة من أين تأتى عصافير الإلهاء الطائرة فى سماء مصر.
 
كانت لعبة لإلهاء الصغار، ثم تحولت إلى سلاح تستخدمه الحكومات حينما تسقط فى فخ الأزمات الكبرى، ثم تلاعب بها الخصوم للتغطية على نجاحات السلطة التى يعادونها، ثم صدرت أحدث إصدارات اللعبة من قبل أهل النخبة فى مصر، فى محاولة لإلهاء جموع الناس عن عجز كثير من مثقفينا ونوابنا وسياسيينا ومفكرينا وأهل إعلامنا، عن المشاركة الفعالة فى دفع أمور هذا الوطن إلى الأمام.
 
توقفت الحكومات ولو قليلًا عن استخدام لعبة «بص العصفورة» لإلهاء المواطن عن الأزمات، فما يطير فى سماء أقاليم مصر يكفى ويفيض لإشغال المواطن عما يحدث فى غرف الساسة، وساحات العمل العام، ربما ظروف المنطقة الصعبة، والتحديات التى تواجهها مصر اقتصاديًا واجتماعيًا فى الفترة الأخيرة، وجدت صدى من الاهتمام والوعى لدى المواطن البسيط أفضل من ذلك التأثير الذى أحدثته فى عقول أهل النخبة، هكذا جرت العادة.. يحمل البسطاء هموم الوطن فوق أجنحتهم، ويحلمون بمستقبل أفضل، بينما ينشغل أهل النخبة بمصالحهم الخاصة ومكاسبهم الشخصية على حساب المصلحة العامة، حتى ولو حصدوا تلك المكاسب فوق جثة الوطن ذاته.. تخبرنا وقائع ما بعد ثورتين بذلك، والشوارع تشهد بأن المواطنين كانوا فى الشوارع لأجل الصالح العام، بينما أهل الثقافة والسياسة والإعلام كانوا فى الغرف المغلقة يتصارعون على نصيبهم من «التورتة».
 
تشهد سماء المحروسة الآن مهرجان العصافير الطائرة، فتح لها الأقفاص وسمح لها بالطيران بعض من أهل النخبة فى مصر.. مبدأ حسن النية يفرض علينا الاعتقاد بأن كثيرًا منهم أطلق عصافيره التى تلهى المواطن عن تحديات الوطن دون قصد، والبعض منهم يخبرنا الواقع أنه يطلق عصافيره لإلهاء المواطن عن كل ما هو إيجابى باختلاق معارك تبدو تافهة، لكنّ آثارها الجانبية تسهم فى تفكيك المجتمع.
 
ستبدو الأمور أوضح حينما تنظر إلى هذه النماذج، فى الوقت الذى يحتفى فيه العالم بالإصدار الجديد من «أيفون»، ويبحث البعض الآخر فى المسببات التى وصلت بشركة «أبل» إلى هذا القدر من التطور التكنولوجى والعلمى، وتنشر الصحف الإسرائيلية تقارير تدعو الجهات البحثية فى تل أبيب إلى ضرورة مناقشة ما الذى ينقص البحث العلمى الإسرائيلى حتى يصل إلى تلك المرحلة القادرة على منافسة الشركات الكبرى مثل «أبل» وغيرها.
 
وفى الوقت الذى تنتفض فيه مراكز البحث والجامعات الأمريكية لدراسة آثار التطور التقنى للهواتف الذكية على المجتمع، وتنشر مراكز الأبحاث عشرات الدراسات عن كيفية حماية المجتمع والحياة الشخصية للمواطن الأمريكى من الاختراق، نعيش نحن هنا فى مصر والوطن العربى فى وادٍ آخر، ونستقبل ما استقبله العالم علميًا بالبحث والدراسة بإطلاق عصافير تلهينا عن القضية الأهم، وهى البحث العلمى والتطور التكنولوجى، وتشغلنا بهل التطور التقنى الجديد فى الهواتف الذكية الذى يستخدم بصمة الوجه حرام أو حلال، وهل هو اضطهاد للمنتقبات أم لا؟.. هذا ما جرنا إليه بعض المتطرفين ورجال الدين حينما اعتبروا أن التقنية الجديدة فى هواتف «أبل» هى حرب على الإسلام والمنتقبات، وبدلًا من أن نناقش تأخرنا فى البحث العلمى، دخلنا فى جدال حول كيف تستخدم المنتقبة الهاتف الجديد، وهل يجوز لها أن تفعل ذلك أم يقاطع المسلمون استخدامه ردًا لاعتبار المنتقبة المسلمة؟
 
فى نموذج آخر تبدو عصفورة الإلهاء أكثر فجاجة.. وطن يحارب تطرف وإرهاب، يستنجد بعلمائه وشيوخه للاجتهاد فى تطوير الخطاب الدينى، ولكنه يفاجأ بأستاذ فقه مقارن بجامعة الأزهر، ومعه شيوخ من التيار السلفى يتركون قضية الدين والوطن الأهم، ويملأون سماء الساحة الفكرية بعصفورة إلهاء من خلال فتوى جديدة حول جواز أن يقوم الزوج بتصوير العلاقة الجنسية مع زوجته والاستمتاع بها، ويفاجئنا رجال الدين بنقاش كبير حول هذا الأمر، وكأن كل مشاكل الدين ومشاكل مصر فى انتظار الإجابة عن هذا السؤال كى نمضى قُدمًا نحو المستقبل، وصدمنا العالم الأزهرى بإجابته حينما قال إنه يجوز تصوير العلاقة بين الزوجين بشرط الاستمتاع، دون أن يدرس واقعنا الذى يخبرنا عبر الأوراق الرسمية فى محاكم الأسرة بأن 2600 زوجة مصرية تقدمن بدعاوى طلاق خلال 2017 فقط، يشتكين فيها من استخدام الصور الخاصة لتهديدهن، وابتزازهن من قبل الأزوج بفيديوهات تم تصويرها فى لحظات حميمية، هذا بخلاف 1700 زوجة قدمن بلاغات فى أقسام الشرطة بعد تصوير أزواجهن فيديوهات جنسية دون علمهن، وابتزازهن لدفع مبالغ مالية..
 
لا يختلف الأمر هنا عن النخبة السينمائية التى تنكرت لقيمة ومضمون ظهور فيلم سينمائى بمحتوى مغاير ومختلف مثل فيلم «الكنز»، وبدلًا من تشجيع العمل ومناقشة محتواه، دعمًا له فى مواجهة المحتوى السينمائى الذى سيطرت عليه العشوائيات والبطجية، أطلق أهل السينما عصافير ألهاء اختلقت أزمات حول شباك التذاكر وترتيب الأسماء على «الأفيش».
عمومًا تبدو عصافير النخبة مزعجة بإهدارها طاقات ووقت هذا الوطن فيما هو ليس على رأس أولوياته، وفيما لا يناسب قدر تحدياته، ولكنها فى الوقت نفسه كاشفة لطبيعة المناخ الاجتماعى الذى تسيطر عليه مجموعة من المثقفين ورجال الدين، بعضهم فاقد لإدراك احتياجات الوطن، والبعض الآخر مستعد تمامًا لأن يسهم فى خلق أجواء مرتبكة فى قلب المجتمع مقابل تحقيق مصالحه الخاصة.