اغلق القائمة

الجمعة 2018-09-212017

القاهره 02:28 م

وائل السمرى

عن مقولة «الدور على الشعب بقى»

الأربعاء، 12 يوليه 2017 03:00 م

فى أحد البرامج الإذاعية، زف المذيع خبر تدشين خدمة جديدة لأتوبيسات النقل العام، خدمة مميزة، عربات مكيفة، التزام صارم، كاميرات مراقبة، مواعيد ثابتة، خدمة يراها المذيع «جميلة ونظيفة ومتطورة»، وأنا أيضا أراها كذلك، لكن المذيع المتحمس لأى شىء جديد يراه فى بلده، اختتم كلامه بالقول: «الدور على الشعب بقى فى المحافظة على هذه الخدمة»، وكان القصد من ترديد هذه المقولة أن يؤكد المذيع أن الحكومة فعلت ما عليها ووفرت خدمة مميزة للجمهور وأن «الدور والباقى على الشعب» الذى يتهمه الخطاب الإعلامى الرسمى والأهلى عادة بأنه أساس كل المصائب وأس كل الشرور، وفى الحقيقة إننى أرى أن هذا الحديث، وإن كان يحمل الكثير من قيم الإيجابية، مستفزا للروح الوطنية داخل القلوب حديث تقليدى لا يغنى ولا يسمن ولا يأتى بأى خير، فالشعوب عادة ليست ملائكة، والناس ليسوا سواسية، فمن الناس من تربى على الحب والخير والجمال والسواء النفسى، ومنهم أيضا من تربى على الكراهية والشر والقبح والشذوذ، وإذا تركنا «الدور على الشعب» وحده فإننا بهذا الأمر نسلم مستقبلنا إلى المجهول.
 
نعم للشعب دور فى الحفاظ على موارده وخدماته ومرافقه، لكن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالإيمان، وفى جميع الثقافات والأديان والمجتمعات لم يترك أى نظام حاكم فى العالم مسألة منع الأذى للإيمان بالوطن فحسب، فهناك شىء اسمه القانون، وهناك شىء اسمه العدالة والمساواة، وهناك شىء اسمه ثواب وعقاب، ومن المفترض أن يرسخ النظام حاكمية القانون فى القلوب حتى يصير القانون من مفردات الفطرة فى الإنسان المصرى.
 
«وأين ضمير الناس؟» هذا السؤال سألنى إياه أحد أصدقائى، وأجبته: نعم الاحتكام إلى الضمير أمر ضرورى، لكن علينا أن ندرك أننا نعيش فى مرحلة صعبة من مراحل تاريخ الشعب المصرى، وليس خافيًا على أحد أننا نعيش موجة انحدار أخلاقى غير مسبوقة، ولهذا فمن العبث أن نحتكم إلى الضمير فى حين أننا لم نزرع الضمير أصلاً، وزراعة «الضمير» هذه لا تتم إلا بتطبيق القوانين بصرامة وتطبيق العقوبات بصرامة أيضا، ودعنى أضرب لك مثلا حيا مازلنا نرى بعض آثاره، ففى مترو الأنفاق مثلا برغم ما يتعرض إليه الآن من تدهور فإنك نادرا ما تجد أحدا يشرب سيجارة أو يلقى بشىء على الأرض، وهذا ليس بسبب رقى الشعب أو «ضميره الوطنى»، وإنما بسبب تأسيس «ضمير» فى بداية إنشاء المترو، قائم على فرض عقوبات على كل من يدخن أو يشوه، والخلاصة، هى أنه يجب علينا أن نؤسس ضميرا قبل الاحتكام إلى ضمير، ومناشدة الشعب القيام بدوره.