اغلق القائمة

الأحد 2018-11-182017

القاهره 07:50 ص

وائل السمرى

شعوذة فى إذاعة رسمية

السبت، 13 مايو 2017 06:14 م

المصادفة غير السعيدة هى التى جعلتنى أنتبه إلى تلك الحالة التى لا أجد لها وصفا مهذبا يليق بها، فقد كنت أقلب بين محطات الإذاعة بعد منتصف الليل حتى استقر المؤشر على إذعة الشرق الأوسط «الرسمية» فهز مسامعى صوت أشبه بصوت العواء مصحوبا بأصوات متداخلة تبث أجواء الرعب والإثارة، صرير أبواب قديمة، رياح عاتية، أصوات حيوانات، توليفة تعمد مؤلفها أن تكون مفزعة، سألت نفسى: ما هذا؟ وكان الجواب بعد دقائق قليلة من حديث المذيعة وضيفها، وياله من حديث غريب.
 
الضيف اسمه «محمود صلاح» وقد وصفته المذيعة بـ«الدكتور» الباحث فى علم «الميتافيزكس» وهنا بدأت أسأل نفسى: أى علم هذا يسمى بالـ«ميتافيزكس»؟ فكلمة ميتافيزيقا– اليونانية الأصل– تعنى من ضمن ما تعنى «غير العلمى» أما الأشياء العلمية فاسمها «فيزيقا» وقد أطلق الكتاب والمفكرون كلمة «ميتافيزيقا» على الأشياء الغيبية أو الأشياء التى لا تخضع لشروط البحث العلمى، وبهذا تصبح ترجمة التخصص الذى يدعيه هذا «الدكتور» هو «علم اللاعلم» فالفيزيقا والميتافيزيقا شيئان متناقضان تناقض الماء والنار والصباح والمساء، ولا يوجد فى القاموس البشرى ما يمكن أن نسميه «نار مثلج» أو «صبح مليل» فأى كفر هذا الذى تحمله أول قصيدة إذاعة الشرق الأوسط؟
 
تكلمت السيدة المذيعة والسيد الضيف واستقبلا العديد من المكالمات الهاتفية من جماهير المستمعين، فظهرت حقيقة البرنامج المشعوذة الدجلية بامتياز، فقد دار الحديث كله حول الأشباح الهائمة التى تظهر فى الليل وما يدل عليه هذا الظهور من وجود كائنات غيبية أو وجود جريمة قتل مخفية فى هذا المكان، ثم جاءت مكالمة من رجل يدعى «أيمن» يزف فيها البشرى للسيد الضيف شاكرا إياه، فقد نصحه «الدكتور» محمود صلاح بأن يأتى برجل ليخرج الأعمال السفلية من بيته بعد أن رأى العديد من الظواهر الغريبة، فأفتى «صلاح» بأن سبب ظهور هذه الأشياء هو وجود «عمل سفلى» وليس وجود «جَسوم» كما يعتقد الأستاذ «أيمن» الذى سمع الكلام وجاء ليتصل فى الحلقة التالية ليشكر «الدكتور» الذى تنفس الصعداء كنبى تحققت نبوءته، مبديا ارتياحه الشديد لأنه أرشد الحائرين إلى الطريق القويم.
 
هذا ما تبثه الإذاعة الرسمية فى عقول المستمعين، وهذا هو حال الجهاز الإعلامى الرسمى وحال القائمين عليه، يأتون بالدجالين المشعوذين ليحشروا فى عقول الناس جهلا وتغييبا، وهو أمر لا يستحق التوقف أمامه أو إيقافه فحسب، وإنما يستحق المحاكمة العاجلة لكل من سمح بتمرير هذه الخرافات إلى عقول المستمعين فيزداد الجاهل جاهلا ويزداد المشعوذون علوا وتنحدر البلاد أكثر وأكثر فى مستنقع الخرافة.