اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-11-132017

القاهره 12:16 ص

أحمد إبراهيم الشريف

منصورة عز الدين تحكى عن أوجاع الإنسان

الأربعاء، 08 مارس 2017 08:00 م

«تخيلوا معى مقعدا خشبيا فى الباحة الأمامية لبيت على ضفة «الفلتافا» قريبا من جسر تشارلز».
 
«تخيلوا معى..» هكذا تبدأ المبدعة منصورة عز الدين روايتها الجديدة «أخيلة الظل» الصادرة عن دار التنوير، وهاتان الكلمتان ليستا مجرد «بداية» اقتضتهما ظروف الكتابة، لكنهما جوهر الرواية وأصلها، فالكاتبة تضع شروطها أولا، هى تريد قارئا يعرف قيمة الخيال ودوره فى صناعة السرد، بل ويراهن عليه ليصل إلى المتعة والمعرفة.
 
تريد منصورة عز الدين أن تقول فى روايتها المهمة «إن كل ما نحن فيه ضرب من الخيال» وفى الوقت نفسه تقول لك «كل ما نحن فيه واقع أليم» لأن كل شخصياتها المتخيلة هى جزء أساسى من واقع العالم المرير، وكل واحد منا به بعض «حزن» أبطال هذه الرواية.
 
فى الرواية لدينا كاميليا «المندهشة من أنها صمدت فى تقبل حياتها المضجرة كل هذه السنوات»، وأولجا «التى لا تحب متاهات التفاصيل»، وفلادمير «عاشق اللون الأزرق والسائر دوما»، وساندور «عازف البيانو الذى يحدق فى أصابعه ويحب زهور البيلسان»، وروز «العائشة بالذنب والتى حلمت بأنها وردة»، وآدم «الذى فى سكون القبو أشرق عقله بفكرة أن أسوأ الشرور مغروسة بداخلنا»، وآميديا «الفاشلة فى صنع قطيعة مع ماضيها»، ودولت «الباحثة عن بطل»، و«فريدة «متقبلة الهزيمة»، ومجدى «محب الليمون» ومنير «لن نستطيع اختصاره فى جملة واحدة»، لكل واحد من هذه الشخصيات «وجعه» الممتد داخل الرواية، التى أجادت منصورة عز الدين رسمه وتقديمه بحيث تكتمل الحكاية وتتقاطع المصائر وتلتقى، صانعة عملا مكتملا يحكى قرابة ثلاثة أجيال من عمر العالم، فكل الشخصيات، هنا، لديها أزمات داخلية، كما يتحكم فيها إرث قديم، وتسيطر عليها حكايات قوية، هذه الحكايات لها مؤشرات منها الألوان والروائح والورود والموسيقى التى تنتشر فى كل أرجاء الرواية، ومن خلالها يتم الكشف عن الناس والأحداث والثقافات المختلفة للجميع.
 
يحسب للرواية بقوة أنها توقفت عند الحروب والقهر والاضطهاد والاستضعاف والعنف الذى يمارسه الإنسان طوال الوقت ويفقد فيه آدميته، ولعل حكاية «آميديا» بثقافتها الآشورية هى الدليل الأكبر على ذلك.
 
كما أن طريقة السرد تحمل فى داخلها نوعا من عروض «خيال الظل» فهناك من يمسك بخيوط اللعبة كاملة، ويعرف أن البعد المكانى والزمانى لا ينفى التقارب النفسى ولا الشعور بالقلق والخوف، كما أننا ندرك فى النهاية أننا محض رواية يكتبها أحدهم فكل منا يكتب حياة الآخر، فـ كاميليا تحلم بـ«أولجا» وهى بدورها تكتب قصة كاميليا.. وهكذا.
تراهن منصورة عز الدين على الكتابة الجادة، فلم تسقط بروايتها فى مغازلة «مراهقى القراءة» الذين أصبحوا يفرضون كلمتهم الآن لأنهم يصنعون «البيست سيلر»، هى تكتب الرواية كما تعرفها وتفهمها وتحبها، وتعرف أن هناك قراءً شغوفون بالحقيقى ومستعدون معها للبحث عن الخيال والعيش فيه.