اغلق القائمة

الأربعاء 2018-09-262017

القاهره 06:58 ص

وائل السمرى

يوم أن باع صلاح عيسى القضية

الأربعاء، 27 ديسمبر 2017 03:00 م

كنت حديث عهد بالوسط الثقافى ومعاركه، وكانت كل علاقتى بالوسط الثقافى تتلخص فيما يتعلق بالشعر فحسب، وفجأة وبلا مقدمات امتلأ الحديث فى الوسط الثقافى بجملة واحدة هى «صلاح عيسى باع القضية»، وكانت الردود تتراوح ما بين «أه للأسف» و«معقولة إزاى ده» ثم يبدأ مفجر الجملة المتكررة ذكر حيثيات البيع، وما هى إلا دقائق حتى تكتشف إن الصفقة الحرام التى نزلت على الجميع كالصاعقة تتلخص فى أن الكاتب «الصحفى» صلاح عيسى أصبح رئيس تحرير جريدة القاهرة، ولا مجال هنا للسؤال عن مدى الجرم الذى ارتكب لمجرد أن صحفيا أصبح رئيس تحرير، وهل من المفترض أن يصبح الصحفى مدير مستشفى الهرم مثلا لكى لا يتهم بالخيانة وبيع القضية؟ لكن بالطبع مثل هذه الأسئلة كانت من أشد المحرمات وأكبر الكبائر.
 
فى هذا التوقيت كان الكثير من أهل «الوسط الثقافى» يعتبرون أن التعامل مع الدولة أشد إجراما من التعامل مع إسرائيل، وبالطبع كانت جريدة القاهرة من منابر الدولة، أو بالأصح من منابر وزارة الثقافة التى كان يتولاها الفنان الكبير فاروق حسنى، وزير الثقافة الأسبق، والذى أدركنا لاحقا أننا ظلمناه ظلما كبيرا بهجومنا الدائم عليه وهو الذى كان يعد نموذجا لما يجب أن يكون عليه وزير الثقافة من علم واطلاع ورؤية واستيراتيجية وإرادة، لكن هذا كله لم ندركه ولم ندرك أيضا أن تولية صلاح عيسى لرئاسة تحرير القاهرة كانت نصرا ثقافيا كبيرا، فلا خلاف على قيمة صلاح عيسى ولا خلاف أيضا على قامته، لكننا لم نكن ندرك أن غاية الإصلاح فى بلادنا هى أن يتولى الرجل المناسب الموقع المناسب، وهو ما يعد غاية أى «ثورة» وغرض أى «إصلاح».
 
كان الوسط الثقافى يعانى - ومازال – من العديد من الأمراض أهمها وهم الشعور بامتلاك الحقائق المطلقة، وهذا الداء تحديدا هو ما جعل بعضهم ينصبون له المحاكمات ويكيلون له اللكمات، لكن «عيسى» لم يلتفت إلى هذا كله، وظل على قناعته الراسخة بأن مهمته هى أن يصنع جريدة «محترمة» يحترمها القارئ ويفهمها لتكون جسرا ناعما بين الثقافة والجمهور، وما هى إلا أعداد قليلة حتى تكالب أكثر الشاتمين المعارضين على النشر فى جريدة القاهرة التى أصبحت بعد أشهر معدودات دستور المثقفين الذى يصدر كل أسبوع، ويوما بعد يوم أثبت صلاح عيسى للجميع أنه أبقى من غثائهم، وإنه لم يعمل عند الوزارة أو الوزير، وإنما كان يعمل عند البلد والقارئ مخلصا لبلده وقارئه وتاريخه وأفكاره الشجاعة الجسورة، ومؤكدا على أهمية الثبات على الحق، حتى وإن هاجمك المتنطعون.