اغلق القائمة

الإثنين 2018-11-192017

القاهره 05:09 ص

وائل السمرى

نزيف الأمكنة

الإثنين، 18 ديسمبر 2017 03:00 م

اشتعل الغضب فى نفوس كل محبى الإسكندرية للدرجة التى جعلت الفنان الكبير فاروق حسنى، وزير الثقافة الأسبق، ينفجر غضبا مستغيثا بالرئيس عبدالفتاح السيسى من أجل إنقاذ مدينة الإسكندرية من موجات هدم المبانى التراثية فيها والتى كان آخرها محاولة هدم عمارة «راكودة» التاريخية التى تعتبر أشهر عمارات الإسكندرية وأجملها، وفى الحقيقية فإنى أضم صوتى إلى صوت الفنان الكبير فاروق حسنى متضامنا مع ندائه هذا، فما يحدث الآن لا يمكن وصفه سوى بالتدمير المتعمد لتاريخ مدينة كانت من أروع مدن العالم، لكنا الآن تنزف نزيفا مؤلما، وفى كل قطرة دماء تخرج من هذه المدينة العظيمة، تخسر مصر قطعة من تاريخها وجزء من تاريخا.
 
قد يتساءل البعض: لماذا تثور ثائرة المثقفين كلما هدمت عمارة قديمة ذات طراز معمارى مميز؟ وفى الحقيقة أنا لا ألوم صاحب السؤال هذا أبدا، لكنى ألوم تلك المناهج التعليمية التى حرمت الناس من تذوق الجمال المحيط بهم، وجعلت من العشوائية قانونا سائرا لدرجة أن يستغرب البعض من صرخات البعض الآخر من أجل الحفاظ على هذا الجمال، وتبدو المقارنة مؤلمة إذا ما علمنا أن غالبية العمارات والفيلات الجميلة ذات الطراز المعمارى المتميز بنيت فى فترة الاحتلال الإنجليزى لمصر، وأشرف على بنائها- فى الغالب- مهندسون أجانب، فكيف يبنى الأجانب كل هذا الجمال، ونفشل نحن ليس فى مضاعفته فحسب بل فى الحفاظ عليه.
 
تتشكل هوية المكان وروحه من تلك المكونات البسيطة، عمارته، فنونه، طابعه الجغرافى، مساحاته المفتوحة، مساحاته الخضراء، تخطيط شوارعه وميادينه، الأماكن الثقافية المنشأة فيه، وأى اختلال فى تلك المكونات يشوه هذا المكان ويمحى هويته، فلماذا نصر كل هذا الإصرار على قتل مدننا الجميلة بهذا الشكل الغادر؟ ولماذا نسير على كل ما فاته أجدادنا آباؤنا بالممحاة؟ صحيح من بنى هذه المنشآت كما ذكرت أجانب، لكن من كلفهم بالبناء مصريون، ومن عاش فيها مصريون، والتاريخ يقدر الفنانين، كما يقدر رعاة الفنانين الذين ينفقون من مالهم وأعمارهم من أجل الجمال، وخير مثال على هذا هو تقدير تاريخ الفن جيدا لعائلة ميديشى التى رعت غالبية فنانين عصر النهضة فى إيطاليا، لأنه ببساطة لم يكن لهؤلاء الفنانين العظماء سبيل للتمكن من صنع كل هذا الجمال سوى بهذه الرعاية التاريخية من هذه العائلة، فلماذا نصر على الخروج من التاريخ من جميع أبواب الخروج، ولماذا نشد الرحال من أجل الدخول إلى خرائب القبح ونأتى إليها من كل فج عميق؟