اغلق القائمة

السبت 2018-11-172017

القاهره 04:27 ص

أحمد إبراهيم الشريف

أشياء ليس لها كلمات.. هواجس جرجس شكرى عن الوحدة

الأربعاء، 22 نوفمبر 2017 10:00 ص

«أكتب لك فى هذه الساعة/ التى ينام فيها الأحياء مع الموتى/ فلا تذهب بعيدا/ نحن لا نعرف أين نذهب/ فكيف نقدر أن نعرف الطريق»

.. هذه الجملة الشعرية هى الأخيرة فى ديوان «أشياء ليس لها كلمات» الصادر، مؤخرا، عن دار نشر آفاق، للشاعر جرجس شكرى، وهى ليست مجرد خاتمة لديوان لكنها إشارة قوية لما أراد الديوان قوله طوال قصائده الثمانية.
 

«حين يصل الصباح على عربة يجرها الموتى/ يصل باكيا، وتسقط عيوننا على الأرض»

، يقف جرجس شكرى فى ديوانه على مقربة من الأشياء يبصرها جيدا ويتأملها، ومع ذلك يعترف، رغم اقترابه، أن التعبير عنها صعب جدا، وأنها مجرد أشياء ليس لها كلمات «كافية» يستطيع أن يستخدمها فى التأمل أو الشرح أو التفسير، هذه الأشياء تنتشر على طول الديوان، وهى متعددة منها، الموت والوحدة، والخوف.
 

«رتبوا كل شىء كما يجب/ الندابة جاءت بعيون تملؤها/ الدموع/ ومعها من الحزن/ ما يكفى أياما كثيرة»

.. أما الحزن المرتبط بالغربة، والماضى المثقل بالذكريات غير الجميلة والمقارنات التى لا تكون فى صالح المستقبل، فقد أجاد جرجس شكرى زراعتها على حواف قصائد الديوان طوال الوقت.
 

«هل كان علىَّ أن أذهب إلى هناك/ وحيدا/ حاملا الخوف والأحلام/ أتوه فى شوارع غريبة/ أتوسل إليها أن تختبئ/ وتمنحنى غرفة للبكاء»

.. ما يميز قصيدة جرجس شكرى ويمنحها خصوصيتها، أن الجملة الشعرية لديه لا تثقل نفسها بالكلمات إلا على قدر الحاجة، لكنها فى الوقت نفسه، تملك اتساعات دلالية لا تُحد وتأويلات لا تنتهى، وفى رأيى أن ذلك هو ما يمنح قصيدة النثر «قيمتها»، فهى «نص» لا يحب الطنطنة ولا الإسهاب، لكنه يرمز ويشير فقط، وجرجس شكرى أدرك ذلك جيدا، لذا جاء الديون لا يعانى من أى ترهلات كتابية بل منطلقا نحو هدفه فى «رشاقة» واضحة.
 

«سأغلق مسرحى هذا المساء/ وأطرد الممثلين خارجا/ يدى اليمنى سأتركها تفرح/ مع قهوتى السوداء وسيجارة وحيدة/ أما يدى اليسرى/ أعرف أنها تفضل البقاء عند النافذة/ ربما تفعل شيئا ضد العالم»

.. يرى جرجس شكرى أن العالم اختل إيقاعه بشكل فج، وأن الأمل فى القصيدة، لذا يسعى دائما لوضع إيقاع خاص له، فلا يسقط الإيقاع من نصه، بل يقدمه بشكل منتظم تقريبا، فلن تجد كلمة «مقلقة» فى مكانها، ولم يعمد إلى ألفاظ غريبة عن السياق الصوتى، بل هناك انسجام فى تركيب الجمل وتقارب فى الحروف، بينما الجمل «قصيرة» مكتفية بذاتها تقريبا.
 

«سلم عليه كثيرا وأبلغه أننا لسنا بخير/ قل له إن البيوت سقطت من نوافذها/ فصرنا عراة إلا من الخوف/ ننام مبكرا ونموت مبكرا/ فلا تذهب وحيدا»

، مما يحسب للديوان أنه رغم كون «الوحدة» موضوعه المفضل، إلا أنك بعدما تنتهى من القراءة ستعيد القراءة مرة أخرى لأنك تجد شبح نفسك مارا بين القصائد تبحث مع الشاعر عن كلمات للأشياء الكثيرة فى العالم التى لا يمكن أن نحدها أو نحيط بها. وأقول عن نفسى تعجبنى قصائد النثر التى تجبرنى على قراءتها أكثر من مرة، استمتاعا وليس إغلاقا، ولا بحثا عن مدخل، وديوان «أشياء ليس لها كلمات»، فعل ذلك حتى أننى بعدما انتهيت من الكتابة عنه، ها أنا أعيد قراءته مرة أخرى.