اغلق القائمة

الجمعة 2018-11-162017

القاهره 01:17 ص

دندراوى الهوارى

حضر «الإرهابى» وغاب «عماد أديب».. وقصة الورقة «الدوارة» فى الإعلام!

الإثنين، 20 نوفمبر 2017 12:00 م

الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة، وإذا كانت نوايا من اتخذ قرار ظهور الإرهابى عبدالرحيم محمد المسمارى، الليبى الجنسية، والمقبوض عليه فى عملية تحرير النقيب محمد الحايس فى الواحات، على شاشة قناة الحياة، هدفه انتزاع اعترافات من الإرهابى، تبرز حقيقته الإجرامية، وتشويهه للدين، ولكن هل تحقق ما كان ينشده صاحب هذا القرار؟!
 
بمنتهى الأسى والحزن، لم يحقق قرار ظهور الإرهابى على شاشة القناة الفضائية، الهدف منه، نظرا كون المحاور الأستاذ عماد أديب، نال سخطا كبيرا، وتلقى خناجر وسهام الاتهامات بأن طريقته فى حوار الإرهابى الليبى، كانت ضعيفة، وهادئة، ولم يستطع انتزاع اعترافات منه تثير غضب المتابعين، والسخط على أفكاره وطرحه، وكاد من فرط هدوء ورتابة الحوار أن ينادى المحاور على الإرهابى «بسعادة الإرهابى المحترم!!».
 
إذن النوايا كانت حسنة، ولكن التخطيط وتقدير الموقف، كان سيئا من حيث اختيار المحاور بالدرجة الأولى، وعدم الاستعانة بالدكتور أسامة الأزهرى، أو عالم أزهرى ليشارك فى الحوار، ولديه القدرة على دحض أفكار وأطروحات هذا الإرهابى الخطير، لا أن نكتفى بمحاور ثقافته تتركز فى السياسة الخارجية، والاهتمام بالشأن العام، وبعيد كل البعد عن الثقافة والإبحار فى العلوم الشرعية والفقهية، لذلك خرج الحوار بالشكل الذى أغضب المصريين، لخلوه من أنياب حقيقية، وهدوء شديد يصل إلى حد النوم، وظهر ذلك من خلال حملة الغضب ضد الأستاذ عماد أديب على مواقع التواصل الاجتماعى!!
 
وللأسف، فإنه من الواضح أن الذى اتخذ قرار محاورة الإرهابى المقبوض عليه فى عملية الواحات، هو ذاته الذى اتخذ قرار محاورة شقيق وزوجة الإرهابى مفجر الكنيسة البطرسية، وأثارت لغطا كبيرا، وثورة غضب شديدة بين المصريين، ونسأل: هل كانت هناك تقارير تقدير موقف وما سيتمخض عنه الحوار من نتائج، سواء كانت إيجابية أو سلبية؟! وهل يدرك المعنيون بالأمر عقدة «ستوكهولم»؟!
 
وعقدة «ستوكهولم» لمن لا يعرف، ظاهرة نفسية تصيب الإنسان عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال، مثل أن يتعاطف المخطوف مع المُختَطِف، واشتهرت هذه الظاهرة نتيجة الحادث الذى وقع فى مدينة ستوكهولم بالسويد، عندما حاولت عصابة سطو مسلح سرقة أحد البنوك، عام 1973، وخلال عملية السرقة احتجز المجرمون عددًا من موظفى البنك كرهائن لمدة ستة أيام، وخلال هذه المدة أصبح الرهائن متعلقين عاطفيًا بالخاطفين، رافضين مساعدة الأجهزة الأمنية، بل دافعوا عن الخاطفين بعد انتهاء الأزمة، هذه المشاعر تعتبر بشكل عام غير منطقية ومتصادمة مع أدوات العقل فى ضوء الخطر والمجازفة الذى يتحملها الضحية، إذ إنها تفهم بشكل خاطئ عدم إساءة المعتدى له، إحسانا ورحمة، ومن ثم يدين له بهذا الجميل.
 
والشعب المصرى عاطفى بشكل عام، ويتأثر بالأحداث التى تدور حوله ويمكن بسهولة التعاطف مع المجرم، ليس دعما لإجرامه، ولكن من باب التعاطف الإنسانى، وأن الحى أبقى من الميت، وغير ذلك من الأقوال المأثورة، وهناك وقائع عديدة تعاطف فيها عدد من المصريين مع الجانى، وهو الأمر الذى تستثمره بشكل جيد، جماعة الإخوان الإرهابية، وذيولها من التنظيمات المتطرفة، من عينة داعش وتنظيم القاعدة وجبهة النصرة!!
 
تأسيسا على ذلك، فإن سيناريو السماح بمحاورة الإرهابيين على شاشات القنوات الفضائية، محفوف بالمخاطر الجسيمة، فى ظل عدم الترتيب والتنسيق بشكل جيد، ومعرفة ما سيدلى به من معلومات وأراء متطرفة تدفع المتابعين إلى إدانته، وليس التعاطف معه، ولن يتسنى ذلك إلا بالاختيارات الصحيحة بدءا من اختيار المحاور ذى الأنياب والمخالب القوية، ومشاركة أحد المتخصصين فى العلوم الشرعية والفقهية لتفنيد الأفكار المتطرفة بالحجة والدليل!!
 
وللأسف فإن الإعلام تحول فى الآونة الأخيرة، إلى ما يشبه الورقة الدوارة، وهى الورقة الشهيرة لتزوير الانتخابات قبل 25 يناير، عندما تكون هناك ورقة خارج اللجان، مدون عليها اسم المرشح المزمع دعمه، ويسلمها للناخب مقابل مبلغ مالى، بحيث يدخل اللجنة، ويستلم بطاقة التصويت، فيضع الورقة التى تسلمها قبل دخوله اللجنة فى الصندوق ويحتفظ بالأخرى، التى تسلمها داخل اللجنة، حتى يخرج ويسلمها لنفس المندوب، ويحصل على المبلغ المتفق عليه، وتستمر الورقة الدوارة فى تزوير مقنن وشرعى للانتخابات بنفس الأسلوب.
 
ونفس الأمر يحدث مع الإعلاميين، فتجد نفس الوجوه يتنقلون بين القنوات مساء، وبين الإذاعات المختلفة صباحا، ويكتبون مقالات فى الصحف يوميا، ونسأل ما هى العبقرية والإضافات الخطيرة، التى تمكن الإعلامى «الدوار» من أن يقوله حول قضية من القضايا، فى برنامجه الإذاعى صباحا، ومقاله فى الصحيفة اليومية، وفى برنامجه بقناته مساء؟!
 
الإعلامى الدوار، والمتنقل بين القنوات، يُعد تزوير «وعى» أخطر من تزوير «الإرادة» أمام صناديق التصويت فى الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، ومهما كانت عبقرية الإعلامى، فإنه لا يمكن أن يصير رقما صحيحا فى ثلاثة أو أربعة منابر مختلفة، وسيفقد تأثيره ودوره، وسيصاب المشاهد بملل شديد من «رطرطة» ظهوره فى كل المنابر الإعلامية، بجانب جلوسه فى الندوات والمؤتمرات باعتباره خبيرا استراتيجيا، لدرجة أن المشاهد يخشى أن يفتح الحنفية «ينزل» منها «الإعلامى القلوووظى» الشهير!!
 
ويسأل المعنيين بالأمر، لماذا لا تحقق المنابر الإعلامية بكل عناصرها المرئية والمسموعة والمقروءة، أى نجاح يذكر، وما السر وراء التراجع المخيف فى المشاهدة والاستماع والقراءة؟ والإجابة أن المنابر الإعلامية مقتصرة على الاستعانة بنفس الوجوه فقط وبشكل حصرى، فاليوم فى هذه القناة، وغدا فى قناة أخرى وصباحا فى إذاعة «كذا»، وغدا فى إذاعة أخرى، إذن لا تسألوا عن تراجع وانهيار الريادة الإعلامية، واكتفوا بالإعلام «الدوار» على غرار «الورقة الدوارة»!!
 
ولك الله يا مصر...!!