اغلق القائمة

الأربعاء 2018-11-212017

القاهره 03:44 ص

وائل السمرى

محمد عمران.. قارئ الروح والقلب

الجمعة، 20 يناير 2017 08:00 ص

ولد متأخرا، فلم ينضم إلى تلك القافلة المنيرة التى تضم محمد رفعت والبنا ومصطفى إسماعيل والمنشاوى والحصرى وعبدالباسط عبدالصمد، ومات مبكرا فلم يلحق بتقنيات الإعلام الحديثة ليصبح أيقونة من أيقونات الروح المصرية، أحباؤه ومريدوه يلقبونه بالقارئ المظلوم، لأنه لم يحصل حتى الآن على حقه فى الانتشار والرواج، يعرفه أساطين القراءة كما يعرفه أساطين الطرب، فهو الذى أتاه موسيقار الأجيال «محمد عبدالوهاب» ليستمع إليه مع الموسيقار المظلوم أيضا «عبده داغر» فى جلسة حانية حفظها لنا موقع اليوتيوب، ليتمتم عبدالوهاب بعد كل كلمة «الله.. الله يا سيدى.. الله الله الله».
 
هو ابن محافظة سوهاج العفية، ولد فى منتصف الأربعينيات ومات فى منتصف التسعينيات، رحيله السريع يؤكد أن الجمال لمحة خاطفة فى الكون اللاهث، لكنه يؤكد أيضا أن لصوت الجمال صدى غالبا ما يتردد بشكل أقوى بعد الرحيل.. شكل مع «عبده داغر» ثنائيا طربيا فريدا، يغطس داغر فى أعماق الروح مستعينا بأوتار الكمان، ويغطس عمران فى أعماق القلب مستعينا بأوتار حنجرته الهائمة، يخطف روحك بصوته الرجولى الأبى، حنو فريد، ورصانة غير منقوصة، ومتعة لا تعدلها متعة، مصرى حتى النخاع، يتلاعب بالمقامات الموسيقية مثلما يتلاعب طفل بدميته، يذهب يمينًا، يشطح يسارًا، يقفز إلى الأعلى، يهبط إلى أسفل، رشاقة ولياقة لا نجد لها مثيلاً، فالموسيقى عنده فطرة، والموسيقى عنده يقين.
 
وهو قارئ عاشق لا جدال، يقرأ القرآن بروحه المترنحة بين قرار الفخامة وجواب الوصول، وينشد التواشيح، بوجدان حى، يسكن حينما يحين السكون، ويثور حينما تحضر الثورة، يترنم بالكلمات كمن يطبخها على أحسن صورة ثم يتذوقها بلسان ولهان متيم.. فى إحدى جلساته الطربية يحاول الاستئذان للانصراف، فيطلب منه الحضور عدم الاستعجال، يغرونه بكوب من القهوة، ويغرونه بجملة موسيقية رقراقة، فيجلس، يقول ويقول ويقول، تطلع الآه من قلبه طازجة، يأخذك فى جولة كونية على جناح النهاوند، يمتعك حينما يسكنك فى البياتى مرغما، وأنت فى يده كطفل تأكله الدهشة، لا يستقيم لك المقام فى هذا الكون حتى يخرجك على عجل إلى كون آخر، تغمر عينك الألوان، هنا الأخضر أخطر، والأحمر أحمر، والأزرق لا يقاوم، تصعد معه إلى السماء على سلم من غناء، تنتهى وصلته الإنشادية العذبة بعد إلحاح الأصدقاء بالمكوث، فيهم بالانصراف لأنه سيستيقظ مبكرا ليذهب إلى المستشفى، ثم يغيب مشيعا بالنغمات، تاركا صدى صوته جلجلا، فاردا تأثيره على كل من سيأتون بعده باعتباره سبيلا وحيدا لاختبار الأصالة.