اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-09-252017

القاهره 09:11 م

دندراوى الهوارى

قنا.. المحافظة التى سقطت من «قُفة» الدولة وحولتها إلى منفى «2»

الأربعاء، 08 يونيو 2016 12:02 م

انطلقت من فوق أراضيها كل حركات التحرر.. ومع ذلك خرجت من اهتمامات الحكومة

محافظة قنا، بجانب محافظة أسيوط، يمثلان الملامح الأولى للحضارة المصرية فيما يسمى «عصر ما قبل الأسرات»، رسم فيهما المصرى القديم أول ملامح التعايش والتواجد على أرض الكنانة، ولم تكن هناك أية حياة فى مصر، إلا فى منطقتى «البدارى» بأسيوط «ونقادة» فى قنا. ومارس المصرى القديم كل طقوس الحياة فى هاتين المكانين، منذ ما يقرب من 6 آلاف و416 عاما، وتحديدا منذ 4400 عام قبل الميلاد، أى أن قنا سطرت مجدا حضاريا، ونضالا ضد محاولة العبث بمقدرات هذا الوطن لا يضاهيه شعب آخر.

من أراضيها انطلقت كل حركات التحرر الوطنية، وتوحيد مصر، البداية كانت فى عصر الأسرة الأولى، عندما انطلق الملك مينا من طيبة «وهى المدينة التابعة إداريا لقنا حتى وقت قريب» واستطاع توحيد مصر وجمع شتاتها، ثم انطلق منتحوتب الثانى من فوق أراضيها لتوحيد البلاد بعد فترة انهيار استغرق 150 عاما، حسب ما قدرها المؤرخون، عقب الثورة الشعبية ضد الملك «بيبى الثانى»، وهو ما يطلق عليه عصر الاضمحلال الأول، وتمكن منتحوتب من توحيد البلاد وتأسيس الدولة الوسطى. ثم انطلق من طيبة من جديد، أحمس ليحرر البلاد من دنس الهكسوس الذى ظل جاثما على صدر المصريين سنوات طويلة، وأسسوا دولة فى الدلتا عاصمتها «أواريس»، وتمكن أحمس من طردهم خارج البلاد مؤسسا الأسرة الـ«18».

وفى العصر الحديث سجل أبناء قنا انتصارا عظيما ومتفردا، عندما خرجوا لمواجهة الفرنسيين عند قرية «البارود»، ودارت معركة حربية طاحنة، حيث هاجم أبناء قنا جند فرنسا الذين كانوا على ركب أسطول حربى مكون من 12 سفينة، بينها سفينة القيادة «ايتاليا» والتى كان يقودها الأميرال «موراندى» المشهود له بالكفاءة القتالية العالية، ورغم قلة القناويين عددا وعدم امتلاكهم العتاد فى مواجهة أسطول مجهز يقوده قادة عسكريون محنكون، فإنهم نزلوا النيل يسبحون ويهاجمون السفن حتى استطاعوا أن يستولوا على بعضها، ومنها سفينة القيادة (ايتاليا)، وهنا أمر الأميرال «موراندى» بتفجير السفينة بعد صعود القناويين على ظهرها فتناثرت أجساد الشهداء. واشتدت المعركة ضراوة، واستطاعوا أن يقتلوا كل الفرنسيين الذين كانوا على ظهر السفن، والبالغ عددهم تقريبا 500 جندى وضابط وبحار، وعندما بلغت أخبار الهزيمة الساحقة مسامع نابليون، حزن حزنا شديدا، واعتبرها هزيمة قاسية، متوقعا أن تكون بداية تقلص النفوذ الفرنسى فى مصر، وخلّد القناويون هذا التاريخ، الثالث من مارس، عيدا للمحافظة يحتفلون به سنويا.

ورغم كل هذا التاريخ العريق، وحركات النضال العظيمة التى انطلقت من أراضى «قنا»، فإنها سقطت من «قُفة» الدولة طوال العقود الماضية، وحولتها إلى منفى، يتم نفى كل المسؤولين المتورطين فى قضايا إهمال وفساد إدارى وأخلاقى، إلى قراها ومدنها المختلفة، فلم نجد موظفا جيدا، ولا طبيبا كفأ، ولا ضابطا رائعا، ولا محافظا لديه أى مقومات للنهوض والتنمية، فكيف نطلب من مسؤولين وموظفين وضباطا، تتم معاقبتهم بنفيهم لقنا، أن يطوروا ويجيدوا وينهضوا بالمحافظة؟

الاستثناء الوحيد الطاهر، الذى شذ عن القاعدة الفاسدة، هو اللواء عادل لبيب محافظ قنا الأسبق، الذى أحدث طفرة كبرى فى المحافظة فى كل المجالات، واستطاع أن ينفض عن كاهلها كل تراب وغبار وإهمال القرون الماضية، وأعاد بريقها ووجها الحضارى الكبير والعظيم، وأصبح معشوقا للقناوية. وبعد هذا النجاح استكثرته الدولة على قنا فاستبعدته وعينته محافظا للإسكندرية، وكأن قنا لا تستحق محافظا جيدا، أو مديرى مديريات أكفاء، أو ضباطا قادرين على ضبط المنظومة الأمنية بقوة، والقضاء على البؤر الإجرامية فى عدد من قرى ونجوع شمال قنا، والتى أصبحت تمثل خطرا داهما على الدولة قبل المحافظة.

محافظة قنا، سقطت من أجندة و«قُفة» الدولة، لا مشروعات، ولا مستشفيات، فالمريض يتكبد عناء السفر إلى أسيوط أو القاهرة ليتلقى العلاج، ولا مشروعات خدمية من أى نوع، فلا مكتبات، ولا قصور ثقافة تعمل، ولا دور سينما لائقة، ولا مسارح، ولا أندية اجتماعية مهمة، وكأن قنا ليست من ضمن الخريطة الجغرافية للقطر المصرى الشقيق. إذن لا نبكى على سيطرة التيارات الدينية، بديل الدولة فى عقد المصالحات العرفية، وتوزيع السكر والزيت والبطاطين، وإنشاء مستوصفات طبية حتى وإن كانت تحت «بير السلم»، ولا ننزعج من ميليشيات البلطجية المسلحة بكل أنواع الأسلحة المتطورة!!