اغلق القائمة

السبت 2018-11-172017

القاهره 09:27 ص

أحمد إبراهيم الشريف

فى «اتجاه المرج» قصة مدينتين وإنسان

الأحد، 06 نوفمبر 2016 08:15 م

«زمن الرواية» مقولة قالها جابر عصفور ومر، وتركنا نبحث عن المقصود بالرواية وحالها ورجالها وزمنها، ومحاولة فهم سقوطنا فى دائرة من المتشابهات والحكايات المكررة، التى من كثرتها أصبح الحال راكدا وصامتا وساكنا، وقلما يجرح السكون كاتب مميز يعرف ما يقوله ويفهمه، ومن هؤلاء الكتَّاب على سيد على فى روايته «اتجاه المرج».
 
«هوه انت كنت رايح تعمل شغل عن إيه فى تركيا؟/ عن الإخوان يا ستى/ شوفتهم؟» بهذه الكتابة الرشيقة ستعرف أن «على سيد» يدرك أن كل شىء تطور، وأن الكتابة اختلفت تقنياتها، وأن فى ذهنه معنى واضح للرواية، وبعيدا عن التنظير قرر أن يكتب «اتجاه المرج» الصادرة عن دار روافد للنشر، بهذا المعنى الحديث للفن الروائى، فحكى قصة يوم واحد فى حياة إنسان مصرى مهموم خرج من بيته وذهب إلى عمله وعاد، لكن التفاصيل أبدا لم تكن بهذه السهولة، فالرجل المثقل بالوعى كان يخشى ضياعه وغياب إنسانيته لذا سعى لرصد لحظات يومه وما تتداعى به الذاكرة حتى لا تسرقه الحياة.
 
بوعى تام جعل «على سيد» فى الرواية زمانين وجعل بها مكانين، فيما يتعلق بالزمن جاءت أحداث الرواية الكبرى فى يوم واحد، لكنها ترسل شجونها إلى رحلة استمرت أسبوعا لتقصى حال الإخوان فى تركيا، وإلى ذكريات طفولة فى الثمانينيات، حيث الأحلام المجهضة بالسكن فى منطقة زراعية وانتظار الأب العائد من عمله بالتهليل، أما المكان فالقاهرة وإسطنبول معا فرسا رهان هذه الرواية، هو لا ينتصر لإحدى المدينتين على الأخرى، لكنه يتصيد إحساس البهجة فيهما فبينما يجلس فى مقهى يستمع إلى نجاة تغنى «وبعتنا مع الطير المسافر جواب» يتذكر فى تركيا عازف عجوز صادفه فى ليلة ممطرة يعزف على آلة تركية وترية تشبه العود لحن «أنت عمرى».
 
يدرك «على سيد» أن الحياة لا تحب البلاغة، فهى تقول لنا الأشياء مرة واحدة، لا يهم مدى الصدمة التى تصيبنا، شردت البعض وجعلت المؤسسات خاضعة لغير الموهوبين الذين لا يعرفون أورهان باموق وناظم حكمت، لذا يرى أن الرواية أيضا لا تحتاج إلى البلاغة التقليدية المتشكلة من تشبيه وكناية واستعارة، هناك بلاغة أخرى تقوم على التجسيد والتداخل والقدرة على قول ما يعجز البعض عن التلفظ به.
 
رواية «اتجاه المرج» تحكى عن مدينتين وإنسان تاه بينهما وأصبح حاله موزعا بين شقيقه المظلوم المشرد فى بلاد الناس المتظاهر بالقدرة على الحياة هناك، وبينه هو الضائعة حياته فى المترو ومكاتب العمل والمقاهى وجلسة الأصدقاء، ما فعله «على سيد» شىء جديد يحسب له كلية، وسينتبه النقد ذات يوم لهذه الطريقة فى الكتابة المتضمنة اقتباسات من كتب ربما لتمنح النص نوعا من التوثق اللازم حتى يعرف الجميع أن ما يحكى ويسرد ليس الغرض منه المتعة فقط لكنه إثارة الوعى.