اغلق القائمة

السبت 2018-09-222017

القاهره 03:03 م

كريم عبدالسلام

الثقافة والسياسة والهرتلة

الأربعاء، 13 يناير 2016 03:00 م

لا أدرى لماذا تتجاهل الدولة بعد 30 يونيو صناعة الثقافة الشاملة، رغم أن فيها كثيرا من الحلول للمشكلات التى نعانى منها حاليا، فنحن نعانى من تآكل الدور المصرى فى المنطقة العربية والعالم، ونعانى من سطوة الخطاب المعارض الديماجوجى، ونعانى من أشكال الهرتلة السياسية والبلطجة الإعلامية والانحطاط الفنى والأدبى بشكل عام ،رغم وجود مبدعين كبار فى كل المجالات، وقبل ذلك وبعده نعانى من التشرذم والتفرق والاستقطاب بعيدًا عن الحلم الواضح الكبير بمصر الناهضة المتقدمة الصناعية والزراعية والغنية.

فى الثقافة وصناعتها بالمعنى العام حلول لكثير من هذه الرزايا والمشكلات، وحتى نقرب المسألة من الفهم أكثر، تعالوا نتأمل تجربة عبدالناصر تحديدا مع الثقافة ، وتوظيفه لها فى بناء الدولة الحديثة، فقد استدعى عبدالناصر كبار المفكرين والأدباء الحقيقيين أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم وسعدالدين وهبة وثروت عكاشة وفتحى رضوان وعبدالقادر حاتم، وطلب منهم استراتيجية واضحة للنهوض بالثقافة العامة والمنتج الثقافى الإبداعى، بحيث يترافق مع الحلم السياسى التحررى حلم ثقافى إبداعى موازٍ.

واستطاع هذا الفريق المختار من النخبة، ومعهم معاونون آخرون، أن يضعوا روشتة الخطاب الثقافى والإعلامى المصرى الذى صنع المجد النوعى لمصر والذى ما زلنا نحيا على ذكره ويتذكرنا الأشقاء بفضله، وكان أول عناصر هذا الحلم الثقافى العام هو التعليم الحقيقى الجاد، فانطلقت البعثات من الطلاب النابهين إلى الشرق والغرب لدراسة العلوم والآداب ونقلها إلى الجامعات المصرية، وهو ما نحن فى حاجة ماسة إليه الآن فى كل المجالات حتى نستعيد ما ضاع منا.

وإلى جانب البعثات العلمية انصب الاهتمام على إنشاء المدارس الجيدة فى القرى والمدن ومواجهة التسرب من التعليم، وانطلاق حملات محو الأمية وتعليم الكبار فى كل ربوع مصر.

الاهتمام المنصب على التعليم باعتباره أول لبنة فى صرح النهضة، ترافق معه العمل الدؤوب على نشر الفنون والآداب بين جميع فئات المجتمع، فكانت خطة إنشاء قصور وبيوت الثقافة فى كل مركز ودعم النشاط الفنى والأدبى والمسرحى خصوصا فى المدارس والجامعات والمصالح الحكومية، وترافق ذلك مع حركة ترجمة ممتازة لعيون الأدب العالمى.

وكان للراحل فتحى رضوان دور كبير فى بلورة ما تعنيه ثورة يوليو من حلم تحررى وتنموى للمصريين، واستطاع باعتباره أول وزير للإرشاد «الإعلام» أن ينسق مع وزراء الثقافة والتعليم، لتخريج أجيال مؤمنة بحق البلاد فى التحرر والنهضة، وتحمل هذا الحلم رسالة تنشرها فى المجتمع، ومن هنا كان الحلم السياسى الذى يتحقق على الأرض بخطوات كبيرة من الإصلاح الزراعى إلى التصنيع والتعمير، مسنودًا بحلم ثقافى وفنى وإبداعى كبير، وتخلق ما يعرف بجيل الثورة، الجيل الجديد الذى حمل مبادئ ثورة يوليو وغير وجه مصر ثقافيا وسياسيا، وأفرز الجيل الذهبى فى السينما والمسرح والشعر والرواية.

السؤال الآن، إذا كانت ثورة 30 يونيو لا تقل عن ثورة 1952 من حيث الأهمية والتأثير والنتائج، فما الذى ينقصها حتى تحقق ما شهدناه بالفعل من نهضة شاملة فى الستينيات، ومن إيمان بالثورة أفرز روائع الفن والثقافة وصنع وجدان الشعب، وحقق التماسك الاجتماعى الفريد؟

إنها الرؤية الشاملة والحسم فى تطبيقها واختيار العناصر القادرة على حمل هذه الرؤية والارتقاء بها، هذا ما تحقق فى الستينيات ولم يتحقق فى أيامنا، أيام الهرتلة السياسية والإعلامية والثقافية للأسف الشديد.