اغلق القائمة

الأربعاء 2018-12-19

القاهره 05:19 ص

وائل السمرى

والوطن من وراء القصد

بقلم : وائل السمرى الجمعة، 01 يناير 2016 07:13 ص

فى مقال أمس نشرت تعليق وزارة التربية والتعليم على مقالى الذى دعوت فيه إلى تدريس منهجين جديدين فى مختلف المراحل التعليمية فى مصر ،« تاريخ الأدب » ومنهج « تاريخ الفن » وهما منهج وهو الاقتراح الذى أرى أن من شأنه أن يعمق الشعور بعظمة هذا الوطن وعراقة حضارته، وللأسف فقد
تمت إساءة فهم هذا الاقتراح، وبالتالى قالت الوزارة التى يتولى مسؤوليتها الدكتور الهلالى الشربينى فى تعليقها الموقّع باسم حسام أبوالمجد، رئيس قطاع
مكتب الوزير، إنها بالفعل تدرس هذه المواد تحت اسم الدراسات الاجتماعية، ولهذا نشرت الرد أمس، وفضلت أن أزيل هذا الالتباس اليوم بمنح هذه الفكرة مساحة أكبر.

أولا: أنا أعرف تمام المعرفة أن الوزارة تدرس لطلابها تاريخ مصر ومراحله المختلفة بداية من العصر الفرعونى وحتى العصر الحديث بشكل أرى فيه العديد من المشكلات التى لا يتسع المقام لتفصيلها، لكنى أريد من الوزارة ألا تكتفى بلجانها ومتخصصيها وأن من أساتذة « تاريخ الفن » تستفسر عن طبيعة مادة الفنون فى كليات الفنون والآثار المنتشرة عبر ربوع مصر، فتاريخ الفن هو ذلك المنهج الذى يبرز عظمة فننا وآثارنا، ويضعهما فى المكانة اللائقة تاريخيا، وهو المنهج الذى يفسر شغف العالم بفننا القديم والحديث، عبر دراسة آليات الفنون المصرية وتطورها بالمقارنة مع غيرها من الفنون، وفيه نكشف كيف أنتج الفنان المصرى هذه المعابد الشاهقة، وكيف استطاع أن يقيمها بهذا التوازن والتناسق والجمالية، وكيف كان الفنان المصرى ينحت تماثيله، وكيف أثر فى غيره من الفنانين، وكيف أصبح النموذج المعمارى المصرى هو النموذج المثالى الذى سار المعماريون فى العالم على نهجه، فبنيت الكنائس على شاكلته، وهو الشكل الذى أثر أيضا فى المساجد على امتداد عصورها.

تاريخ الفن هو ذلك المنهج الذى يجيب عن السؤال الذى يجهله- للأسف- معظم المصريين وهو: لماذا أصبحت مصر عظيمة؟ لأنه يكشف ذلك التسلسل
التدريجى الذى واصل به الفنان المصرى تألقه وريادته، كما يكشف عبقرية المصرى فى التعامل مع بيئته دون أن يصطدم بها، فيكشف المرتكزات الجمالية التى كان يراعيها المصرى القديم فى إنتاجه الفنى، كما يكشف قوانين الفن التى اكتشفها ثم طورها ثم طوعها لصالحه، منذ العصر الفرعونى وحتى عصرنا الحالى.

أما تاريخ الأدب فتبرز حاجتنا الآن إليه فى ظل إغفال الوزارة مكونات مصر الحضارية الأساسية فى مناهجها، فللأسف لا توجد مادة لتدريس القصص الفرعونى، ولا الأساطير الفرعونية، ولا الرومانى أو القبطى، وكل ما يدرسه التلاميذ عبارة عن أناشيد إنشائية منزوعة من السياق وفى الغالب منزوعة من العاطفة، والأنكى من هذا كله هو أننا عبر مراحلنا التعليمية المختلفة صادرنا أجزاء عزيزة من أدبنا وتاريخنا وتعاملنا معها وكأنها غير موجودة أو كأن مصر لم تكن موجودة قبل دخولها الإسلام، وهذا ظلم وطنى وتاريخى وحضارى كبير.

نريد أن ينمو لأبنائنا لسان فصيح يفيض بحب مصر، لسان تملؤه المعرفة لا الشعارات، لسان عالم لا « أمارة » ملقن، نعم مصر عظيمة، لكننا لا نمنح لأبنائنا لهذه العظمة، ونحشر لهم تاريخهم فى مناهج صماء لا تشعر دارسيها بأهميتها ولا فوائدها، والنتيجة جيل سطحى، لا يرى لمصر عظمة إلا على ألسنة الأجانب، ولا لآثارها قيمة إلا فى أسواق البيع الحرام.