اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-09-252017

القاهره 11:34 م

وائل السمرى

فن التوحد مع الوطن

الخميس، 11 يونيو 2015 08:23 م

وقفت كثيرا أمام الاسم الذى اختاره الفنان التشكيلى الكبير أيمن السمرى لمعرضه المقام حاليا بقاعة أفق 1 بمتحف محمود خليل وحرمه، فقد اختار السمرى الذى لا تجمعنى به أية صلة قرابة، أن يعنون معرضه بـ«بلدى تملك نهرا»، ليعرض تحت هذا العنوان «الانتمائى» تجربته الفنية الجديدة، ومعروف أن النقد الأدبى يطلق على العناوين اسم «عتبة النص» ومعروف أيضا أن النهر يعنى «الحياة»، حتى أن الله تعالى يقول «وجعلنا من الماء كل شىء حى»، كما يقال عن مصر أنها «هبة النيل»، وهنا تساءلت: ترى ماذا يريد أن يقول «السمرى» من هذا العنوان، وهل ستجسد لوحاته معنى الحياة فى مصر أم أن هناك أمرا آخر؟ وأى حياة ترى سيقدمها السمرى والأخطر.. كيف سيقدمها؟

ما إن خطت أقدامى خطوة أولى فى هذا المعرض حتى تأكدت من أن السمرى كان يعنى كل حرف من حروف كلمات عنوان معرضه، ففى الصدارة شاهدت لوحة اختار لها عنوانا هو «الحليب» وبجوارها لوحة أخرى بعنوان «عطاء»، ويجمع بين اللوحتين تيمة واحدة، فقد صور السمرى فى اللوحة الأولى ضرع بقرة وفى الأسفل منه فنجانا، وقد أحاط هذا التكوين بما يشبه الخربشات التى اعتمد عليها كعنصر أساسى فى غالبية لوحات المعرض مرة، لتبدو وكأنها خراطيش فرعونية، ومرة وكأنها رسوم أطفال على جدار البيت، ومرة وكأنها تكوينات من فعل الزمن، أما اللوحة الثانية ففى الأعلى قرص الشمس والأشعة تخرج منه وكأنها حلمات ثدى امرأة ولود، وما إن رأيت هاتين اللوحتين اللتين وضعهما الفنان إيهاب اللبان مدير القاعة بجوار بعضهما البعض حتى تذكرت تصورات المصرى القديم عن السماء، وكيف رسمها فى مقبرة الفرعون سيتى الأول على هيئة بقرة يزين أسفل بطنها النجوم أو على هيئة امرأة، كما فى مقبرة رمسيس الرابع، وبحسب ما ذكره العالم الألمانى «أدولف إرمان» فى كتابه المهم «الديانة المصرية القديمة»، فقد تخيل المصرى القديم السماء دائما فى صورة أنثى تحمل الحياة فى جسدها وأنفاسها ودفئها، وهو ذات الأمر الذى شعرت بها فى بقية لوحات المعرض.

أشعر أننى أظلم فنانا كهذا حينما أتناول معرضه فى هذه المساحة، لكن بشكل عام فقد حقق السمرى بهذا المعرض المهم انتصارا فنيا ومعرفيا كبيرا، فقد استطاع أن يمنح لوحاته الفاتنة نفسا مصريا خالصا مستعينا بتقنية مبتكرة لجعل سطح اللوحة، وكأنه حائط منزل ريفى قديم، يحمل بصمات الزمن بانسيابية وشموخ، كما استطاع أن يقدم «مصر» من النوبة والصعيد إلى بنها والإسكدرية، مستلهما روح مصر الجامعة لا عن طريق الاستعارة وإنما عن طريق التوحد، سواء فى الشكل والتكنيك أو المضمون والتكوين، ليستحق بهذه القفزة الفنية المدهشة ما قاله وصفه به الفنان الرائد «حسين بيكار»، حينما قال «إن أيمن السمرى أحد ثمار الحضارة المصرية».