اغلق القائمة

الخميس 2018-09-202017

القاهره 10:48 م

وائل السمرى

الكبير "جمال العاصى"

الجمعة، 13 مارس 2015 04:13 م

لا يتركنا الله فى هذه الدنيا دون أن يرسل لنا من حين لآخر برسالة حانية تؤكد أن «الجمال» حقيقة مؤكدة، نخطئ أحيانا فى أن نصل إليه، ونخطئ أحيانا فى فهمه، ونخطئ أحيانا فى الحفاظ عليه، لنتأكد دائما من أن العيب فينا، وأن للجمال إشارات وعلامات لا نراها دائما، لأننا لا نفهمها ولا نهيئ أنفسنا للاحتفاظ بها.

بالنسبة لى فإن «جمال العاصى» أحد أهم الأدلة على وجود «الجمال الإلهى» ولهذا أجتهد دوما فى الاحتفاظ به والاستئناس بروحه والاستماع إليه، عرفته لأول مرة منذ سنوات، كنت شابا يافعا لم يعمل بالصحافة يوما، وجئته دون سابق معرفة إلى جريدة «الطريق» التى كان يرأس تحريرها لأعمل محررا تحت التمرين، فأراد أن يختبرنى فكلفنى بكتابة قصة صحفية «عشان يبقى الكلام على بينة»، ولما انتهى من قراءتها فوجئت به يقول لى «أنت مكانك فى الديسك المركزى»، وقد اختلف الناس فى مصر فى توضيح مكانة «محرر الديسك» فى الصحافة، فبعضهم يقول إنه أهم وعلى درجة «كبير المحررين»، وبعضهم يقول إنه أهم من رئيس القسم، وبعضهم يقول إنه عقل الجريدة وواضع بصمتها المهنية، لكن الجميع اتفق على أنه لابد أن «محرر الديسك» على درجة كبيرة من الخبرة والحرفية تؤهله للحكم على التقارير التى تعرض عليه وتمكنه من أن يضيف إليها أو يحذف منها أو يعيد صياغتها أو يرفضها.

عرفت فيما بعد أن هذا هو جمال العاصى، يطير فرحا حينما يرى شخصا موهوبا، ولا يكتفى بأن يمنحه فرصة لا يحلم بها فحسب، وإنما يستمر فى رعايته والسؤال عليه حتى وإن تفرقت بهما السبل، فتأكدت من أن هذا النبل الصافى آية من آيات الله أرسلها للبشر لكى يؤكد أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنه حق على الله لينصرن المخلصين.

ليس فى الأمر أمر شخصى، لكنى هنا أريد التأكيد على قيمة الإنسان فى الإنسان، فهذا رجل يحمل رائحة أينما حل حلت معه فملأت الدنيا أريجا محببا، رجل «كبير» تتصاغر هموم الدنيا إذا ما أفضت بها إليها، ويتصاغر أصحاب المال والنفوذ والسلطان إذا ما وقفوا أمامه، وتتصاغر كلمات المحبة إذا ما حاولت أن تحيط بفعل يده البيضاء على أبنائه المنتشرين فى الصحافة والحياة.

رجل كبير، تندهش من تلقائيته وعفويته وقدرته على العطاء، معه أتذكر دائما قول أبى تمام «ولو لم يكنْ فى كفِهِ غيرُ روحِهِ لجادَ بها، فليتقِ اللهَ سائلُهْ»، ومعه أتذكر دائما أن مصر قادرة على إدهاشنا دائما بأبنائها «الكبار»، وأنه حق على «الكبير» أن يظل كبيرا شامخا حتى وإن أصيب بمحنة مؤلمة كالتى تعرض لها «جمال العاصى» الذى فقد رفيقته وأم أولاده أمس الأول.