اغلق القائمة

الأحد 2018-11-182017

القاهره 02:03 ص

وائل السمرى

ثقافة «التسريبات»

الخميس، 26 فبراير 2015 09:41 م

وكأننا نخجل من كوننا «بنى آدمين»


نختبئ إذا أكلنا ونختبئ إذا ضحكنا، ونختبئ إذا رقصنا أو لعبنا أو أحببنا، نقسم حياتنا اليومية إلى شقين، رسمى وشخصى، نرسم لأنفسنا صورة معلبة، نتمادى فى الكذب على أنفسنا وعلى الآخرين، نرفض أن نعترف بأننا «عاديين» نحب ونكره وننفعل ونغضب، نطير من الرقص فرحا فى حين، ونصبح كالأطفال فى أحيان، نأبى أن نعترف بزلاتنا وهفواتنا وكأننا معصومون من الخطأ، نستبشع أن يعرف أحدنا بزلاته وهفواته وحالاته الشيطانية، زاعمين أن «الستر» فرض، والاعتراف خطيئة.

أنزلنا ستائر العتمة على إنسانيتنا، فشملتنا العتمة ولم نخرج منها، صرنا نوقن بأن الخفاء حياة، فسكننا الخوف وأصبحنا ميتين أحياء.

كان طبيعيا وسط هذه الحالة المتردية أن تملأ حياتنا «التسريبات» والفضائح، باطننا غير ظاهرنا، وكل كلمة نقولها فى مجلس خاص تختلف تمام الاختلاف عما نقوله على المشاع، تركنا من الدين كل تعاليمه الإيجابية، وفرطنا فى الصدق، والشفافية والمصارحة، وتمسكنا فقط بعدم الجهر بالذنب، كل واحد فينا يظن أنه ملاك، وأن الآخرين ملائكة، لذا يتلهف الجميع على هتك الستر والاستمتاع بما يقدم إلينا تحت اسم «تسريبات» أو «فضائح».

ولأن المرض صار مستعصيا صارت حالة الاتجار بالتسريبات ظاهرة مرضية تستحق الدراسة والبحث والتأمل والعلاج، انظر فى صفحات الفيس بوك ومواقع التواصل الاجتماعى على اختلافها، والق نظرة أخرى على موقع اليوتيوب، لتعرف أن أكبر الصفحات من حيث المتابعين هى صفحات الفضائح والتسريبات، وأن أكثر الفيديوهات مشاهدة هى التى تسجل لحظات داخل الغرف المغلقة.

صار التلصص ظاهرة عامة، وكرس كل واحد فينا حياته ليتتبع عورات أخيه، أسهم فى تنامى هذه الظاهرة تناول الإعلام الرسمى والخاص لهذه التسريبات والفضائح باعتبارها جولات فى الحرب، وما زاد الطين بلة أن المجتمع صار يعامل الحاصل على «تسريب» أو فضيحة كالحاصل على أرفع الأوسمة، وبرغم أن القوانين المصرية تجرم تسجيل المكالمات أو الأحاديث الخاصة كما تجرم نشرها، لكن للأسف نادرا ما يستخدم النائب العام سلطاته فى حماية الحياة الشخصية للمصريين، أو الدفاع عن خصوصية الأحاديث التى لم يحصل مسجلوها أو ناشروها على تصريح بها.

باعتقادى أن ظاهرة التسريبات ليست مستعصية على الحل، وعلاجها يتلخص فى خطوتين، الأولى أن نسعى لتعليم الناس أن يكون ظاهرهم كباطنهم، وأن ننشر ثقافة الاعتراف باعتبارها أداة «سلمية» لتطهير المجتمع من موبقاته، والخطوة الثانية أن تحارب الدولة كل من يعتدى على حرمة الحياة الشخصية بكل حزم، وأن تغلظ العقوبات على من ينشر تسجيلا غير مصرح بنشره.
هذا إن أردنا الحل.