اغلق القائمة

السبت 2018-11-172017

القاهره 10:44 ص

وائل السمرى

أين ذهبت وثيقة الأزهر؟

الإثنين، 30 نوفمبر 2015 06:00 م

لا أجد تشبيها للإرهاب الذى اجتاح عالمنا أبلغ منه أنه «فيروس» أصاب بعض المناطق أولًا ثم انتشر فى بقية أنحاء العالم، والمجتمع السليم كالجسم السليم الذى قد يستقبل فيروسا ما فى غفلة من جهاز المناعة، لكنه سرعان ما يفرز أجساما مضادة لهذا الفيروس فيحاصره أولا ثم يبيده ثانيا، ولأن الإرهاب ما هو إلا حصيلة للتعصب والأحادية والإنكار ونفى الآخر، فإن الحوار المجتمعى من وجهة نظرى يعد بمثابة المصل الأكثر تأثيرا فى محاربة الإرهاب، ومن هنا يأتى حزنى لتأخر إعلان وثيقة الأزهر والمثقفين التى دعا إليها شيخنا الفاضل «أحمد الطيب» الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر منذ أشهر، فقد كانت سعادتى لا توصف وأنا أرى الأزهر يحتضن العديد من القامات الثقافية الرفيعة ويبعث برسالة إلى العالم مفادها أن مصر واحدة غير قابلة للتقسيم الفكرى، وأن الأزهر مازال عفيا قادرا على القيام بدوره التنويرى، وأن شيخه الكبير خير خلف لخير سلف، وأن الدين لا يعادى الثقافة كما أن الثقافة لا تعادى الدين، لكنى أنتظر أن يأتى هذا اللقاء بثمار ملموسة، وأن يفرز المجتمع مصلا مضادا للتعصب والأحادية، لكن مع الأسف طال هذا الانتظار حتى ظن الناس أن صحوة الأزهر التنويرية كانت لحظة عابرة.

منذ 6 يوليو الماضى قال بيان صادر عن مشيخة الأزهر أن الوثيقة ستكون جاهزة خلال شهر من تاريخه ومر شهر بعد شهر بعد شهر، ولم تصدر وثيقة ولا حتى مسودة، قد يسأل سائل: وماذا ستفيد هذه الوثيقة فى محاربة الإرهاب؟ وهل تجدى الوثائق والكلمات فى حروب القنابل والدانات؟ وفى الحقيقة فإنى أرى أن الاستخفاف بالكلمات والأفكار عند العامة أو النخب أمرا ينطوى على عماء حقيقى وعدم تبصر بالأسس الحقيقية للأزمة، فالإرهاب فكرة، أى نعم فكرة مدمرة لكنها فكرة فى الأساس، ومحاربة الأفكار لابد أن تتم بأفكار مضادة، وإذا كانت الثقافة بمعناها الشامل هى أهم أسلحة الحرب على الإرهاب فلابد أن نزيل الشوائب حول فكرة الثقافة بوجه عام، ولهذا تبرز أهمية وثيقة الأزهر والمثقفين لأنها تؤكد على قابلية المجتمع لفكرة الحوار المثمر، كما أنها تفتح الباب حول تأسيس وعى ثقافى جديد يعتمد على «الانفتاح الفكرى» على كل التيارات لا على نفى الآخر معنويًا الذى يعد تمهيدا نظريا لنفيه ماديا.

ولا تفيد هذه الوثيقة فى تأسيس وعى جديد بعلاقة الثقافة والإسلام فحسب وإنما تقطع الطريق على من يريدون إشعال الصراع بين الثقافة والإسلام ليجد سماسرة الأوطان ومرتزقة الماء العكر مجالا أرحب لممارسة أعمالهم الهدامة، ومن هنا يتعاظم أثر هذا التأخر فى إصدار وثيقة الأزهر التى أعول عليها كثيرا فى أن تؤسس وعيا جديدا لعلاقة الثقافة بالدين، وأن تفسح المجال للفكر الحر والبحث العلمى الجاد، بعيدا عن التعصب الذى نشرب ناره صباحا ومساء.