اغلق القائمة

الخميس 2018-09-202017

القاهره 02:36 م

محمد الدسوقى رشدى

القتل الثانى لحجاج مصر فى الأراضى المقدسة

الأحد، 04 أكتوبر 2015 10:07 ص

لا شىء أكثر قسوة على المواطن من الشعور بأنه بلا درع، بلا دولة تحميه، ولا شىء أكثر خزيا للدولة سوى أن يرى أهلها دولا أخرى ربما أقل قدرا ومقدارا تصنع الأعاجيب لخدمة مواطنيها وقت الكوارث، ولا شىء أكثر بؤسا للمسؤول، سواء كان وزيرا أو غفيرا من تبريراته لعجزه عن إدارة الأزمة تارة بالكذب، وتارة أخرى باللف والدوران.

تحقق كل ما سبق من قسوة وخزى وبؤس فى ملف إدارة الحكومة لأزمة الحجاج المصريين ضحايا حادث التدافع فى «منى»، لا تحرك، لا شفافية، لا حلول، لا رؤية لإدارة الأزمة والأبشع لا اهتمام.
حلت الكارثة فى وقفة عيد الأضحى المبارك، وانشغلت عنها وسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية بالأجازات وبمعارك مباريات الأهلى والزمالك، وتحملت القلوب تواتر أخبار متناثرة تتحدث عن سقوط عشرات الضحايا فى حادث تدافع الحجاج بالأراضى المقدسة، وبينما كانت دول العالم تتسابق للتقصى والتحقق لإصدار بيانات لحظية لطمأنة شعوبها على حجاجهم، كانت البعثة المصرية المشرفة على الحج صامتة، لمدة 24 ساعة نقرأ عن بيانات صادرة من باكستان وإيران والهند وبعض الدول الأفريقية حول حالة الحجاج التابعين لهم، بينما لم نسمع كلمة واحدة من الحكومة عن الحجاج المصريين، ولما بدأت رائحة الكارثة تفوح على مواقع التواصل الاجتماعى لتنشر الخوف خرج علينا رئيس بعثة الحج مطمئنا ومؤكدا أنه لا توجد خسائر فى صفوف الحجاج المصريين لا وفيات ولا إصابات ولا مفقودين.

كان الخبر مفرحا وقابلا للتصديق لأن ولادة هذا التصريح جاءت بعد 24 ساعة من التقصى والتحقق، أو هكذا كنا نظن لأن الأحداث التالية أثبتت أن تصريح بعثة الحج المصرية بأن الأمور على ما يرام صدر كعادة كل شىء بفوضوية وعشوائية وإهمال.

بعد تأكيدات الحكومة بأن «كل شىء تمام»، كانت صور جثث الحجاج المصريين تتناثر مثيرة الرعب على مواقع التواصل الاجتماعى، وصرخات أهالى المفقودين تتعالى من الوجع ومن تجاهل أى جهة حكومية للرد على استفساراتهم، ثم كانت المفاجأة حينما خرج رئيس بعثة الحج مرة أخرى ليخبرنا بأن 55 حاجا مصريا توفوا فى حادث التدافع ومن بعدهم 3 مصابين ومن قبلهم أكثر من 120 حاجا مفقودا، هكذا بدون سابق إنذار يخبروننا بأن كل شىء على ما يرام، وأنه لا وفيات، ثم فجأة يصلون بنا إلى رقم 55 وفاة، وهو الرقم الذى يتدرج ويعلو على مقياس عدد الموت حتى وصلنا إلى حوالى 124 حالة وفاة.
لم يتوقف العبث عند محطة هذه البعثة الفاشلة والمرتبكة والمقصرة والمجرمة فى حق حجاجها، بل تجلى فى أبشع صوره داخل أروقة القنصلية المصرية بجدة التى لم يصلها نبأ أن وجودها فى الأراضى السعودية هو خدمة المواطن المصرى، لا تشريده أو تجاهله.

البؤس نفسه يتصدر المشهد حينما تقارن أداء قنصلية الهند فى جدة، بأداء القنصلية المصرية فى جدة، الأولى تعلم ماذا تفعل، تعلم ما للمواطن من حقوق، والثانية غير موجودة أساسا.

موقع قنصلية الهند فى جدة كان حيويا وعلى قدر الكارثة منذ اللحظة الأولى، حيث بادر بوضع قائمة بأسماء وتليفونات تتواصل مع الحجاج وأسرهم طوال 24 ساعة، بالإضافة إلى بيانات يتم تحديثها على مدار الساعة تتضمن آخر تطورات أوضاع الحجاج الهنود، من فقد، ومن مصاب، ومن توفى، ومن تحرك من مستشفى إلى أخرى؟!

تذهب إلى موقع القنصلية المصرية فى جدة، فلا تجد سوى الفراغ و«الطناش»، القنصلية أصلا خاوية على عروشها طوال أيام العيد، أى طوال أيام الكارثة، وكأن من فرمتهم الأقدام فى «منى» ليسوا مصريين، لا أرقام تليفونية للتواصل، ولا بيانات عن الحادث، ولا متابعة لحالة المفقودين، فقط بيان وحيد صادر قبل وقفة العيد بيومين يناشد مواطنين مصريين فى السعودية بالحصول على جوازاتهم، وبيان آخر يتضمن تهنئة الرئيس للمصريين فى الخارج بعيد الأضحى، أما الكارثة فلا شىء يوحى بأنها فى جدول أولويات السفارة المصرية فى السعودية، بدليل أن أول بيان تضمن أرقاما هاتفية للتواصل مع المصريين والحجاج لم يظهر سوى بعد انتهاء العيد.

ثم يعود العبث ليرتدى ثوبا آخر حينما تعلم أن بعضا من المصريين المقيمين فى السعودية تحركوا بعدما لمسوا فشل وعجز السفارة المصرية بملحقاتها عن مساعدة الحجاج المصريين، وشكلوا مجموعات تطوعية، بعضها متخصص فى إنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعى للتواصل مع الأهالى وطمأنتهم، ونشر صور المفقودين والجثث المجهولة للتعرف عليهم، ومجموعة أخرى تجوب المستشفيات لتحديث بيانات المصريين الموجودة، ومجموعة أخرى تجوب الأراضى المقدسة لمتابعة الحالات ميدانيا، ومجموعة رابعة تتولى الاتصالات الهاتفية من أهالى المفقودين والمتوفين، ومجموعة خامسة ترصد بالصور تواجد سيارات تابعة لكل سفارات العالم أمام مستشفيات السعودية لمتابعة المصابين، إلا دولة واحدة لم يتم ضبط سفارتها بإرسال سيارة حتى ولو خردة.. هى السفارة المصرية.

من سيحاسب هؤلاء العجزة الفشلة فى بعثة الحج الرسمية، من سيحاسب هذه البعثة الدبلوماسية المهزومة سحقا بالمقارنة مع البعثة الدبلوماسية الهندية، من سيحاسب المسؤولين عن الحج المفضوحين بعجزهم وضعفهم أمام تحركات مجموعة من المصريين المتطوعين التى جاءت منظمة وناجزة ومقدمة للحلول أكثر من الحكومة التى اكتفت باللف والدوران والتبرير.