اغلق القائمة

الإثنين 2018-09-242017

القاهره 11:38 ص

حازم صلاح الدين

حلم الدكتور محمد السيد سعيد

السبت، 10 أكتوبر 2015 06:06 م

الكاتب الصحفى الراحل، الدكتور محمد السيد سعيد، كان مثل كتاباته وقناعاته الفكرية، لا يقصد الضجيج الفارغ، إنما يفتش عن الحقيقة ويصنع حلمه الخاص فى عالم يعانى كثيرًا من غياب الأحلام، وعلى الرغم من قيمته البحثية فإن نضوجه زاده تواضعًا.. كنا نلمحه فى علاقته بالمحيطين به، حيث دائمًا كان حضوره مؤثرًا، سواء فى الساحة السياسية، أو الصحفية مع تجربته البارزة بجريدة «البديل» فى فجر عصرها.
اليوم العاشر من أكتوبر.. تمر ذكرى رحيله السادسة، مرت هذه الأعوام وكأنها كانت بالأمس، فمازلت أتذكر كلماته لى عندما قادتنى ظروف عملى إلى إجراء حوار صحفى معه لإحدى المجلات الخليجية، كنت وقتها لم أرتبط بعلاقة شخصية به، وأخشى أن أجده شخصًا مغرورًا باعتباره رئيس تحرير، خاصة أنه كانت لى تجربة مع رئيس تحرير أحد أبرز الصحف الخاصة وقتها، لا داعى لذكر اسمه، حينما سعيت لإجراء حوار معه تهرب وعاش دور النجم الكبير، على عكس الدكتور محمد السيد سعيد الذى رحب بى بشكل كبير، واستقبلنى فى مكتبه الخاص، ووجدته شخصًا بسيطًا للغاية، غير أنه مثقف، وآراؤه صائبة، فهذا هو الفارق بين الشخص الموهوب المحب لمهنته، والشخص المتسلق الذى يستخدم المهنة لأغراضه الخاصة، حتى ولو على جثث الآخرين من زملائه، وأعتبر هذا الحوار من أجمل حواراتى فى مشوارى الصغير مع عالم الصحافة، حيث تعلمت من آرائه الكثير، بالإضافة إلى الدرس الأكبر بأنه مهما كبرت فى عملك ومناصبك لا تنظر إلى زملائك الصغار الذين يبدأون مشوارهم فى بلاط صاحبة الجلالة بنظرة احتقار أو تعالٍ.

هنا أؤكد أن السيرة الطيبة دائمًا ما تجعلنا نتذكر من رحلوا عن عالمنا، فالدكتور محمد السيد سعيد هو أحد أبناء مدينة بورسعيد، وعن تأثيرها فى تكوينه الفكرى والاجتماعى قال لى فى الحوار: أعتقد أن فيها تقاليد حرية أكثر من غيرها من المدن المصرية، فهى ليست مدينة ريفية، وبالتالى التراث الريفى فى الطاعة، والامتثال للأوامر، وتملق الحكام غائب تمامًا، فالعكس هو الموجود، هى مدينة ساحلية ليس فيها تقاليد طاعة أو خضوع للسلطات، هى مدينة امتدادها على البحر، فهى تعلّم الناس بعد النظر بقدر الإمكان، مدينة فيها فيض من معنى الحرية، أنا عاشق لبورسعيد، أعتقد أن إنجازها الثقافى واضح منذ نشأتها، وأنها كانت دائمًا معملًا لتجربة الجديد فى المسرح والسينما فى البداية، بل أن تصبح صناعة السينما صناعة احتكارية أو متمركزة فى مؤسسات قليلة، التجارب الأصيلة فى المسرح والسينما والمعرفة بشكل عام كانت تتم فى بورسعيد والإسكندرية.. وبوجه عام كما هو معروف، هى المدينة الأولى على مستوى التطور الحضارى، مستوى التنمية البشرية، والإنجاز التعليمى، والبنية الأساسية، والتركيبة المهارية للعمل، لكن أنا أعتقد أن انبهارى ببورسعيد وإخلاصى الشديد لها يرتبط أساسًا بفيض الحرية والشعور الوطنى الذى يميزها دائمًا، فهى مدينة وطنية بالمعنى الكامل للكلمة، حب الوطن والإخلاص له، والاستعداد للتضحية، فهذه التركيبة الثقافية للمدينة.

وعن أحلامه التى كان يتمنى تحقيقها قبل وفاته قال: حلمى هو استرجاع الحركة الوطنية المصرية، واستعادتها، وإثراؤها، وتتويجها من خلال تأسيس دولة تقوم على حكم القانون والعدالة، أن توفر الدولة العدالة وتوفر ضمانات، وحماية دستورية للحريات العامة، هذا ما أحلم به.. تأسيس دولة العدل والقانون، دولة تحمى الحريات العامة لجميع المواطنين، وتوقف البطش بهم ونسف كرامتهم، دولة تتبنى المصرى باعتباره طينة وتعيد شحنه بالإيمان بأنه إنسان كريم، ولديه كل الإمكانيات أن يطور بلاده، وينهضها، ويستأنف مسيرتها التاريخية، فحياة كل مصرى لها قيمة، وقضية كل مصرى لها قيمة، حق كل مصرى فى أن يأكل، ويستمع للموسيقى، ويقرأ الشعر، وأن يمارس اختياره الحر دون إملاءات، دون نفاق، دون بطش، دون قانون طوارئ.

وتعليقًا على كلامه عن مدينته وأحلامه لم أجد سوى القول: رحم الله الدكتور محمد السيد سعيد.