اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-11-132017

القاهره 10:49 م

جهاز فيروس "سي"

مهرجان الاغتصاب الإعلامى لأطفال مصر

الثلاثاء، 22 أبريل 2014 10:02 ص

1 - تقول الأسطورة إن المثقفين وأساتذة الجامعات والحاصلين على دكتوراه «من بلاد برة» هم أمل الأمة، والمصباح المنير فى شوراع جهلها.. وفى مسرحية «أنا وهو وهى» صرخ عادل إمام من فوق المسرح قائلاً: «بلد بتاعت شهادات صحيح».

صدق عادل إمام ولا تصدق الأسطورة، وكيف تصدق أسطورة تتكلم على طريقة اللواء عبدالعاطى طبيب «جهاز الكفتة» قائلة: «إحنا بنجيب الدكاترة الأكاديميين اللى تعلموا فى الجامعات الأجنبية الكبرى ونحطهم على كرسى المذيع وموائد قادة الرأى علشان ياخدوا بإيد المجتمع ويطلعوا بيه لفوق، وناخد احنا مجتمع راقى الأخلاق والقيم».

الواقع الذى نعيشه مثله مثل « الميه اللى تكدب الغطاس» مثلما غرق فيها اللواء عبدالعاطى وجهازه، تغرق فيها تلك الأسطورة حينما نكتشف جميعا أن من أتينا بهم للارتقاء بالوطن ومحو عار الإعلام القائم على استغلال الضحايا والأطفال، «بدلا من أن يأخذوا بإيد المجتمع ويطلعوا بيه لفوق، يتشبثوا بديل المجتمع وهو نازل لتحت».

2 - تضع الدكتور المعز بالله عبدالفتاح على كرس المذيع لكى يقدم للناس خطابا اجتماعيا وسياسيا مستنيرا يتناسب مع مستوى تعليمه ومع الشهادات التى جلبها من المجتمع المتحضر، لتحارب به إعلام الخطايا الذى لا يجد خجلا من استغلال الأطفال ضحايا العنف وعمليات الاغتصاب فى تحقيق شو إعلامى، يفاجئك الدكتور بأنه يتخذ من ريهام سعيد مثلا أعلى، ومن السبكى نموذجا لاغتيال براءة الأطفال، ومن الإخوان قدوة فى استغلال الأطفال لتحقيق مأرب أخرى.

3 - وقف الدكتور المذيع أمام طفل عمره 6 سنوات شقيق الطفلة ميادة ضحية جريمة الاغتصاب البشعة على أطراف مدينة بورسعيد، أمسك الميكرفون فى يده ووضعه أمام فم الطفل الباكى الخجول، ووضع وجه الطفل فى منتصف الكاميرا ليملأ الشاشات، هكذا وبدون أى اعتبار لمواثيق شرف إعلامى أو إنسانى أو اجتماعى قرر أن يضاعف من مأساة الصبى الصغير ويؤرخ بالصوت الصورة وقائع جديدة تطارده طول حياته تحت شعار «أخو المغتصبة».

لا والد أو والدة للطفل لكى يحصل منهم المذيع على حق التسجيل معه، هذه أول مخالفة قانونية، لا اعتبار لبكاء الطفل المستمر ورفضه وامتناعه عن الإجابة، هذه ثانى مخالفة قانونية، لا احترام لرغبة الطفل الصغير فى عدم الحديث عن أمه ومأساة أخته، وهذه ثالث مخالفة قانونية وإنسانية، فقط محاولات لاستجواب الطفل الصغير بغض النظر عن حالته على طريقة وكلاء النيابة وضباط الشرطة..

- يسأل المذيع طفلا عمره 6 سنوات بمنتهى الجدية عن أخته التى تعرضت للاغتصاب.. فين ميادة؟

- يرد الطفل متلعثما «فى المستسفى» هكذا مثله مثل كل الأطفال الذين تتساقط نقاط حرف «الشين» منهم أثناء نطق الكلمات فى سنوات عمرهم الأولى، ومع ذلك يسخر المذيع من تلعثمه ويعيد تكرار الكلمة بنفس طريقته ضاحكا.

- ثم ينزل المذيع بسؤاله الثانى: انت بتحب مامتك؟، ثم سؤاله الثالث: انت مبتحبش مامتك ليه؟ ثم سؤاله الرابع: هى عملت إيه؟.

- الطفل يبكى ولا يجد من شدة الفزع إجابة، ومن خلف بكائه وبجوار كاميرات المذيع تكون كورال من المسؤولين والأهالى يرددون: رد يا أحمد على الأستاذ؟

- يضطر أحمد للرد قائلا بأنه لا يحب مامته؟

- يقول المذيع سؤاله الأهم، السؤال الذى جاء خصيصا ليسمع إجابته من طفل صغير قائلاً: مين اللى خلى ميادة تروح المستشفى؟، وكان يريد أن يسأل «مين اللى اغتصب ميادة؟» ولكنه أدرك أن اللفظ غير مفهوم بالنسبة لطفل عمره 6 سنوات.

- الطفل يبكى فى فزع دون رد، والدكتور المذيع يكرر على مسامعه: «قول يا أبو حميد قول».
ثم تنتهى ملحمة الاستجواب، وتقف أنت أمام دموع الطفل الصغير والموسيقى الحزينة التى اختارها المذيع لترافق نصره باستجواب طفل عمره 6 سنوات تحت عنوان «حوار مع أخو الطفلة المغتصبة»، لتسأل نفسك إلى أى درك أسفل يأخذنا الإعلام المصرى؟

4 - المادة 126 من قانون الطفل تقول: «لا يجوز أن يحضر محاكمة الطفل أمام محكمة الطفل إلا أقاربه والشهود والمحامون والمراقبون الاجتماعيون ومن تجيز له المحكمة الحضور بإذن خاص».

ولكن مذيع المحور قرر أن يحاكم طفلا غير مذنب علانية وبنفسه اقتداءً بالمثل الأشهر «الفاضى يعمل قاضى»، وكل أمله أن يحكى له الطفل الصغير حكاية «اغتصاب أخته» وأن يحدد له الطفل الصغير من الجانى، وهل هو عشيق والدته أم والده؟، ولكن الطفل بكى وأفسد على المذيع لحظته.

5 - إستراتيجية «اليونيسيف» لحماية الطفل، التى اعتمدت فى عام 2000 تضع عدة مبادئ للتعامل مع الأطفال فى الإعلام أولها على الإطلاق «احترام كرامة جميع الأطفال فى جميع الظروف، وثانيها حماية مصالح الأطفال وإعطائها الأولوية على اعتبارات كسب الدعم والتأييد لقضايا الأطفال، وثالثها وأهمها الامتناع عن نشر أى قصة إخبارية أو صورة يمكن أن تُعرّض الطفل أو أشقاءه أو أقرانه للخطر»، وطبعا لا يوجد خطر اجتماعى أبشع من أن تمنح طفلا صغيرا تسجيلا يطارده طوال سنوات عمره عنوانه «حوار مع أخو المغتصبة» ويتضمن اعترافا بأنه يكره أمه.

رابع المبادئ للتعامل مع الأطفال إعلاميا تؤكد على عدم طرح الأسئلة أو إبداء التوجهات أو الملاحظات المبنية على الاجتهاد والتقدير أو غير المُراعية لحساسية القيم الثقافية، أو التى تعرض الطفل للإهانة، والحوار الذى أجراه مذيع المحور فعل كل ذلك وما هو أكثر، خامس المبادئ يؤكد على ضرورة تغيير اسم الطفل وطمس هويته المرئية فى حالات قضايا الاستغلال الجنسى، ومع ذلك لا أحد فى إعلامنا يفعل ذلك، فقط يظهر صحفيون وكتاب ومذيعون كبار يتكلمون عن حضارة الغرب ورقى المجتمع الأوروبى دون أن يمارسوها، يرتكبون كل هذه الجرائم فى حق الأطفال تحت شعار نحن ننشر الصور ونكشف تفاصيل هذه المأساة مثلما حدث فى قضية طفلة المنصورة أو بورسعيد من أجل خلق رأى عام متعاطف مع الأطفال الضحايا، هم يبررون جرائمهم بذلك ونحن نقول لهم لو أن الرأى العام ينتظر ظهور صورة طفلة مغتصبة أو حديثا لها بالفيديو لكى يتعاطف معها فلتذهبوا أنتم والرأى العام إلى أسفل درك فى الجحيم.. ولا نستثنى منكم أحدا.