اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-09-182017

القاهره 07:33 م

صورة أرشيفية

«عولم خانة» لأكرم القصاص «2»

الخميس، 13 فبراير 2014 10:02 ص

يلخص أكرم القصاص إنسان العصر الراهن، أو الإنسان الافتراضى فى عبارة دالة يقول فيها: «إنسان العصر العالمى مدمن للفرجة والشراء، متفائل متشائم محايد ومنحاز يبحث عن نفسه وغيره، يتذاكى كثيرًا ويتغابى أحيانًا، ينصح غيره ولا ينصح نفسه، ولا يسمع الكلام، يشترى ويبيع، يتوتر ويضحك ويبكى، لأنه مريض بالعقل بعيدًا عن المنطق».

فى أفضل أحوالها، تصل المدنيات الحديثة إلى نوع من التقدم الشكلى، نظام صارم للحياة، يبحث خلاله الفرد عن مكملات المظهر الاجتماعى، والنجاح بمعاييره المتفق عليها، وعندما يصل إليها يكتشف أنه فى حالة فراغ روحى عميق، لا تسعفه لتبريرها قشور المدنية، ولا خطوط الإنتاج الصارمة، ولا يجد عزاءه إلا فى التشابهات بينه وبين أبناء مجتمعه.

أما المجتمعات المتخلفة، أو دول العالم الثالث المبتلاة بالنفايات النووية، وصناعة الحروب الأهلية ونمط الحياة الحديثة، وقشرة العولمة باعتبارها الخلاصة السريعة من معادلة التخلف فتتجلى فيها أمراض العولمة، وتناقضات الإنسان الافتراضى، كأوضح ما يكون، وكأنها أعراض الفصام أو مظاهر الخلل النفسى.

فى العشوائيات مثلا، نجد طائفة معظمها من الأجيال الجديدة وقعت فى أسر التعولم شكلًا ومضمونًا، بدءًا من المظهر الخارجى، وصولا إلى إدمان الحياة على الإنترنت، بيعًا وشراءً، وممارسة للوظائف الحيوية، وإقامة صداقات، وتمضية للوقت، بحيث لا يتبقى لهذه الطائفة سوى لحظات إفاقة واقعية تكتشف خلالها أنها مازالت مغروسة فى أرضها العشوائية، فتمعن فى واقعها الافتراضى رفضًا سهلًا لواقعها الفعلى، فى نوع سريع من الهروب أشبه ما يكون بإدمان المخدرات السريعة التأثير. تدريجيًا ينفصل الإنسان المتمدن والإنسان المتخلف عن واقعه، ويلتقيان فى محطة الواقع الافتراضى، بحثًا عن النموذج الكامل لإنسان العولمة، الإنسان الذى يستطيع الانتقال إلى كوكب آخر بسهولة، والقادر على استحضار كل المعلومات المخزنة فى بطون الكتب بضغطة زر، والذى يستعرض أحلامه وأشباحه إلى جوار أحلام وأشباح أبعد المواطنين الافتراضيين عنه فى أستراليا أو القطب الجنوبى، ويتباهى بإضافاته النوعية إلى الشبكة العنكبوتية، سواء كان «هاكر» أو مستخدمًا من أصحاب الحسابات النشطة، إلا أن إنسان العالم الافتراضى هذا لا يسأل نفسه عن المستقبل، لأنه يردد مقولة «حنة آرنت» - دون تمعن - «المشكلة ليست كيف سيكون المستقبل، ولكن هل سيكون هناك مستقبل أصلًا؟».