اغلق القائمة

الأحد 2018-09-232017

القاهره 02:51 ص

جناية «مستقبل الثقافة فى مصر» على مستقبل الثقافة فى مصر

الأربعاء، 25 سبتمبر 2013 02:57 م

أى كتاب أو بحث أو مقال يتخذ قوته من عدد قارئيه ومتابعيه والمؤمنين به على مر العصور، ومن هنا تكمن أهمية وخطورة كتاب «مستقبل الثقافة فى مصر» الذى كتبه عميد الأدب العربى طه حسين، فيكاد هذا الكتاب أن يكون الكتاب الوحيد من بين الكتب الاستراتيجية الثقافية الذى يحظى بما يشبه إجماع المثقفين المصريين، وفى الحقيقية فإنى لا أعرف كيف احتفظ هذا الكتاب بهذه المكانة، برغم أنه كتب فى زمن مفارق، لا يمت لواقعنا بصلة.

وقبل أن أتناول أسباب جناية هذا الكتاب على «مستقبل الثقافة» فإنى أؤكد أنه ربما لهذا الكتاب أهمية وقت إصداره فى ثلاثينيات القرن الماضى، لكن أن يظل هذا الكتاب مشروعا ثقافيا دائما لمصر، فهذا هو الخطأ بعينه، وإن كنا نريد من بعض التيارات السياسية والفكرية أن تراجع أفكارها وكتبها المؤسسة باستمرار، فإنه من «العيب» على المثقفين أن يتشبثوا بأقوال قيلت منذ أكثر من 75 عاما، وأن ينادوا بمثل ما نادى به هذا الكتاب بعد كل هذه السنوات، دون أن يفكروا ولو للحظة بمراجعة ما فيه.

نعم، كان لكتاب مستقبل الثقافة فى مصر أهمية كبرى وقت إصداره، لكنى أعتقد أن السياق التاريخى الذى كتب فيه هذا الكتاب، فرض على عميد الأدب العربى توجها لا يناسبنا الآن، فقد جاء هذا الكتاب كرد فعل على الاحتلال الإنجليزى لمصر، وظهر فيه رغبة طه حسين فى أن تكون لمصر ثقافة وطنية خالصة، لكنه بدلا من أن يبحث عن شخصية مصر الثقافية ألقى بها فى أحضان الغرب، منطلقا من شعور بالدونية أمام المحتل الأجنبى إذا يقول فى بداية الكتاب «أريد كما يريد كل مصرى مثقف محب لوطنه حريص على كرامته، ألا نلقى الأوروبى فنشعر بأن بيننا وبينه من الفروق ما يبيح له الاستعلاء علينا، والاستخفاف بنا، وما يضطرنا إلى أن نزدرى أنفسنا» لكنه بدلا من أن يبحث عن طرق تمايزنا واختلافنا عن «المحتل» ألقى بثقافتنا فى أحضانه، مدعيا أن للعقل اليونانى أكبر الأثر فى تكوين العقل المصرى، وأن مصر تنتمى إلى أوروبا ولا تنتمى إلى الشرق، وأن الإنسان الأوروبى أقرب إلينا من الهندى والصينى واليابانى، مستشهدا على هذا بأن مصر لفظت الاحتلال الفارسى، ولم تلفظ الاحتلال اليونانى، وفى هذا عدة مغالطات أعتقد أنه آن الأوان لنرد عليها.

لجأ طه حسين إلى حيلة فكرية ماكرة، حينما تساءل فى أول الكتاب قائلا: هل الرجل الصينى أو اليابانى أقرب إلينا أم الغربى؟ وكانت النتيجة الطبيعية هى أن نقول إن الأوروبى أقرب، لكن من يدقق فى السؤال يجد أن هناك فخا حقيقا فى السؤال، فأولا فقد حصر العميد قارئه فى اختيارين لا ثالث لهما، وعليك أن تجيب بأحدهما، فإما أن تقول «شرقى» أو تقول «غربى»، ولا مجال هنا أن تقول «مصرى» لا شرقى ولا غربى، وهو الأمر المنطقى.

وإنه من دواعى الأسف أن يكتب باحث كبير مثل «العميد» بحثا عن ثقافة «وطنية»، ثم يلقى بها فى أحضان الغرب أو الشرق، وثانيا جاءت صياغة السؤال حاملة قدرا كبيرا من الدهاء، فقد اختار العميد أن يخيرك ما بين الشرق البعيد (الصين واليابان)، أو الغرب القريب (إنجلترا وفرنسا) فجاءت الإجابة كما يريد، ولو عكسنا السؤال لانعكست الإجابة، ولو كانت صياغة السؤال هكذا: أيهما أقرب إليك العراق أو سوريا أم فنلندا وأيسلندا؟ لكانت الإجابة هى العراق وسوريا أقرب، مع العلم أن العراق وسوريا «شرق» وفنلندا وأيسلندا «غرب».
.. نكمل غداً.