اغلق القائمة

الأربعاء 2018-11-212017

القاهره 07:44 ص

«الغربان» تفسد محاكمة مبارك!

الأحد، 12 مايو 2013 09:57 ص

ما يحدث داخل قاعة أكاديمية الشرطة ليس محاكمة تاريخية لمبارك ورموز نظامه، بل هو جزء من مشاهد محذوفة تخص أحد أفلام «السبكى» التى يتم طرحها فى مواسم السينما الميتة لمغازلة جمهور «الترسو» والعشوائيات.. فلا فرق أبدا بين هؤلاء المغمورين الذين يجلبهم السبكى للظهور فى أفلامه، لكى يضحك الناس على أجسادهم المترهلة، أو أقفيتهم التى لا تمل من تلقى الضرب، أو أرادفهم التى لا تمل من الرقص، وبين هؤلاء الذين تشاهدهم داخل قاعة أكاديمية الشرطة وهم يتهافتون على الميكروفونات للصراخ والهتاف طمعا فى نظرة من الكاميرا.

لا شىء يمكن أن نستخلصه من جلسة إعادة محاكمة المخلوع حسنى مبارك سوى أن مساحات النصب و«الفهلوة» وقلة الإخلاص مازالت تمثل النسبة الأكبر من النفوس التى تعيش على أرض هذا الوطن.

الغربان السوداء التى تملأ قاعة المحكمة، وتتسلى بالضحك والقفشات والحوارات الجانبية، وتتلهف على الصراخ، تدفعك لأن تصل إلى هذا الملخص، وتدفعك لأن تعود إلى تشاؤمك القديم الذى تلقيه الغربان السوداء فى قلبك حينما تتجمع فوق شجرة قريبة من منزلك، وتظل تنعق، وتضرب بأجنحتها دون أن تعرف لفعلها سببا.

الفرحة بوجود مبارك داخل قفص الاتهام تضيع فى كل مرة، بسبب الأداء الكوميدى والهزلى للسادة المدعين بالحق المدنى، وفى بعض اللحظات، ومع تحول قاعة المحكمة إلى فصل فى مدرسة ابتدائى يعانى من تضخم شكاوى من نوعية «ده اتكلم اكتر منى ياسيادة القاضى – ده بيدخل المحكمة بعربيته وأنا بمشى على رجلى.. إلخ)، تشعر كأن المحامين والحضور تحولوا إلى أداة للتسلية والترفيه عن مبارك وأولاده. وبدلا من أن ينتظر الناس المحاكمة للاستمتاع بمشهد وجود الطاغية مبارك خلف القضبان، أصبح مبارك وأولاده هم من ينتظرون موعد الجلسة للاستمتاع بمشاهد ومواقف المحامين الكوميدية.. يبدو ذلك واضحا على عيون جمال، وملامح علاء، وعلى ابتسامة مبارك الخفيفة التى تلوح فى الأفق حينما تصطاده الكاميرا.

للأسف مشهد المحامين داخل القاعة يعبر بشكل أو بآخر عن حال النخبة المثقفة، أو الطليعة التى تتقدم منصة إدارة شؤون البلاد بشكل عام.. عقول تتخيل أن الهتاف أهم من التفكير، وألسنة تلقى بالكلمات قبل أن تمررها على عقلها، وانعدام واضح للرؤى، وفقر أوضح فى الخطط التى يمتلكونها، وغرق تام فى أداء مشاهد تمثيلية عن الشجاعة والثورية، وبحث جاد عن «شو» إعلامى يظهر من خلفه كل محام وكل مدعى ثورة على شاشات التليفزيون.
وبعيدا عن غربان القاعة الذين حولوا بتصرفاتهم الطفولية محاكمة مبارك من محاكمة تاريخية، تنافس أهم أحداث القرن الحالى، إلى مسلسل هزلى لا يقوى على منافسة سيت كوم «راجل وست ستات»، يبقى أن تضعها حقيقة أمامك، حقيقة تقول إن محاكمة مبارك ومشاهدته داخل قفص الاتهام ما هى إلا مطلب واحد ضمن مطالب هذه الثورة، وهو ليس أهمها أو أعظمها، وإن كان أكثرها إثارة.. عظيم جدا أن يكون مبارك داخل القفص، لا يملك سوى أن يختطف النظرات المرتعشة للجمهور، وجميل جدا أن يظهر جمال الذى كان يُمهَد له الطريق نحو الرئاسة فوق أجسادنا وهو كسير خلف القضبان، يجنى ثمار ما زرعه طمعه وطموحه غير المشروع، ولكن ليس عظيما أبدا أن تتحول محاكمة مبارك إلى فقرة تليفزيونية يتخطى الهوس بها كل الحدود، ليس عظيما أبدا أن يخرج علينا كبار مثقفينا، والبعض ممن نصبوا أنفسهم متحدثين باسم السلطة وقيادات مكتب الإرشاد ليخبرونا بأن وجود مبارك فى القفص هو منتهى الثورة.

ستختفى عظمة المشهد إن نجحوا فى أن يشغلونا بمحاكمة مبارك عن متابعة ما يحدث داخل أروقة السلطة، لن يكون فى المشهد أى فرحة أو تأريخ إن بقينا على حالنا، مشغولين بـ«نظارة وضحكة» السيد الرئيس، لن يكون فى المشهد أى تسجيل للتاريخ لو بقيت تلك التفاصيل السخيفة لبعض السادة المحامين الباحثين عن الشهرة وهم يتعاركون مثل صغار الحضانة على الميكروفون.