اغلق القائمة

الإثنين 2018-09-242017

القاهره 06:24 ص

الرصاصة لا تزال فى رأسى

الإثنين، 04 مارس 2013 12:02 م

«يريد هوية فيصاب بالبركان» هذا ما قاله شاعر العربية الكبير محمود درويش فى قصيدته الشهيرة «أحمد الزعتر»، إذ كان «الزعتر» المطارد بين المنافى يحارب من يريدون الاستيلاء على هويته، واستبدالها بأخرى، فالصراع الحقيقى لم يكن صراعا على أرض أو بيت أو ثروة أو ولد، وإنما كان صراعا على الهوية، على ذلك الإرث المحفور فى الشرايين، على التاريخ الذى يجرى فى العروق مجرى الدم، على الروح التى يشع شذاها عند أول نقطة حدودية، على تلك البصمة وتلك البسمة وتلك التلويحة، على رائحة المكان وما تحمله إليك من ذكريات وأشخاص وأزمنة وتجارب، على ذلك الهواء الذى تعرفه وتحبه، وترد إليك روحك حينما تتغرب عنه يوما ثم تعود إليه، على ذلك المعنى الذى يسمى «وطن» على هذا الأمل الذى يسمى «حلم» على زهرة اللوتس التى لا تعرف لها وطنا سوى هذا البلد.

دائماً ما تفشل حالات استئصال الهوية، وتذبل تلك الزهور الغريبة التى يزرعونها عنوة فى أرض غير أرضها، وهى الحالة التى وصفها الشاعر الفلسطينى «مروان مخول» فى ديوانه «أرض الباسيفلورا الحزينة»، إذ أراد المحتل أن يزرع زهرته على أرض غير أرضها فذبلت « الباسيفلورا»، ولم تورق رغم محاولات ضخ الحياة المستمرة، وهو ذات المصير الذى ينتظر من يحاول أن يطمس هوية مصر، أو يغير من معالمها، أو من ملامح شخصية شعبها، أو يبيع آثارها وتاريخها، أو يؤجر مجدها، مستعيراً بآليات تاريخ القوادة، أو يزيف حلمها مستعينا بالبيت الأبيض، أو يشوه ميدانها متكئا على تلال الأكاذيب، فالله أكبر من إرادة النخاسة، ومصر أكبر من فترينات العرض.. ومن جرس المزايدين.

هم لا يفهمون كيف يسعى شباب مصر إلى حتفهم مبتهجين، هم لا يعلمون كيف يحمل كل واحد منهم وطنا فى داخله، هم لا يدركون ذلك الإحساس الذى دفع محمد الجندى إلى ساحات الحرب، ولا يرون ذلك الحلم الذى دفع عمرو سعد إلى الموت مبتسما، ولم ينظروا إلى عين الحسينى أبو ضيف مرة، ليروا ذلك الموت السعيد، ولم يسمعوا صوت «جيكا» ليتيقنوا من أن هذا الصوت هو صوت الروح الرافضة لكل بائع، هم لم يشعروا بذلك الشعور الذى دفع شابا مثل «عمر»، أدمن صفحة «مولوتوف كولا» للنزول إلى شوارع مصر، رافضا كل محاولات بيع الثورة أو خيانتها، فأصيب بطلقة لم تزل فى رأسه، مثل آلاف غيره من شباب مصر الأنقياء الذين يحتفظون فى أجسامهم بآلاف الرصاصات أوسمة ونياشين، هم لا يدركون أنهم يحاربون جيلا بأكمله حلم بمصر المشتهاة، وتذوق طعم حلاوتها، وشم رحيق مجدها، وأسهم فى صناعة تاريخها، فهان عليه الرصاص، واستصغر قنابل الدخان والغاز، ولم يفزع من ميليشيات الجماعة، ولا آلاتها الإعلامية الخائنة، ولا تهمها الجاهزة، ولا الجحيم الكاذب الذى يبشرون معارضيهم به، هم لا يعلمون أنهم حينما أمروا مدرعات الميليشيات النظامية بدهس رؤوس أبناء مصر، يضعون أنفسهم تحت عجلات التاريخ التى لن ترحمهم، ولن تبقى لهم أثراً.